الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ} (18)

قوله تعالى : { صم بكم عمي } ( صمٌّ ) أي هم صم ، فهو خبر ابتداء مضمر . وفي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة : صماً بكماً عمياً ، فيجوز النصب على الذم ، كما قال تعالى : " ملعونين{[298]} أينما ثقفوا " [ الأحزاب : 61 ] ، وكما قال : " وامرأته حمالة{[299]} الحطب " [ المسد : 4 ] ، وكما قال الشاعر{[300]} :

سقوني الخمر ثم تكنَّفوني *** عداةَ الله من كذب وزور

فنصب " عداة الله " على الذم . فالوقف على " يبصرون " على هذا المذهب صواب حسن . ويجوز أن ينصب صما ب " تركهم " ، كأنه قال : وتركهم صما بكما عميا ، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على " يبصرون " . والصمم في كلام العرب : الانسداد ، يقال : قناة صماء إذا لم تكن مجوفة . وصممت القارورة إذا سددتها . فالأصم : من انسدت خروق مسامعه . والأبكم : الذي لا ينطق ولا يفهم ، فإذا فهم فهو الأخرس . وقيل : الأخرس والأبكم واحد . ويقال : رجل أبكم وبكيم ، أي أخرس بين الخرس والبكم ، قال :

فليت لساني كان نصفين منهما*** بكيمٌ ونصفٌ عند مجرى الكواكب

والعمى : ذهاب البصر ، وقد عمي فهو أعمى ، وقوم عمي ، وأعماه الله . وتعامى الرجل : أرى ذلك من نفسه . وعمي عليه الأمر إذا التبس ، ومنه قوله تعالى : " فعميت عليهم الأنباء يومئذ{[301]} " [ القصص : 66 ] . وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة ، وإنما الغرض نفيها من جهة ما ، تقول : فلان أصم عن الخنا . ولقد أحسن الشاعر حيث قال :

أصمُّ عما ساءَهُ سميعُ

وقال آخر :

وعوراء الكلام صممتُ عنها *** ولو أني أشاء بها سميع

وقال الدارمي :

أعمى إذا ما جارتي خرجت *** حتى يواريَ جارتِي الجُدْرُ

وقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك :

اُدخل إذا ما دخلتَ أعمَى *** واخرج إذا ما خرجت أخرس

وقال قتادة : " صم " عن استماع الحق ، " بكم " عن التكلم به ، " عمي " عن الإبصار له .

قلت : وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ولاة آخر الزمان في حديث جبريل ( وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها ) . والله أعلم .

قوله تعالى : " فهم لا يرجعون " أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم . يقال : رجع بنفسه رجوعا ، ورَجَعَه غيره ، وهذيل تقول : أرجعه غيره . وقوله تعالى : " يرجع بعضهم إلى بعض القول{[302]} " [ سبأ : 31 ] أي يتلاومون فيما بينهم ، حسب ما بينه التنزيل في سورة " سبأ " {[303]} .


[298]:راجع ج 14 ص 247
[299]:راجع ج 20 ص 239
[300]:هو عروة بن الورد وصف ما كان من فعل قوم امرأته عليه وسقوه الخمر حتى أجابهم إلى مفاداتها وكانت سبية عنده (عن شرح الشواهد).
[301]:راجع ج 13 ص 304.
[302]:راجع ج 14 ص 302
[303]:راجع ج 14 ص 302
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ} (18)

ولما فرغ من المثل كشف المراد بظلماتهم بأنها ما في آذانهم من الثقل المانع من الانتفاع بالسماع ، وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير الناشىء عن عدم الإدراك الناشىء عن عمى{[780]} البصائر وفساد الضمائر والسرائر ، وما على أبصارهم من الغشاوة المانعة من الاعتبار وعلى بصائرهم من الأغطية المنافية للادّكار{[781]} فقال{[782]} : { صم } أي عن السماع النافع { بكم } عن النطق المفيد لأن قلوبهم مختوم عليها فلا ينبعث منها خير تقذفه{[783]} إلى الألسنة { عمي } في البصر والبصيرة عن الإبصار المرشد لما تقدم من الختم على مشاعرهم ، ولما كان في مقام إجابة الداعي إلى الإيمان قدم السمع لأنه العمدة في ذلك ، وثنى بالقول لأنه يمكن الأصم الإفصاح عن المراد ، وختم بالبصر لإمكان الاهتداء به بالإشارة ؛ وكذا ما يأتي في هذه السورة سواء بخلاف ما في الإسراء ، { فهم } أي فتسبب عن ذلك أنهم { لا } ولما كان المراد التعميم في كل رجوع لم يذكر المرجوع عنه فقال : { يرجعون{[784]} } أي عن طغيانهم وضلالهم إلى الهدى الذي باعوه ولا إلى حالهم الذي كانوا عليه ولا ينتقلون{[785]} عن حالهم هذا{[786]} أصلاً ، لأنهم كمن هذا حاله ، ومن هذا حاله لا يقدر على مفارقة موضعه بتقدم ولا تأخر


[780]:في م: علم - كذا
[781]:في م: للاذكار والادكار والاذكار كلاهما بمعنى
[782]:قال البيضاوي: لما سدوا مسامعهم عن الإصاخة إلى الحق وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ويتبصروا والآيات بأبصارهم جعلوا كأنما إيفت مشاعرهم وانتفت قواهم كقوله : صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا. وقوله: أصم عن الشيء الذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أريد
[783]:من م ومد وظ وفي الأصل: تقدفه – كذا بالدال المهملة
[784]:لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه أو عن الضلالة التي اشتروها أو فهم يتحيرون لا يدرون أ يتقدمون أو يتأخرون وإلى حيث ابتدأوا منه كيف يرجعون والفاء للدلالة على أن اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم واحتباسهم – انتهى.
[785]:من م ومد وظ، ووقع في الأصل: ينتقلون - كذا
[786]:ليس في ظ
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ} (18)

قوله : ( صم بكم عمي فهم لا يرجعون ( تلك هي حقيقة حال المنافقين ، وهي حال تكشف عن طبيعة شاذة ملتوية ، لا يؤثر فيها النداء الكريم ، ولا تلجها الذكرى ، فهي طبيعة منكمشة صلدة لا تعي صدق الدين والنبوة ، ولا تقوى على استلهام شيء من حلاوة الإيمان ، وأصدق لهؤلاء المنافقين ما ذكرته الآية من كلمات شاملة معدودة ( صم بكم عمي ( وهذه كلمات قليلة تزجي بالمعنى المقصود على أتم ما يكون الإرجاء فهم صم لا يسمعون الحق ، وذلك لإعراضهم وانثنائهم عنه ، وهم كذلك بكم ومفردها أبكم وهو الأخرص الذي يظل قابعا دون إعطاء أو مشلولا لا يؤتي خيرا أو نفعا .

وهم يتفصون أيضا بالعمى الذي تنحجب معه الرؤية وتنغلق به الأبصار فلا يكون إذ ذاك اهتداء أو استبصارا ، وذلك كشف مريع يبين حقيقة المنافقين الذين انقلبوا إلى مغاليق في بصائرهم وفي كل أداة من أدوات الحس فيهم ، سواء كان ذلك السمع أو النطق أو البصر . إن هؤلاء باتوا قساة في طبائعهم وقلوبهم إلى أن بلغوا الإيصاد المطبق يغشى فيهم كل مسلك من مسالك التفكير أو الفطرة ، وتلك هي درجة الإياس الذي لا يرتجي بعده إيمان أو هداية ، وذلك قوله سبحانه : ( فهم لا يرجعون ( لا رجعة للمنافقين الى حومة الخشوع المتذلل لله وحده ، ولا رجاء لهم في العودة إلى الإيمان الذي نبذوه في خسة وحماقة ليستبدلوا به الكفر والعمه وليكونوا مع الجاحدين والفاسقين .