قوله تعالى : " يكاد البرق يخطف أبصارهم " ( يكاد ) معناه يقارب ، يقال : كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل . ويجوز في غير القرآن : يكاد أن يفعل ، كما قال رؤبة :
قد كاد من طول البلى أن يَمْصَحَا{[327]}
مشتق من المصح وهو : الدرس . والأجود أن تكون بغير " أن " ، لأنها لمقاربة الحال ، و " أن " تصرف الكلام إلى الاستقبال ، وهذا متناف ، قال الله عز وجل : " يكاد سنا برقه{[328]} يذهب بالأبصار " [ النور : 43 ] . ومن كلام العرب : كاد النعام يطير ، وكاد العروس يكون أميرا ، لقربهما من تلك الحال . وكاد فعل متصرف على فعل يفعل . وقد جاء خبره بالاسم وهو قليل ، قال : " وما كدت{[329]} آئبا " . ويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق ، في كون خبرها بغير " أن " ، قال الله عز وجل : " وطفقا{[330]} يخصفان عليهما من ورق الجنة " [ الأعراف : 22 ] لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة ، والحال لا يكون معها " أن " ، فأعلم .
قوله تعالى : " يخطف أبصارهم " الخطف : الأخذ بسرعة ، ومنه سمي الطير خطافا لسرعته . فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم . ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم . ويخْطَف ويخْطِف لغتان قرئ بهما . وقد خطفه ( بالكسر ) يخطفه خطفا ، وهي اللغة الجيدة ، واللغة الأخرى حكاها الأخفش : خطف يخطف . الجوهري : وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف . وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى " يكاد البرق يخطف أبصارهم " وقال النحاس : في " يخطف " سبعة أوجه ، القراءة الفصيحة : يخطَف . وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب : يخطف بكسر الطاء ، قال سعيد الأخفش : هي لغة . وقرأ الحسن وقتادة وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء . وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بفتح الخاء . قال الفراء : وقرأ بعض أهل المدينة بإسكان الخاء وتشديد الطاء . قال الكسائي والأخفش والفراء : يجوز " يخطف " بكسر الياء والخاء والطاء . فهذه ستة أوجه موافقة للخط . والسابعة حكاها عبد الوارث قال : رأيت في مصحف أبي بن كعب " يتخطف " ، وزعم سيبويه والكسائي أن من قرأ " يخطف " بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده يختطف ، ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين . قال سيبويه : ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها . وقال الكسائي : ومن كسر الياء فلأن الألف في اختطف مكسورة . فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة من إسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز ، لأنه جمع بين ساكنين . قال النحاس وغيره .
قلت : وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء " يخِطَّف " . قال ابن مجاهد : وأظنه غلطا ، واستدل على ذلك بأن " خطِف الخطفة{[331]} " لم يقرأه أحد بالفتح .
" أبصارهم " جمع بصر ، وهي حاسة الرؤية . والمعنى : تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم . ومن جعل " البرق " مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم .
قوله تعالى : " كلما أضاء لهم مشوا فيه " " كلما " منصوب لأنه ظرف . وإذا كان " كلما " بمعنى " إذا " فهي موصولة والعامل فيه " مشوا " وهو جوابه ، ولا يعمل فيه " أضاء " ، لأنه في صلة ما . والمفعول في قول المبرد محذوف ، التقدير عنده : كلما أضاء لهم البرق الطريق . وقيل : يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى ، كسكت وأسكت ، فيكون أضاء وضاء سراء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول . قال الفراء : يقال ضاء وأضاء ، وقد تقدم . والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه ، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه " قاموا " أي ثبتوا على نفاقهم ، عن ابن عباس . وقيل : المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا : دين محمد دين مبارك ، وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم ، عن ابن مسعود وقتادة . قال النحاس : وهذا قول حسن ، ويدل على صحته : " ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه{[332]} " [ الحج : 11 ] وقال علماء الصوفية : هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له أحوال الإرادة بدءا ، فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر ، كأن تضيء عليه أحوال الإرادة لو صححها بملازمة آدابها ، فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها . وروي عن ابن عباس أن المراد اليهود ، لما نصر النبي صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا : هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية ، فلما نكب بأحد ارتدوا وشكوا ، وهذا ضعيف . والآية في المنافقين ، وهذا أصح عن ابن عباس ، والمعنى يتناول الجميع .
قوله تعالى : " ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم " " لو " حرف تمن وفيه معنى الجزاء ، وجوابه اللام . والمعنى : ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم . وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا ، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان . وقرئ " بأسماعهم " على الجمع ، وقد تقدم الكلام في هذا{[333]} .
قوله تعالى : " إن الله على كل شيء قدير " عموم ، ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه . وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير ، فهو سبحانه قدير قادر مقتدر . والقدير أبلغ في الوصف من القادر ، قاله الزجاجي . وقال الهروي : والقدير والقادر بمعنى واحد ، يقال : قدرت على الشيء أقدر قدْرا وقدَرا ومقْدِرة ومقْدُرة وقدرانا ، أي قدرة . والاقتدار على الشيء : القدرة عليه . فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم . فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر ، له قدرة بها فعل ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره . ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة ، وأنه غير مستبد بقدرته . وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها ، لأنه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة ، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك . والله أعلم .
فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين ، أربع آيات في وصف المؤمنين ، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين ، وبقيتها في المنافقين . وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج ، وقاله مجاهد أيضا .
ثم استأنف{[803]} الحديث عن بقية حالهم فقال : { يكاد البرق } أي من قوة لمعه وشعاعه وشدة حركته وإسراعه { يخطف أبصارهم } فهم يغضونها عند لمعه وخفضه في ترائبه ورفعه ، ولما كان من المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة كان كأنه قيل : ما{[804]}ذا يصنعون عند ذلك ؟ فقال{[805]} : { كلما }{[806]} وعبر بها دون إذا{[807]} دلالة على شدة حرصهم على إيجاد المشي{[808]} عند الإضاءة { أضاء لهم مشوا فيه } مبادرين إلى ذلك حراصاً عليه لا يفترون عنه في وقت من أوقات{[809]} الإضاءة مع أنهم يغضون أبصارهم ولا يمدونها غاية المد خوفاً عليهم ووقوفاً مع الأسباب ووثوقاً بها واعتماداً عليها وغفلة عن رب الأرباب ، وهو مثل لما وجدوا من القرآن موافقاً لآرائهم ، وعطف بإذا لتحقق خفوته بعد خفوقه قوله : { وإذا أظلم عليهم قاموا } أي أول حين الإظلام لا يقدرون على التقدم خطوة واحده إشارة إلى أنه ليست لهم{[810]} بصائريسيرون بها فيما كشف البرق لأبصارهم من الأرض قبل الإظلام بل{[811]} حال انقطاع اللمعان يقفون لعمى بصائرهم ووحشتهم وجبنهم وغربتهم وشدة جزعهم وحيرتهم ، وهكذا حال هؤلاء لا يقيسون ما أشكل عليهم من القرآن على ما فهموه .
( ولو شاء الله } الذي له العظمة الباهرة مع شدة حرصهم وتناهي جزعهم ، ودل على مفعول شاء بقوله : { لذهب بسمعهم } أي بقاصف الرعد ولم يغنهم سدّ آذانهم { وأبصارهم } بخاطف البرق ولم يمنعه غضَّهم لها ، ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { على كل شيء } أي مشيء أي يصح أن تقع عليه المشيئة هذا المراد وإن كان الشيء كما قال سيبويه يقع على كل ما أخبر عنه ، وهو أعم العام كما أن الله أخص الخاص ، يجري على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال ، وقول الأشاعرة : إن المعدوم ليس بشيء{[812]} ، بمعنى أنه ليس بثابت في الأعيان{[813]} متميز فيها{[814]} { قدير } إعلاماً بأن قدرته لا تتقيد بالأسباب ، {[815]}قال الحرالي : القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر انتهى{[816]} .
ولعله سبحانه قدم المثل الأول لأنه كالجزء من الثاني ، أو لأنه مثل المنافقين ، جعلت مدة{[817]} صباهم بنموهم وازدياد عقولهم استيقاداً{[818]} مع جعل الله إياهم على الفطرة القويمة وزمان بلوغهم بتمام العقل الغريزي إضاءة ؛ والثاني مثل المنافقين وهو أبلغ . لأن الضلال فيه أشنع وأفظع . فالصيب القرآن الذي انقادوا له ظاهراً ، والظلمات متشابهه{[819]} ، والصواعق وعيده ، والبرق وعده ، كلما أنذروا بوعيد انقطعت قلوبهم خوفاً
{ يحسبون كل صيحة عليهم{[820]} }[ المنافقون : 4 ] وكلما بشروا انقادوا رجاء ، وإذا عرض المتشابه وقفوا تحيراً وجفاء وكل ذلك وقوفاً مع الدنيا وانقطاعاً إليها ، لا نفوذ{[821]} لهم إلى ما وراءها أصلاً ، بل هم كالأنعام ، لا نظر لهم إلى ما{[822]} سوى الجزيئات والأمور المشاهدات ،
{ فإن كان{[823]} لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم{[824]} }[ النساء : 141 ]
{ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً{[825]} }[ النساء : 73 ] والكلام{[826]} الجامع النافع في ذلك أن يقال إنه سبحانه شبّه في الأول مثلهم بمثل المستوقَد لا بالمستوقِد ، و{[827]}في الثاني شبه مثلهم في خوفهم اللازم ورجائهم المنقطع{[828]} بأصحاب الصيب لا بمثلهم{[829]} ؛ فتقدير الأول مثلهم في أنهم سمعوا أولاً الدعاء ورأوا الآيات فأجابوا الداعي إما بالفعل كالمنافقين وإما بالقوة في أيام الصبا{[830]} لما عندهم من سلامة الفطر وصحة النظر ، ثم تلذذوا فرجعوا بقلوبهم من نور ما قالوه بألسنتهم من كلمة التقوى نطقاً أو تقديراً إلى ظلمات الكفر ، فلم ينفعهم سمع ولا بصر ولا عقل{[831]} ، فصاروا مثل البهائم التي لا تطيع الراعي إلا بالزجر البليغ ، مثلهم في هذا يشبه مثل المستوقد في أنه لما أضاءت ناره رأى ما حوله ، فلما ذهبت لم يقدر على تقدم ولا تأخر ، لأنه لا ينفع في ذلك سمع ولا كلام فإذن{[832]} استوى وجودهما وعدمهما ، فصار عادماً للثلاثة ، فكان من هذه الجهة{[833]} مساوياً للأصم الأبكم الأعمى ، فهو مثله لكونه لا يقدر على مراده إلا أن قاده قائد حسي ، فهو حينئذ{[834]} مثل البهائم التي لا تقاد{[835]} للمراد إلا بقائد ، فاستوى المثلان وسيتضح ذلك عند قوله تعالى :
كمثل الذي ينعق{[836]} }[ البقرة : 171 ] ولذلك كانت النتيجة في كل منها صم{[837]} إلى آخره و " أو " بمعنى الواو ، ولعله عبر بها دونها لأنه{[838]} وإن كان كل من{[839]} المثلين صالحاً لكل من القسمين فإن احتمال التفصيل غير بعيد ، لأن{[840]} الأول أظهر في الأول{[841]} والثاني في الثاني . {[842]}
وجعل الحرالي المثلين للمنافقين فقال : ضرب لهم مثلين لما كان لهم حالان وللقرآن عليهم تنزلان ، منه ما يرغبون فيه لما فيه من مصلحة دنياهم ، فضرب لهم المثل الأول ، وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين آمنوا{[843]} لما رأوا من{[844]} معاجلة عقاب الذين كفروا في الدنيا ؛ ومنه ما يرهبونه ولا يستطيعون سماعه لما يتضمنه من أمور شاقة عليهم لا يحملها إلا مؤمن حقاً ولا يتحملها إلا من أمن ، ولما يلزم منه من{[845]} فضيحة خداعهم فضرب له المثل الثاني ؛ فلن يخرج حالهم عند نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين انتهى . وضرب الأمثال المنهي إلى الحمد{[846]} المنتهي إلى الإحاطة بكل حد لا سيما في أصول الدين الكاشف لحقيقة التوحيد الموصل إلى اليقين في الإيمان بالغيب المحقق لما لله تعالى{[847]} من صفات الكمال الدافع للشكول الحافظ في طريق السلوك مما{[848]} اختص به القرآن من حيث كان منهياً إلى الحمد ومفصحاً{[849]} به فكان حرف{[850]} الحمد ، وذلك أنه حرف عام{[851]} محيط شامل لجميع الأمور كافل بكل الشرائع في سائر الأزمان ؛ فكان أحق الرسل به من كانت رسالته عامة لجميع الخلق وكتابه شاملاً لجميع الأمر وهو أحمد ومحمد صلى الله عليه وسلم .
قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه " عروة المفتاح " : هذا الحرف لإحاطته أنزل وتراً وسائر الحروف أشفاع لاختصاصها ، ووجه إنزاله تفهيم ما غمض{[852]} من المغيبات بضرب مثل من المشهودات ، ولما كان للأمر تنزلات وللخلق تطورات كان الأظهر منها مثلاً لما هو دونه في الظهور ، وكلما ظهر ممثول صار مثلاً{[853]} لما هو أخفى منه ، فكان لذلك أمثالاً عدداً منها مثل ليس بممثول لظهوره وممثولات تصير أمثالاً لما هو أخفى منها إلى أن تنتهي الأمثال إلى غاية محسوس أو معلوم ، فتكون تلك الغاية مثلاً أعلى كالسماوات والأرض فيما يحس والعرش والكرسي{[854]} فيما يعلم
{ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض{[855]} }[ الروم : 27 ]
{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم{[856]} }[ غافر : 7 ] وذلك المثل الأعلى لإحاطته اسمه الحمد
{ وله الحمد في السماوات والأرض{[857]} }[ الروم : 18 ] وأحمده أنهاه وأدناه إلى الله تعالى بحيث لا يكون بينه وبين الله تعالى واسطة ، فلذلك ما استحق أكمل الخلق وأجمعه وأكمل الأمر وأجمعه الاختصاص بالحمد ، فكان أكمل الأمور سورة الحمد وكان أكمل الخلق صورة محمد صلى الله عليه وسلم ، كان خُلقه القرآن
و{ لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم{[858]} }[ الحجر : 87 ] ودون المثل الأعلى الجامع الأمثال العلية المفصلة منه
{ ضرب لكم مثلاً من أنفسكم{[859]} }[ الروم : 28 ] ولإحاطة أمر الله وكماله في كل شيء يصح أن يضربه مثلاً
{ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها{[860]} }[ البقرة : 26 ]
{ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً{[861]} }[ العنكبوت : 41 ] وللمثل حكم من ممثوله ، إن كان حسناً حسنَ مثله ، وإن كان سيئاً ساء مثله ؛ ولما كان أعلى الأمثال الحمد كان أول الفاتحة الحمد ، ولما كان أخفى أمر الخلق النفاق كان أول مثل في الترتيب مثل النفاق ، وهو أدنى مثل لما خفي من أمر الخلق ، كما أن الحمد أعلى مثل لما غاب من أمر الحق ، وبين الحدين أمثال حسنة وسيئة
{ مثل الجنة التي وعد المتقون{[862]} }[ الرعد : 35 ] الآيتين ،
{ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها{[863]} }[ الجمعة : 5 ]
{ فمثله كمثل الكلب{[864]} }[ الأعراف : 176 ] الآيتين . وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه يتزايد للمؤمن الإيمان وللعالم العلم وللفاهم الفهم ، وبضد ذلك لمن اتصف بأضداد تلك الأوصاف ، { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً } ومعرفة أمثال القرآن المعرفة إحاطة ممثولاتها وعلم آياته المعلمة اختصاص معلوماتها هو حظ العقل واللب وحرفه من القرآن ، ولكل حرف اختصاص بحظ من تدرّك{[865]} الإنسان وأعمال القلوب والأنفس والأبدان ، فمن يسر{[866]} له القراءة والعمل بحرف منه اكتفى ، ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علماً وعملاً فقد أتم ووفّى ، وبذلك يكون القارىء من القراء الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنهم أعز من الكبريت الأحمر "
{ يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم{[867]} }[ آل عمران : 74 ] .
ثم قال فيما به يحصل{[868]} قراءة هذا الحرف : اعلم أن قراءة الأحرف الستة تماماً وفاء بتفصيل العبادة ، لأنها أشفاع ثلاثة للتخلص والتخلي وثلاثة للعمل والتحلي ، لأن ترك الحرام طهرة البدن وترك النهي طهرة النفس وترك التعرض للمتشابه طهرة القلب ، ولأن تناول الحلال زكاء البدن وطاعة الأمر زكاء النفس وتحقق العبودية بمقتضى حرف المحكم نور القلب ؛ وأما قراءة حرف الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعاً ودواماً { وله الدين واصباً{[869]} }[ النحل : 52 ] و { الذين هم على صلاتهم دائمون{[870]} }[ المعارج :23 ] فالذي يحصل قراءة هذا الحرف إنما هو خاص بالقلب ، لأن أعمال الجوارح وأحوال النفس قد استوفتها الأحرف الستة التفصيلية ، والذي يخص القلب بقراءة هذا الحرف هو المعرفة التامة المحيطة بأن كل الخلق دقيقة وجليلة خلق الله وحده لا شريك له في شيء منه ، وأنه جميعه مثل لكلية أمر الله القائم بكلية ذلك الخلق ، وإن كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل الخلق هو مثل لله تعلى :
{ وله المثل الأعلى }[ الروم : 27 ] وأن تفاصيل{[871]} ذلك الخلق المحيطات أمثل لقيامها من تفاصيل ذلك الأمر المحيطات بها ، وأن تفاصيل الأمر المحيطات أمثال لأسماء الله تعالى الحسنى بما هي محيطة ؛ و{[872]}لجمع هذا الحرف لم يصح إنزاله إلا على الخلق الجامع الآدمي الذي هو صفوة الله وفطرته ، وعلى سيد الآدميين محمد خاتم النبيين وهو خاصته وخاصة آله ، وعنه كمل الدين بالإحسان ، وصفا العلم بالإيقان ، وشوهد في الوقت الحاضر ، ما بين حدي الأزل الماضي والأبد الغابر ، وعن تمام اليقين والإحسان تحقق الفناء لكل فانٍِ وبقي وجه رب محمد ذي الجلال والإكرام ، وكان هذا الحرف بما اسمه الحمد هو{[873]} لكل شيء بداء{[874]} وختام انتهى . {[875]}
قوله : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ( يكاد من أفعال التقريب وتعمل عمل كان ، والبرق هو الضوء اللامع الخاطف الذي يسبق الرعد ، وذلك من خلال ملاصقات جرمية تتماس في الفضاء بتقدير من الله .
وقد جاء في تأويل هذه الآية عدة أقوال لكننا نميل إلى أن المقصود بالبرق هنا نور الإسلام ، أما الخطف فهو البهر ، فالمعنى : إن إشراقة الإسلام المضيئة الوضيئة تبهر قلوب المنافقين وأذهانهم حتى إنهم ليؤمنون بصلوحه وروعته وصدقه وذلك ساعة استلهامهم لحقيقة هذا الدين وهو يمس فيهم الحس وينفذ فيهم الى صميم الفطرة ، لكنهم بعد ذلك ينكصون مرتكسين كلما تراءت لهم ظلمات من الشك والتردد فينقلبون على وجوههم مضطرين حيارى .
هكذا يكون المنافقون فهم تارة يمسكون بحبل من الهداية والإيمان في فترة من زمان ثم لا يلبثون أن يبوءوا بالشك والتكذيب ، إذ تتلطخ قلوبهم وأذهانهم بوصمة من التردد والارتياب .
قوله : ( ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير ( لو ، أداة امتناع لامتناع وهي تفيد التمني ، وفي هذا الجزء من الآية تخويف يتهدد المنافقين في كل لحظة ، يتهددهم بالإبادة أو المسخ جزاء ما اقترفوه من نفاق ، وخواء للضمير ، أما التهديد بالإبادة فإنه يكشف عنه إذهاب السمع والبصر وهما أعظم وأشرف ما في الإنسان من جوانب وأجزاء .
أمام التهديد بالمسخ : فلنا أن نتصور ذلك من خلال افتقاد الإنسان لهذين الجزأين الأساسيين فيه وهما السمع والبصر ، والإنسان وهو يسام الصمم والعمى فإنه ينقلب إلى كائن خاسر مشلول لا يأتي بخير إلا الجمود والضعف والموات .
والله سبحانه وتعالى لا يعجزه أن يذيق الإنسان أشد البلاء والنكال سواء كان ذلك في الدنيا أم في الآخرة ، فإنه سبحانه من صفاته القدرة التي لا يند عن محيطها شيء : ( إن الله على كل شيء قدير .
قوله تعالى : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ( .