قوله تعالى : " وإن تعجب فعجب قولهم " أي إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم الصادق الأمين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث ، والله تعالى لا يتعجب ، ولا يجوز عليه التعجب ؛ لأنه تغير النفس بما تخفى أسبابه{[9333]} ، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون . وقيل المعنى : أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السماوات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة فقولهم عجب يعجب منه الخلق ؛ لأن الإعادة في معنى الابتداء . وقيل : الآية في منكري الصانع ، أي إن تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بد له من مغير فهو محل التعجب ، ونظم الآية يدل على الأول والثاني ؛ لقوله : " أئذا كنا ترابا " أي انبعث إذا كنا ترابا ؟ ! . " أئنا لفي خلق جديد " وقرئ " إنا " . و " الأغلال " جمع غل ، وهو طوق تشد به اليد إلى العنق ، أي يغلون يوم القيامة ، بدليل قوله : " إذ الأغلال في أعناقهم{[9334]} " [ غافر : 71 ] إلى قوله : " ثم في النار يسجرون " [ غافر : 72 ] . وقيل : الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم .
ولما ثبت قطعاً بما أقام من الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ملكوته التي لا يقدر عليها سواه أن هذا إنما هو فعل واحد قهار مختار يوجد المعدوم ويفاوت بين ما تقتضي{[43496]} الطبائع{[43497]} اتحاده ، كان إنكار شيء من قدرته عجباً ، فقال عطفاً على قوله :
{ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }[ هود : 17 ] مشيراً إلى أنهم يقولون : إن الوعد بالبعث سحر لا حقيقة له { وإن تعجب } أي يوماً من الأيام أو ساعة من الدهر فاعجب من إنكارهم البعث { فعجب } عظيم لا تتناهى{[43498]} درجاته في العظم { قولهم } بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والدلالات الناطقة{[43499]} بعظيم القدرة على كل شيء منكرين : { أإذا كنا تراباً } واختلط التراب الذي تحولنا{[43500]} إليه بالتراب الأصلي فصار لا يتميز ، ثم كرروا التعجب والإنكار بالاستفهام ثانياً فقالوا : { أإنا لفي خلق جديد } هذا قولهم بعد أن فصلنا من الآيات ما يوجب أنهم بلقاء ربهم يوقنون ، وهذا الاستفهام الثاني مفسر{[43501]} لما نصب الأول بما فيه من معنى { أنبعث{[43502]} } ، والعجب : تغير النفس بما خفي سببه عن العادة ، والجديد : المهيا بالقطع إلى التكوين قبل{[43503]} التصريف في الأعمال ، وأصل الصفة القطع ؛ قال الرماني : وقد قيل : لا خير فيمن{[43504]} لا يتعجب{[43505]} من العجب ، وأرذل منه من يتعجب{[43506]} من غير عجب{[43507]} - انتهى ، يعني : فالكفار تعجبوا من غير عجب : ومن تعجبهم{[43508]} فقد تعجب من العجب .
ولما كان هذا{[43509]} إنكار المحسوس من القدرة ، استحقوا ما يستحق من يطعن في{[43510]} ملك الملك{[43511]} ، فقال : { أولئك } أي الذين{[43512]} جمعوا أنواعاً من البعد مع كل خير { الذين كفروا بربهم } أي غطوا كل ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ خلقهم ثم رباهم بأنواع اللطف ، فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا مبدأهم { وأولئك } أي{[43513]} البعداء البغضاء { الأغلال } أي الحدائد التي تجمع أيدي الأسرى إلى أعناقهم ، ويقال لها : جوامع ، وتارة تكون في الأعناق فقط يعذب بها الناس ؛ ولما كان طرفا{[43514]} العنق غليظين ، فلا تكون{[43515]} إحاطة الجامعة منها إذا كانت ضيقة إلا بالوسط ، جعل الأعناق ظروفاً باعتبار أنها على بعض منها ، وذلك كناية عن ضيقها ، فقال : { في أعناقهم } أي{[43516]} بكفرهم وإن لم تكن الأغلال مشاهدة الآن ، فهي لقدرة المهدد بها على الفعل كأنها موجودة ، وهم منقادون لما قدر عليهم من أسبابها كما يقاد المغلول بها إلى ما يريد قائده{[43517]} ، والغل : طوق تقيد{[43518]} به اليد في العنق ، وأصله : انغل في الشيء - إذا انتشب فيه ، وغل المال{[43519]} - إذا خان بانتشابه في المال{[43520]} الحرام { و{[43521]} أولئك } أي الذين لا خسارة أعظم من خسارتهم { أصحاب النار } . ولما كانت الصحبة تقتضي الملازمة ، صرح بها فقال : { هم } أي خاصة { فيها } أي متمحضة لا يخلطها نعيم { خالدون * } أي ثابت{[43522]} خلودهم دائماً .
قوله تعالى : { وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ } يخاطب الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأنك إن تعجب يا محمد من تكذيب هؤلاء المشركين وجحودهم فأعجب من قولهم : { أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } الهمز للاستفهام ؛ يعني إذا صارت أجسادنا ترابا وأتى عليها الدثور والبلى أنبعث من جديد ؟ على أن الله لا يتعجب ؛ لأن التعجب لون من ألوان الأفعال النفسي ؛ فهو من صنع البشر ، والله سبحانه منزه عن طبائع البشر . وهذا الذكر لصيغة العجب يراد منه إثارة التعجيب في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم وكل مؤمن متدبر .
قوله : { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } الله تعالى يصم الذين يكذبون بالعبث من القبور ويجحدون قيام الساعة بأنهم كافرون بالله . ذلك أن الساعة والبعث والحساب والجزاء من تقدير الله وصنعه ، فمن جحد ذلك كان مكذبا لله ذي الجلال والشأن .
قوله : { وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ } { الأغلال } جمع ومفرده الغل بالضم{[2315]} . في رقبته غل من حديد ؛ أي قيد . فالأغلال تعني القيود توضع في أعناق الكافرين والضالين والفاسقين وهم يساقون إلى النار ليكونوا من أهلها وساكنيها الخالدين الماكثين أبدا{[2316]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.