الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

قوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون 6 } لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم . والكفر ضد الإيمان وهو المراد في الآية . وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان ، ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف : ( ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء ) قيل : بم يا رسول الله ؟ قال : ( بكفرهن ) ، قيل أيكفرن بالله ؟ قال : ( يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط ) أخرجه البخاري وغيره .

وأصل الكفر في كلام العرب : الستر والتغطية ، ومنه قول الشاعر :

في ليلة كفر النجومَ غمامُها

أي سترها .

ومنه سمي الليل كافرا ؛ لأنه يغطي كل شيء بسواده ، قال الشاعر{[203]} :

فتذكَّرَا ثَقَلاً رَثيداً بعدما *** ألقت ذُكاءُ يمينها في كافر

ذكاء ( بضم الذال والمد ) : اسم للشمس ، ومنه قول الآخر :

فوردت قبل انبلاج الفجر *** وابنُ ذُكاء كامنٌ في كَفْر

أي في ليل . والكافر أيضا : البحر والنهر العظيم . والكافر : الزارع ، والجمع كفار ، قال الله تعالى : " كمثل غيث أعجب الكفار نباته{[204]} " [ الحديد : 20 ] . يعني الزراع لأنهم يغطون الحب . ورماد مكفور : سفت الريح عليه التراب . والكافر من الأرض : ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد ، ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكُفُور . ويقال الكفور : القرى .

قوله تعالى : " سواء عليهم " معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه ، أي سواء عليهم هذا . وجيء بالاستفهام من أجل التسوية ، ومثله قوله تعالى : " سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين{[205]} " [ الشعراء : 136 ] . وقال الشاعر{[206]} :

وليل يقول الناس من ظلماته *** سواء صحيحاتُ العيون وعورُها

قوله تعالى : " أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " الإنذار الإبلاغ والإعلام ، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز ، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا ، قال الشاعر :

أنذرت عَمرًا وهو في مَهَلٍ *** قبل الصباح فقد عصى عمرُو

وتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا

واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب ، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره . أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا . وقال ابن عباس والكلبي : نزلت في رؤساء اليهود ، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما . وقال الربيع بن أنس : نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب ، والأول أصح ، فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر ، وذلك داخل في ضمن الآية .

قوله تعالى " لا يؤمنون " موضعه رفعٌ خبر " إنّ " أي إن الذين كفروا لا يؤمنون . وقيل : خبر " إن " " سواء " وما بعده يقوم مقام الصلة ، قاله ابن كيسان . وقال محمد بن يزيد : " سواء " رفع بالابتداء ، " أأنذرتهم أم لم تنذرهم " الخبر ، والجملة خبر " إن " . قال النحاس : أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا . واختلف القراء في قراءة " أأنذرتهم " فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق : " آنذرتهم " بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ، واختارها الخليل وسيبويه ، وهي لغة قريش وسعد بن بكر ، وعليها قول الشاعر{[207]} :

أيا ظبيةَ الوعساءِ بين جُلاَجِلٍ *** وبين النَّقَا آنتَ أمْ أمّ سالمِ

هجاء " آنت " ألف واحدة . وقال آخر :

تطالَلْتُ فاستشرفتُه فعرفته *** فقلت له : آنت زيدُ الأرانب

وروي عن ابن مُحَيصِن أنه قرأ : " أنذرتهم أم لم تنذرهم " بهمزة لا ألف بعدها ، فحذف لالتقاء الهمزتين ، أو لأن أم تدل على الاستفهام ، كما قال الشاعر :

ترُوحُ من الحي أم تبتكر *** وماذا يضيرُكَ لو تنتظر

أراد : أتروح ، فاكتفى بأم من الألف . وروي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ : " أأنذرتهم " فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما . قال أبو حاتم : ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية ، وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا . وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين : " أأنذرتهم " وهو اختيار أبي عبيد ، وذلك بعيد عند الخليل . وقال سيبويه : يشبه في الثقل ضَنِنوا . قال الأخفش : ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين وذلك رديء ؛ لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال ، وبعد حصول الواحدة . قال أبو حاتم : ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا . فهذه سبعة أوجه من القراءات ، ووجه ثامن يجوز في غير القرآن ، لأنه مخالف للسواد{[208]} . قال الأخفش سعيد : تبدل من الهمزة هاء تقول : هأنذرتهم ، كما يقال هياك وإياك ، وقال الأخفش في قوله تعالى : " ها أنتم " [ آل عمران : 66 ] إنما هو أاأنتم .


[203]:هو ثعلبة بن صعيرة المازني، يصف الظليم والنعامة ورواحهما إلى بيضهما عند غروب الشمس. والثقل (بالتحريك) هنا: بيض النعام المصون.والرشيد: المنضد بعضه فوق بعض أو إلى جنب بعض. وألقت يمينا في كافر: أي بدأت في المغيب. اللسان مادة (كفر).
[204]:راجع ج 17 ص 255.
[205]:راجع ج 13 ص 125.
[206]:هو أعشى قيس الملقب بالأعشى الأكبر.
[207]:هو ذو الرمة كما في كتاب سيبويه، والمفصل للزمخشري.
[208]:السواد من الناس هم الجمهور الأعظم.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال الكافرين وكانوا قد انقسموا على{[618]} مصارحين ومنافقين{[619]} وكان المنافقون قسمين جهالاً من مشركي العرب وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم برأسه على عجل البداءة أولاً بالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في آيتين ، لأن أمرهم أهون وشأنهم أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على أن ذكرهم على وجه يعم جميع الأقسام{[620]} فقال مخاطباً{[621]} لأعظم المنعم{[622]} عليهم على وجه التسلية والإعجاز في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال{[623]} : هذا حال الكتاب للمؤمنين فما حاله للكافرين ؟ { إن الذين كفروا } أي حكم ، بكفرهم دائماً{[624]} حكماً نفذ ومضى فستروا{[625]} ما أقيم من الأدلة على الوحدانية عن العقول التى هيئت لإدراكه والفطر الأولى التي خلصت عن مانع يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك بما دل عليه السياق بالتعبير عن أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان على الدوام واللحاق بالختم{[626]} والعذاب ، ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف تنفيراً من مجرد إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل{[627]} المنافقين وغيرهم .

ولما دل هذا الحال على أنهم عملوا ضد ما عمله المؤمنون من الانقياد كان المعنى{[628]} { سواء عليهم أأنذرتهم } أي إنذارك{[629]} في هذا الوقت بهذا الكتاب{[630]} { أم لم تنذرهم } أي وعدم إنذارك{[631]} فيه و{[632]}بعده وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى الاستفهام ، قال سيبويه : جرى هذا على حرف{[633]} الاستفهام كما جرى على حرف{[634]} النداء{[635]} في قولك : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة . انتهى . ولعله عبر بصورة الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاماً لأنهم توغلوا في الكفر توغل من وصل في الحمق إلى أنه لو شاهد{[636]} الملك يستفهمك عنه ما آمن .

ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتاهم{[637]} قيل في أنهم { لا يؤمنون } وهي دليل على خصوص كونه هدى للمتقين{[638]} وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره فإنه سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران ، فصار ممتنعاً لإرادته عدم وقوعه ، والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج إيمانهم عن حيز الممكن فيما يظهر ، لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص بعينه ، فهو على سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره لإقامة الحجة ؛ ويأتي في الصّافّات عند

{ افعل ما تؤمر{[639]} }[ الصافات : 102 ] تتمة لهذا{[640]} .

قال الحرالي : فحصل بمجموع قوله : { سواء عليهم } إلى آخره وبقوله : { لا يؤمنون } خبر تام عن سابقة أمرهم ولاحقة كونهم ، فتم بالكلامين الخبر عنهم خبراً واحداً ملتئماً كتباً سابقاً وكوناً لاحقاً . انتهى . وكل موضع ذكر فيه الكفر فإنما عبر به إشارة إلى أن الأدلة الأصلية في الوضوح بحيث لا تخفى{[641]} على أحد ولا يخالفها إلا من ستر مرآة عقله إما عناداً وإما بإهمال النظر السديد والركون إلى نوع تقليد .


[618]:من ظ، وفي الأصل وم ومد: إلى
[619]:قال البيضاوي: لما ذكر خاصة عباده وخالصة أوليائه بصفاتهم التي أهلتهم الهدى والفلاح عقبهم أضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا يغني عنهم الآيات والنذر
[620]:وفي السراج المنير: ينقسم إلى أربعة أقسام: كفر إنكار وكفر جحود وكفر عناد وكفر نفاق، فكفر الإنكار هو أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر الجحود هو أن يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس واليهود، قال الله تعالى "فلما جاءهم" ما عرفوا كفروا به" وكفر العناد هو أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان للبرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا وأما كفر النفاق فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب؛ وجميع هذه الأقسام من لقى الله بواحد منها لا يغفر له.
[621]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مخاطباه - كذا
[622]:من م ومد وظ، وفي الأصل: المنقم وهو محرف
[623]:وفي تفسير البيضاوي: ولم يعطف قصتهم على قصة المؤمنين كما عطف في قوله تعالى "أن الأبرار لفي نعيم وأن الفجار لفي جحيم" لتباينها في الغرض فإن الأولى سيقت لذكر الكتاب وبيان شأنه والأخرى مسوقة لشرح تمردهم وانهماكهم في الضلال
[624]:ليس في ظ
[625]:من م وظ، وفي الأصل ومد: فيستروا
[626]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بالجثم - كذا
[627]:في مد: يشمل
[628]:ليس في ظ
[629]:في م ومد: إنذارا
[630]:وفي السراج المنير "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" أي خوفتهم وحذرتهم أم لا، والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير، فكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا، وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيرا في النفس من حيث أن دفع الضرر أهم من جلب النفع، فإذا لم ينفع فيهم الإنذار كانت البشارة بعدم النفع أولى لا يؤمنون بما جئت به، وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله كأبى جهل وأبي لهب وغيرهما فلا تطمع في إيمانهم - انتهى
[631]:في م: إنذارهم
[632]:ليس في مد
[633]:ليست في ظ
[634]:ليست في ظ
[635]:في م: و
[636]:في مد: شاهذا - كذا
[637]:في م: حللناهم -كذا
[638]:من مد، وفي الأصل وم وظ: بالمتقين
[639]:سورة 37 آية 102
[640]:وفي أنوار التنزيل وأسرار التأويل: وإنما عدل هاهنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد، وحسن دخول الهمزة وأم عليه لتقرير معنى الاستواء وتأكيده فإنهما جردتا عن معنى الاستفهام لمجرد الاستواء كما جرد حرف النداء عن الطلب لمجرد التخصيص في قولهم: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، والآية مما احتج به من جوز التكليف ما لا يطاق فإنه سبحانه أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان فلو آمنوا انقلب خبره كذبا وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون فيجتمع الضدان، والحق أن التكليف بالممتنع لذاته وإن جاز عقلا من حيث أن الأحكام لا تستدعي غرضا سيما الامثثال لكنه واقع للاستقرار والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره – انتهى.
[641]:في ظ: لا يخفى
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (6)

قوله تعالى : ( إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ( الكفر معناه الجحد ، وهو أن يجحد الكافر نعمة الله وفضله فيقابله بالعصيان والإنكار ، ويأتي بمعنى الستر والتغطية ، فالكافرون هم الذين يسترون الحق ويغطونه بغشاء الباطل لسوء في طبائعهم ومرض في قلوبهم ، والكفار هم الزراع الذين يغطون الحب في الأرض بعد شقها ليستروه بالتراب ، وفي ذلك يقول سبحانه : ( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ( أي أن النبات قد أعجب الزراع الذين طمروا حباته في الأرض .

قوله : ( سواء عليهم ءأنذرتهم ( سواء مبتدأ ( ءأنذرتهم ( وما بعده خبر ، والتقدير : سواء عليهم الإنذار وعدمه ، والهمزة ، الأصل فيها الاستفهام ، والمراد بها هنا التسوية ، وأنذرتهم فعل وفاعل ومفعول ، وأم ، عاطفة . {[19]}

وفي هذه الآية إنباء عن فريق من الكافرين قد سبق في علم الله أنه سيموت على الكفر ، وأن هذا الفريق ( سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ( سواء معناها معتدل ، أي يتساوى ويعتدل عند هؤلاء الجاحدين أن يستمعوا للنذير أو لا يستمعوا فإنهم فئة من الخلق ميؤوس منها فلن تؤمن أبدا ، وذلك تمشيا مع علم الله في الأزل أن هؤلاء سيمضون في طريق الكفر مختارين ، وبناء على ذلك فإن قوله : ( إن الذين كفروا( يفيد بظاهره العموم ، لكنه يراد به الخصوص ، وقيل : إن الآية نزلت في كبراء اليهود الضالين أو في آخرين غيرهم ممن ماتوا على الكفر ، إلا أن القول الأول هو الذي نطمئن إليه ، والله سبحانه أعلم .


[19]:الدر المصون جـ 1 ص 105.