الأولى : قوله تعالى : " إن الذين كفروا ويصدون " أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية ، وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع ، إلا أن يريد صدهم لأفراد من الناس ، فقد وقع ذلك في صدر[ من ]{[11463]} المبعث . والصد : المنع ، أي وهم يصدون . وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي . وقيل : الواو زائدة " ويصدون " خبر " إن " . وهذا مفسد للمعنى المقصود ، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله ( والباد ) تقديره : خسروا إذا هلكوا . وجاء " ويصدون " مستقبلا إذ هو فعل يديمونه ، كما جاء قوله تعالى : " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر{[11464]} الله " [ الرعد : 28 ] ، فكأنه قال : إن الذين كفروا من شأنهم الصد . ولو قال إن الذين كفروا وصدروا لجاز . قال النحاس : وفي كتابي عن أبي إسحاق قال وجائز أن يكون - وهو الوجه - الخبر " نذقه من عذاب أليم " . قال أبو جعفر : وهذا غلط ، ولست أعرف ما الوجه فيه ؛ لأنه جاء بخبر " إن " جزما ، وأيضا فإنه جواب الشرط ، ولو كان خبر " إن " لبقي الشرط بلا جواب ، ولا سيما والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب .
الثانية- قوله تعالى : " والمسجد الحرام " قيل : إنه المسجد نفسه ، وهو ظاهر القرآن ؛ لأنه لم يذكر غيره . وقيل : الحرم كله ؛ لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه ، قال الله تعالى : " وصدوكم عن المسجد الحرام " {[11465]}[ الفتح : 25 ] وقال : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام " [ الإسراء : 1 ] . وهذا صحيح ، لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك .
الثالثة- قوله تعالى : " الذي جعلناه للناس " أي للصلاة والطواف والعبادة ، وهو كقوله تعالى : " إن أول بيت وضع للناس " {[11466]}[ آل عمران : 96 ] . " سواء العاكف فيه والباد " العاكف : المقيم الملازم . والبادي : أهل البادية ومن يقدم عليهم . يقول : سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد ، فليس أهل مكة أحق من النازح إليه . وقيل : إن المساواة إنما هي في دوره ومنازله ، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها . وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كله ، وهذا قول مجاهد ومالك ، رواه عنه ابن القاسم . وروي عن عمر وابن عباس وجماعة ( إلى أن القادم له النزول حيث وجد ، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى ) . وقال ذلك سفيان الثوري وغيره ، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول ، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة ، فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال : أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله ؟ فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة ، فتركه فاتخذ الناس الأبواب . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة ، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء ، وكانت الفساطيط تضرب في الدور . وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد ، وهذا هو العمل اليوم . وقال بهذا جمهور من الأمة{[11467]} .
وهذا الخلاف يبنى على أصلين : أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس . وللخلاف سببان : أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم ، كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لا تباع ولا تكرى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به . وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي . أو كان فتحها صلحا - وإليه ذهب الشافعي - فتبقى ديارهم بأيديهم ، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاؤوا . وروي عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا ، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام ، على ما تقدم بيانه في آية المحاربين من سورة " المائدة " {[11468]} . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة . وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة .
قلت : الصحيح ما قاله مالك ، وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة . قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد . وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وزاد في رواية : وعثمان . وروي أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال : كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما السوائب ، لا تباع ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها - وقال - من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا ) . قال الدارقطني : كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ووهم فيه ، ووهم أيضا في قوله عبيد الله{[11469]} بن أبي يزيد وإنما هو ابن أبي زياد القداح ، والصحيح أنه موقوف ، وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله : ( مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها ) . وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله ، ألا أبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس ؟ فقال : ( لا ، إنما هو مناخ من سبق إليه ) . وتمسك الشافعي رضي الله عنه بقوله تعالى : " الذين أخرجوا من ديارهم " الحج : 40 ] فأضافها إليهم . وقال عليه السلام يوم الفتح : ( من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) .
الرابعة-قرأ جمهور الناس " سواء " بالرفع ، وهو على الابتداء ، و " العاكف " خبره . وقيل : الخبر " سواء " وهو مقدم ؛ أي : العاكف فيه والبادي سواء ، وهو قول أبي علي ، والمعنى : الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا العاكف فيه والبادي سواء . وقرأ حفص عن عاصم " سواء " بالنصب ، وهي قراءة الأعمش . وذلك يحتمل أيضا وجهين : أحدهما : أن يكون مفعولا ثانيا لجعل ، ويرتفع " العاكف " به لأنه مصدر ، فأعمل عمل اسم الفاعل لأنه في معنى مستو . والوجه الثاني : أن يكون حالا من الضمير في جعلناه . وقرأت فرقة " سواء " بالنصب " العاكف " بالخفض ، و " البادي " عطفا على الناس ، التقدير : الذي جعلناه للناس العاكف والبادي . وقراءة ابن كثير في الوقف والوصل بالياء ، ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء . وقرأ نافع بغير ياء في الوصل والوقف{[11470]} . وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام ، واختلفوا في مكة ، وقد ذكرناه .
الخامسة- قوله تعالى : " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم " شرط ، وجوابه " نذقه من عذاب أليم " . والإلحاد في اللغة : الميل ، إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو المراد . واختلف في الظلم ، فروى علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس ( " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم " قال : الشرك ) . وقال عطاء : الشرك والقتل . وقيل : معناه صيد حمامه ، وقطع شجره ، ودخول غير محرم . وقال ابن عمر : ( كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان : لا والله ! وبلى والله ! وكلا والله ! ولذلك كان له فسطاطان ، أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم ، وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحل ، صيانة للحرم عن قولهم كلا والله وبلى والله ، حين عظم الله الذنب فيه ) . وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان : أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم ، فقيل له في ذلك فقال : إن كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول : كلا والله وبلى والله ، والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات ، فتكون المعصية معصيتين : إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام ، وهكذا الأشهر الحرم سواء . وقد تقدم . وروى أبو داود عن يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه ) . وهو قول عمر بن الخطاب . والعموم يأتي على هذا كله .
السادسة- ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله . وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر قالوا : لو هم رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو ( بعدن أبين ){[11471]} لعذبه الله .
قلت : هذا صحيح ، وقد جاء هذا المعنى في سورة " ن والقلم " القلم : 1 ] مبينا ، على ما يأتي بيانه{[11472]} هناك إن شاء الله تعالى .
السابعة-الباء في " بإلحاد " زائدة كزيادتها في قوله تعالى : " تنبت بالدهن " {[11473]}[ المؤمنون :20 ] ، وعليه حملوا قول الشاعر :
نحن بنو جَعْدَةَ أصحابُ الفَلَجْ{[11474]} *** نضربُ بالسيفِ ونرجُو بالفَرَجْ
أراد : نرجو الفرج . وقال الأعشى :
أي رزق : وقال آخر{[11475]} :
ألم يأتِيكَ والأنباءُ تنمِي *** بما لاَقَتْ لبونُ بنِي زِيَّاِد
أي ما لاقت ، والباء زائدة ، وهو كثير . وقال الفراء : سمعت أعرابيا وسألته عن شيء فقال : أرجو بذاك ، أي أرجو ذاك . وقال الشاعر :
بوادِ يمانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صدرُه *** وأسفله بالمَرْخِ والشَّبَهَان{[11476]}
أي المرخ . وهو قول الأخفش ، والمعنى عنده : ومن يرد فيه إلحادا بظلم . وقال الكوفيون : دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد ، والباء مع أن تدخل وتحذف . ويجوز أن يكون التقدير : ومن يرد الناس فيه بإلحاد . وهذا الإلحاد والظلم يجمع المعاصي من الكفر إلى الصغائر ، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه . ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة . هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم . وقد ذكرناه آنفا .
ولما بين ما للفريقين ، وتضمن ما للفريق الثاني بيان أعمالهم الدالة على صدق إيمانهم ، كرر ذكر الفريق الأول لبيان ما يدل على استمرار كفرهم ، ويؤكد بيان جزائهم ، فقال : { إن الذين كفروا } أي أوقعوا هذا الفعل الخبيث . ولما كان المضارع قد لا يلحظ منه زمان معين من حال أو استقبال ، بل يكون المقصود منه الدلالة على مجرد الاستمرار كقولهم : فلان يعطي ويمنع ، قال عاطفاً له على الماضي : { ويصدون } أي ويديمون الصد { عن سبيل الله } أي الملك الأعظم ، باقتسامهم طرق مكة ، وقول بعضهم لمن يمر به : خرج فينا ساحر ، وآخر يقول شاعر ، وآخر : كاهن ، فلا تسمعوا منه ، فإنه يريد أن يردكم عن دينكم ؛ قال بعض من أسلم : لم يزالوا بي حتى جعلت في أدنى الكرسف مخافة أن أسمع شيئاً من كلامهم . وكانوا يؤذون من أسلم - إلى غير ذلك من أعمالهم ، ولعله إنما عبر بالمضارع رحمة منه لهم ليكون كالشرط في الكفر فيدل على أن من ترك الصد زال عنه الكفر وإن طال ذلك منه { و } يصدون عن { المسجد الحرام } أن تقام شعائره من الطواف فيه بالبيت والصلاة والحج والاعتمار ممن هو أهل ذلك من أوليائنا . ثم وصفه بما يبين شديد ظلمهم في الصد عنه فقال : { الذي جعلناه } بما لنا من العظمة { للناس } أي كلهم ؛ ثم بين جعله لهم بقوله : { سواء العاكف فيه } أي المقيم { والباد } أي الزائر له من البادية ؛ قال الرازي في اللوامع : { سواء } رفع بالابتداء ، و { العاكف } خبره ، وصلح من تنكيره للابتداء ، لأنه كالجنس في إفادة العموم الذي هو أحسن العهد .
ولما ذكر الكفار ودليل كفرهم بما استعطفهم ، وزاد في الاستعطاف بحذف الخبر عنهم ، ودل آخر الآية على أنه يذيقهم العذاب الأليم ، عطف عليه ما ينفر عن وصفهم فقال : { ومن يرد فيه } أي شيئاً من أفعال الكفار من الصد المذكور وغيره ، أي يقع منه إرادة لشيء من ذلك { بإلحاد } أي مصاحبة تلك الإرادة وملتبسة بجور عن الأمر المعروف وميل واعوجاج . ولما كان ذلك يقع على مطلق هذا المعنى ، بين المراد بقوله : { بظلم } أي في غير موضعه ، وأما صد الكفار عنه فإنه بحق ، لأنهم نجس لا ينبغي قربانهم المحال المقدسة ، وكذا صد الحائض والجنب والخائن { نذقه } ولما كان المشروط نوعاً من الإلحاد ، لا الإلحاد الكامل ، عبر بقوله { من عذاب أليم* } ودل هذا الخبر عمن أراد شيئاً مما فعله الكفار أن الخبر عن الكفار الفاعلين لما رتب هذا الجزاء على إرادته ما قدرته .
قوله تعالى : { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ( 25 ) } روي أنها نزلت حين خرج النبي ( ص ) في غزوة الحديبية عام ست ، فصدّه المشركون عن دخول البيت ومنعوه فقاضاهم على العام المستقبل ، وقضى عمرته في مكانه ونحر هديه وحلق رأسه ورجع إلى المدينة{[3093]} .
وفي المراد بالمسجد الحرام قولان . أحدهما : أنه المسجد نفسه دون الحرم كله وهو ظاهر القرآن ؛ لأنه لم يذكر غيره . وثانيهما : أنه الحرم كله ؛ لأن المشركين صدوا رسول الله ( ص ) وأصحابه عنه عام الحديبية فنزل خارجا عنه في الحل وقد عيّرهم الله بذلك في قوله : ( وصدوكم عن المسجد الحرام ) .
قوله : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ) واو ( ويصدون ) للعطف . والتقدير : إن الكافرين والصادين . وقيل : الواو واو الحال ؛ أي إن الذين كفروا صادين عن سبيل الله . وخبر ( إن ) مقدر . وتقديره : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله معذبون{[3094]} و ( العاكف ) ، معناه المقيم المواظب{[3095]} ( والباد ) يعني أهل البادية ومن يقدم عليهم ؛ أي يستوي في تعظيم حرمة المسجد الحرام وفي قضاء النسك فيه ، الحاضر ، أو لذي يأتيه من البلاد الأخرى . فليس أحدهما بأحق فيه من الآخر .
وفي المراد بالتسوية قولان : أحدهما : التسوية في دور المسجد الحرام وفي منازله ؛ إذ ليس المقيم فيها بأولى من الطارئ عليها .
ثانيهما : أنهما سواء في حق الحرمة والنسك . والظاهر عموم التسوية في ذلك كله وهو قول ابن عباس وعمر بن الخطاب وآخرين . وهو مذهب مالك ؛ فقد روي أن عمر كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة حتى يدخلها الذي يقدم عليها فينزل حيث شاء . وقد روي عنه أيضا أنه نهى أن تغلق مكة زمن الحاج ، وأن الناس كانوا ينزلون منها حيث وجدوا فارغا ، حتى كانوا يضربون الفساطيط في جوف الدور .
وجملة ذلك : أن القادم له النزول حيث وجد فراغا ، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى .
وهذا الخلاف أصله أن دور مكة في ملك لأربابها أم هي للناس جميعا . وهذا الأصل مبني على أن مكة هل فتحت عنوة أو صلحا ؛ فقد قيل : إنها فتحت عنوة فتكون بذلك مغنومة . لكن النبي ( ص ) لم يقسمها ؛ بل منّ على أهلها في أنفسهم فسموا الطلقاء . ومنّ عليهم في أموالهم وتركهم في منازلهم على أحوال من غير تغيير عليهم . وبذلك أقرّها لأهلها ولمن جاء بعدهم ؛ فهي بذلك لا تباع ولا تكرى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به . وهذا قول الإمامين مالك وأبي حنيفة وقال به الأوزاعي . واحتجوا لذلك بما رواه عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله ( ص ) وأبو بكر وعمر وما تُدعى رباع{[3096]} مكة إلا السوائب ، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن . وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال : لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها . وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان ينهى عن تبويب دور مكة ؛ لأن ينزل الحاج في عرصاتها . فكان أول من بوّب داره سهيل بن عمرو فأرسل إليه عمر ابن الخطاب في ذلك فقال : أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرا فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري . قال : فلك ذلك إذا .
وذهب الإمام أحمد إلى الوسط من ذلك فقال : تملك الدور بمكة وتورث ولا تؤجر ؛ جمعا بين الأدلة .
قوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) الإلحاد في اللغة ، بمعنى الطعن والميل عن طريق القصد . والحد ، جار وظلم . وألحد في الحرم ، أي استحل حرمته وانتهكها{[3097]} . والباء حرف جر زائد . وتقديره : ومن يرد إلحاحا بظلم . والباء هذه للسببية . والمعنى : ومن يرد فيه إلحادا بسبب الظلم . والظلم ، هو وضع الشيء في غير موضعه ؛ أي من يبتغ أن يفعل في الحرم من المعاصي والآثام عامدا ، قاصدا أنه ظلم ، كالشرك والقتل العمد وظلم الناس والإساءة الفاحشة إليهم ، إلى غير ذلك من وجوه المعاصي والخطايا ( نذقه من عذاب أليم ) جواب الشرط ؛ أي من فعل ما ذكر من وجوه الإلحاد في المسجد الحرام ؛ فقد وجب له العذاب الأليم .
على أن الجنايات تعظم على قدر عظم الزمان ، كالأشهر الحرم ، وعلى قدر عظم المكان ، كالبلد الحرام ، فتكون المعصية معصيتين : إحداهما ، بنفس الفعل المحظور . والثانية بإسقاط فضيلة الشهر الحرام أو البلد الحرام{[3098]} .