قوله تعالى : { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } فمثلهم رفع بالابتداء والخبر في الكاف ، فهي اسم ، كما هي في قول الأعشى :
أتنتهون ولن ينهى ذوِي شطط *** كالطعن يذهب فيه الزيت والفُتُلُ{[288]}
ورحنا بكَابْنِ الماء يُجنَب وسَطنا *** تَصَوَّبُ فيه العين طوراً وترتقي{[289]}
أراد مثل الطعن ، وبمثل ابن الماء . ويجوز أن يكون الخبر محذوفا ، تقديره مثلهم مستقر كمثل ، فالكاف على هذا حرف . والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه الشبيه . والمتماثلان : المتشابهان ، هكذا قال أهل اللغة .
قوله " الذي " يقع للواحد والجمع . قال ابن الشجري هبة الله بن علي : ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد ، كما قال :
وإن الذي حانت بفَلْج دماؤهم *** هم القوم كل القوم يا أم خالد{[290]}
وقيل في قول الله تعالى " والذي{[291]} جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " [ الزمر : 33 ] : إنه بهذه اللغة ، وكذلك قوله : " مثلهم كمثل الذي " قيل : المعنى كمثل الذين استوقدوا ، ولذلك قال : " ذهب الله بنورهم " ، فحمل أول الكلام على الواحد ، وآخره على الجمع . فأما قوله تعالى : " وخضتم كالذي{[292]} خاضوا " [ التوبة : 69 ] فإن الذي ههنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا . وقيل : إنما وحد " الذي " و " استوقد " لأن المستوقد كان واحدا من جماعة تولي الإيقاد لهم ، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال " بنورهم " . واستوقد بمعنى أوقد ، مثل استجاب بمعنى أجاب ، فالسين والتاء زائدتان . قاله الأخفش ، ومنه قول الشاعر{[293]} :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي يجبه . واختلف النحاة في جواب لما ، وفي عود الضمير من " نورهم " ، فقيل : جواب لما محذوف وهو طفئت ، والضمير في " نورهم " على هذا للمنافقين ، والإخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة ، كما قال تعالى : " فضرب بينهم بسور له باب{[294]} " [ الحديد : 13 ] . وقيل : جوابه " ذهب " ، والضمير في " نورهم " عائد على " الذي " ، وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد ؛ لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده . والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين ، وذلك أن ما يظهرونه من الإيمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من أوقد نارا في ليلة مظلمة فاستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه ، فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا ، فكذلك المنافقون لما آمنوا اغتروا بكلمة الإسلام ، ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم - كما أخبر التنزيل : " إن المنافقين{[295]} في الدرك الأسفل من النار " [ النساء : 145 ] - ويذهب نورهم ، ولهذا يقولون : " انظرونا نقتبس{[296]} من نوركم " [ الحديد : 13 ] . وقيل : إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار ، وانصرافهم عن مودتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها . وقيل غير هذا .
قوله : " نارا " النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الإشراق . وهي من الواو ، لأنك تقول في التصغير : نويرة ، وفي الجمع نور وأنوار ونيران ، انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها .
قوله تعالى : " فلما أضاءت ما حوله " ضاءت وأضاءت لغتان ، يقال : ضاء القمر يضوء ضوءا وأضاء يضيء ، يكون لازما ومتعديا . وقرأ محمد بن السميقع : ضاءت بغير ألف ، والعامة بالألف ، قال الشاعر :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم *** دجى الليل حتى نظَّمَ الجَزْعَ{[297]} ثاقبُهْ
( ما حوله ) " ما " زائدة مؤكدة . وقيل : مفعولة بأضاءت . و " حوله " ظرف مكان ، والهاء في موضع خفض بإضافته إليها . " ذهب " وأذهب لغتان من الذهاب ، وهو زوال الشيء . " وتركهم " أي أبقاهم . " في ظلمات " جمع ظُلْمة . وقرأ الأعمش : " ظلْمات " بإسكان اللام على الأصل . ومن قرأها بالضم فللفرق بين الاسم والنعت . وقرأ أشهب العقيلي : " ظلَمات " بفتح اللام . قال البصريون : أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف . وقال الكسائي : " ظلمات " جمع الجمع ، جمع ظلم . " لا يبصرون " فعل . مستقبل في موضع الحال ، كأنه قال : غير مبصرين ، فلا يجوز الوقف على هذا على " ظلمات " .
فلما علم ذلك كله وكانت الأمثال ألصق بالبال وأكشف للأحوال مثل حالهم في هداهم الذي باعوه بالضلالة بالأمور المحسوسة ، لأن للتمثيل بها شأناًعظيماً في إيصال المعاني حتى إلى الأذهان الجامدة وتقريرها فيها بقوله تعالى { مثلهم{[765]} } أي في حالهم هذه التي طلبوا أن يعيشوا بها { كمثل الذي استوقد ناراً }{[766]} أي طلب أن توقد له وهي هداه ليسير في نورها ، وأصلها من نار إذا نفر لتحركها واضطرابها ، فوقدت وأنارت .
{ فلما أضاءت } أي{[767]} النار ، وأفرد الضمير باعتبار لفظ " الذي " فقال : { ما حوله } وأراد أن ينتفع بها في إبصار ما يريد ، وهو كناية عما حصل لهم من الأمنة بما قالوه من كلمة الإسلام من غير اعتقاد { ذهب الله } الذي له كمال العلم والقدرة ، وجمع الضمير نظراً إلى المعنى لئلا يتوهم أن بعضهم انتفع دون بعض بعد أن أفرده تقليلاً للنور وإن كان قوياً في أوله لانطفائه في آخره فقال : { بنورهم }{[768]} أي الذي نشأ من تلك النار بإطفائه لها ولا نور لهم سواه ؛ ولم يقل : بضوئهم ، لئلا يتوهم أن المذهوب به الزيادة فقط ، لأن الضوء أعظم من مطلق النور
{ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً }{[769]} [ يونس : 5 ] فذهب نورهم وبقيت نارهم ليجتمع عليهم حرّها مع حر الفقد لما ينفعهم من النور ، وعبر{[770]} بالإضاءة أولاً إشارة إلى قوة أولهم وانمحاق آخرهم ، لأن محط حالهم الباطل والباطل له صولة ثم تضمحل عند من ثبت لها ليتبين{[771]} الصادق من الكاذب ، وعبر بالذهاب به{[772]} دون إذهابه ليدل نصاً على أنه سبحانه ليس معهم وحقق ذلك{[773]} بالتعبير عن صيّر بترك{[774]} فقال : { وتركهم في ظلمات } أي بالضلالة{[775]} من قلوبهم وأبصارهم وليلهم أي ظلمات لا ينفذ{[776]} فيها بصر ، فلذا كانت نتيجته { لا يبصرون }{[777]} أي لا إبصار لهم أصلاً{[778]} ببصر ولا بصيرة . {[779]}
قوله : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ( مثلهم مبتدأ كمثل جار ومجرور خبره ، {[24]}
ذلك مثل يضربه الله لهؤلاء المنافقين وهو يطابق حقيقة المنافقين و ما سلكوه من طريق الضلالة والتعتر .
إن هؤلاء المنافقين الذين رأوا الحق واستمعوا إليه وأدركوه إدراكا ثم رفضوه ونبذوه ، مثلهم كالذي تكون من حوله نار مستوقدة مضيئة تكشف له عما حوله من أمور وأشياء حتى إذا أبصر ما حوله وكان مبصرا مهتديا انطفأت النار فذهب الضياء والنور وأصبح الذي كان مستنيرا لا يرى شيئا فتعثر في الضلال والعمه .
تلك هي حال المنافق إذ تأتيه نسائم الإيمان ، وتهتف به نداءات الخير والهداية من أجل أن يستقيم ويهتدي ثم يجحد ذلك كله وينفلت عنه انفلاتا عاتيا ليكون في صف العصاة والأذلين .
واختلف المفسرون في شأن المنافقين هنا من حيث كفرانهم بعد إيمان ، أو أنهم لم يكونوا قد أمنوا من قبل ، وأن الإيمان لم يدخل قلوبهم في يوم من الأيام ، ثمة قولان في هذه المسألة مع أن ظاهر الآية يوحي باعتبار القول الأول وهو أن هؤلاء المنافقين قد كفروا بعد الإيمان ، وأنهم اتبعوا الضلال بعد أن لامست الهداية قلوبهم .