الأولى-قوله تعالى : " فخلف من بعدهم خلف " أي أولاد سوء . قال أبو عبيدة : حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال : ذلك عند قيام الساعة ، وذهاب صالحي هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زنًى . وقد تقدم القول في " خلف " في " الأعراف " {[10887]} فلا معنى للإعادة .
الثانية- " أضاعوا الصلاة " وقرأ عبد الله والحسن " أضاعوا الصلوات " على الجمع . وهو ذم ونص في أن إضاعة الصلاة من الكبائر التي يوبق بها صاحبها ولا خلاف في ذلك ، وقد قال عمر : ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع . واختلفوا فيمن المراد بهذه الآية ، فقال مجاهد : النصارى خلفوا بعد اليهود . وقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد أيضا وعطاء : هم قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان ، أي يكون في هذه الأمة من هذه صفته لا أنهم المراد بهذه الآية . واختلفوا أيضا في معنى إضاعتها ، فقال القرظي : هي إضاعة كفر وجحد بها . وقال القاسم بن مخيمرة ، وعبدالله بن مسعود : هي إضاعة أوقاتها ، وعدم القيام بحقوقها وهو الصحيح ، وأنها إذا صليت مخلى بها لا تصح ولا تجزئ ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي صلى وجاء فسلم عليه ( ارجع فصل فإنك لم تصل ) ثلاث مرات خرجه مسلم ، وقال حذيفة لرجل يصلي فطفف{[10888]} : منذ كم تصلي هذه الصلاة ؟ قال منذ أربعين عاما . قال : ما صليت ، ولو مُتَّ وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم . ثم قال : إن الرجل ليخفف الصلاة ويتم ويحسن . خرجه البخاري واللفظ للنسائي ، وفي الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل ) يعني صلبه في الركوع والسجود ، قال : حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم ، يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود ، قال الشافعي وأحمد وإسحاق : من لم يقم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة ، قال صلى الله عليه وسلم ( تلك الصلاة صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ) . وهذا ذم لمن يفعل ذلك . وقال فروة بن خالد بن سنان : استبطأ أصحاب الضحاك مرة أميرا في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب ، فقرأ الضحاك هذه الآية ، ثم قال : والله لأن أدعها أحب إلي من أن أضيعها . وجملة القول هذا الباب أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها ، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ، كما أن من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه ، ولا دين لمن لا صلاة له . وقال الحسن : عطلوا المساجد ، واشتغلوا بالصنائع والأسباب . " واتبعوا الشهوات " أي اللذات والمعاصي .
الثالثة-روى الترمذي وأبو داود عن أنس بن حكيم الضبي أنه أتى المدينة فلقي أبا هريرة فقال له : يا فتى ألا أحدثك حديثا لعل الله تعالى أن ينفعك به ، قلت : بلى . قال : ( إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة فيقول الله تبارك وتعالى لملائكته وهو أعلم : انظروا في صلاة عبدي أتمها أو نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة وإن كان انتقص منها شيئا قال : انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان تطوع قال : أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلك ) . قال يونس : وأحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لفظ أبي داود . وقال : حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا داود بن أبي هند عن زرارة بن أوفى عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى . قال : ( ثم الزكاة مثل ذلك ) ( ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك ) . وأخرجه النسائي عن همام عن الحسن عن حريث بن قبيصة عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة بصلاته ، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر قال همام : لا أدري هذا من كلام قتادة ، أومن الرواية ، فإن انتقص من فريضته شيء قال : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل به نقص من الفريضة ثم يكون سائر عمله على نحو ذلك ) خالفه أبو العوام ، فرواه عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته ، فإن وجدت تامة كتبت تامة وإن كان انتقص منها شيء قال : انظروا هل تجدون له من تطوع يكمل ما ضيع من فريضته من تطوعه ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك ) قال النسائي أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا النضر بن شميل قال أنبأنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس يحي بن يعمر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته ، فإن كان أكملها وإلا قال الله عز وجل انظروا لعبدي من تطوع فإن وجد له تطوع قال : أكملوا به الفريضة ) قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب " التمهيد " أما إكمال الفريضة من التطوع فإنما يكون والله أعلم فيمن سها عن فريضة فلم يأت بها ، أولم يحسن ركوعها وسجودها ولم يدر قدر ذلك وأما من تركها ، أو نسي ثم ذكرها فلم يأت بها عامدا ، واشتغل بالتطوع عن أداء فرضها وهو ذاكر له فلا تكمل له فريضة من تطوعه والله أعلم ، وقد روى من حديث الشاميين في هذا الباب حديث منكر يرويه محمد بن حمير عن عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن قرط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من صلى صلاة لم يكمل فيها ركوعه وسجوده زيد فيها من تسبيحاته حتى تتم ) قال أبو عمر : وهذا لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه وليس بالقوي وإن كان صح كان معناه أنه خرج من صلاة كان قد أتمها عند نفسه وليست في الحكم بتامة .
قلت : فينبغي للإنسان أن يحسن فرضه ونفله حتى يكون له نفل يجده زائدا على فرضه يقربه من ربه كما قال سبحانه وتعالى ( وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " الحديث فأما إذا كان نفل يكمل به الفرض فحكمه في المعنى حكم الفرض ومن لا يحسن أن يصلي الفرض فأحرى وأولى ألا يحسن التنفل ، لا جرم تنفل الناس في أشد ما يكون من النقصان والخلل لخفته عندهم وتهاونهم به حتى كأنه غير معتد به ، ولعمر الله لقد يشاهد في الوجود من يشار إليه ويظن به العلم تنفله كذلك ، بل فرضه إذ ينقره نقر الديك لعدم معرفته بالحديث فكيف بالجهال الذين لا يعلمون وقد قال العلماء : ولا يجزئ ركوع ولا سجود ولا وقوف بعد الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا ، وهذا هو الصحيح في الأثر وعليه جمهور العلماء وأهل النظر ، وهذه رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " {[10889]} وإذا كان هذا فكيف يكمل بذلك التنفل ما نقص من هذا الفرض على سبيل الجهل والسهو ؟ ! بل كل ذلك غير صحيح ولا مقبول لأنه وقع على غير المطلوب والله أعلم .
الرابعة-قوله تعالى : " واتبعوا الشهوات " وعن علي رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى : ( واتبعوا الشهوات ) هو من بنى [ المشيد ]{[10890]} وركب المنظور{[10891]} ولبس المشهور . قلت الشهوات عبارة عما يوافق الإنسان ويشتهيه ويلائمه ولا يتقيه وفي الصحيح ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) وما ذكر عن علي رضي الله عنه جزء من هذا
" فسوف يلقون غيا " قال ابن زيد : شرا أو ضلالا أو خيبة ، قال{[10892]} :
فمن يلق خيرا يحمَدِ الناس أمره *** ومن يغوَ لا يعدم على الغَيِّ لائما
وقال عبد الله بن مسعود : هو واد في جهنم . والتقدير عند أهل الله فسوف يلقون هذا الغي كما قال جل ذكره : " ومن يفعل ذلك يلق أثاما " {[10893]} [ الفرقان : 68 ] والأظهر أن الغي اسم للوادي سمي به لأن الغاوين يصيرون إليه قال كعب ( يظهر في آخر الزمان قوم بأيديهم سياط كأذناب البقر ثم قرأ " فسوف يلقون غيا " أي هلاكا وضلالا في جهنم وعنه غي واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا فيه بئر يسمى البهيم كلما خبت جهنم فتح الله تعالى تلك البر فتسعر بها جهنم ، وقال ابن عباس : غي واد في جهنم وأن أودية جهنم لتستعيذ من حرة أعد الله تعالى ذلك الوادي للزاني المصر على الزنى ، ولشارب الخمر المدمن عليه ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور ولامرأة أدخلت على زوجها ولدا ليس منه .
ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود ، لأنهم أهل الكتاب وعندهم من علوم الأنبياء ما{[48462]} ليس عند العرب وقد استرشدوهم{[48463]} واستنصحوهم ، فقد كان أوجب الواجبات عليهم محض النصح لهم ، فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما تقدم إلى أن ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله سجداً ولأمره خضعاً ، عقب ذلك بتوبيخ هو أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن خاف الله ورسله فقال : { فخلف من بعدهم } أي {[48464]}في بعض{[48465]} الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعاً { خلف } هم في غاية الرداءة { أضاعوا الصلاة } الناهية عن الفحشاء والمنكر التي هي طهرة الأبدان ، وعصمة الأديان ، وأعظم الأعمال ، بتركها أو تأخيرها عن وقتها و{[48466]}الإخلال بحدودها ، فكانوا لما سواها أضيع ، فأظلمت قلوبهم فأعرضوا عن داعي العقل { واتبعوا } {[48467]}أي بغاية جهدهم{[48468]} { الشهوات } التي توجب العار في الدنيا والنار في الآخرة ، فلا يقربها من يستحق أن يعد بين الرجال ، من تغيير أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم في الزنا ، وتحريم الرشى والربا ، ونحو ذلك ، وأعظمه كتم البشارة بالنبي العربي الذي هو من ولد إسماعيل { فسوف يلقون } أي يلابسون - {[48469]}وعدا لا خلف فيه{[48470]} بعد طول المهلة - جزاء فعلهم هذا { غيّاً * } أي {[48471]}شراً يتعقب{[48472]} ضلالاً عظيماً ، فلا يزالون في عمى عن طريق الرشاد{[48473]} لا يستطيعون إليه سبيلاً ، وهم على بصيرة من أنهم على خطأ وضلال ، ولكنهم مقهورون على ذلك بما زين لهم منه حتى صارت لهم فيه أتم رغبة ، وذلك أعظم الشر{[48474]} ، ولم يزل سبحانه يستدرجهم بالنعم إلى أن قطعوا بالظفر والغلبة حتى أناخت بهم سطوات العزة ، فأخذوا على غرة ، ولا أنكأ من الأخذ على هذه الصفة بعد توطين النفس على الفوز ، وهو من وادي قوله
ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً{[48475]} }[ الإسراء : 97 ] مع قوله { أسمع بهم وأبصر } وجزاء من كان هذا ديدنه في الدنيا والآخرة معروف لكل من له أدنى بصيرة أنه العار ثم النار ، وأيضاً فإن من ضل أخطأ طريق الفلاح من الجنة وغيرها فخاب ، ومن خاب فقد هلك ؛ قال أبو علي الجبائي{[48476]} : والغي هو الخيبة في اللغة - انتهى . ويجوز أن يراد بالغي الهلاك ، إما من قولهم - أغوية - وزن أثفية - أي مهلكة ، وإما من تسمية الشيء باسم ما يلزمه .
قوله تعالى : { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ( 59 ) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ( 60 ) جنات عدن التي وعد الرحمان عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا ( 61 ) لا يسمعون فيها لغوا ولا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ( 62 ) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا ( 63 ) } بعد أن ذكر الأبرار من نبيين وصديقين وصالحين ، شرع في ذكر صنف آخر من الناس جاءوا عقب أولئك الأولين الأبرار . لكن هؤلاء صنف مغاير من الأشقياء والخاسرين الذين باءوا بالهلاك وسوء المصير في الآخرة . وهم المراد بهم في قوله ( فخلف من بعدهم خلف ) والخلف بسكون اللام وهم القرن بعد القرن . يقال : هؤلاء خلف سوء{[2908]} فقد ( أضاعوا الصلاة ) واختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة في الآية . فقد قيل : المراد إضاعة أوقاتها وعدم القيام بحقوقها من تمام الأداء والخشوع . وقيل : المراد بإضاعتها ، تركها بالكلية . وهذا أنسب للسياق ؛ فإن الآية تتضمن تعريضا بصنف فاسق مغاير للمؤمنين السابقين فهم جيل التفريط من الأمم الغافلة على مرّ الزمن ، والتي أدبرت عن طاعة الله وجمحت في ابتغاء الشهوات جموح الخاسرين الشاردين عن الهدى والرشاد . ولا يضيّع الصلاة ويبتغي الشهوات بكل سبب أو وسيلة محظورة أو مشروعة إلا الخاسرون الهلكى الذين آثروا الدنيا على الآخرة واستعاضوا عن الطاعات بالشهوات على اختلاف صورها وضروبها .
قوله : ( فسوف يلقون غيا ) الغي معناه الخيبة والخسران . وقيل : واد في جهنم يصير إليه الغاوون الخاسرون الذين ضيعوا الصلاة واتبعوا الشهوات . وهذا تعزيز للقول بأن المراد بتضييع الصلاة هو تركها كليا .