قوله تعالى : " ما قلت لهم إلا ما أمرتني به " يعني في الدنيا بالتوحيد . " أن اعبدوا الله " " أن " لا موضع لها من الإعراب وهي مفسرة مثل " وانطلق الملأ منهم أن امشوا{[6189]} " [ ص : 6 ] . ويجوز أن تكون في موضع نصب أي ما ذكرت لهم إلا عبادة الله ، ويجوز أن تكون في موضع خفض أي بأن اعبدوا الله وضم النون أولى لأنهم يستثقلوا كسرة بعدها ضمة والكسر جائز على أصل التقاء الساكنين .
قوله تعالى : " وكنت عليهم شهيدا " أي حفيظا بما أمرتهم . " ما دمت فيهم " " ما " في موضع نصب أي وقت دوامي فيهم . " فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم " قيل : هذا يدل على أن الله عز وجل توفاه أن يرفعه وليس بشيء ؛ لأن الأخبار تظاهرت برفعه وأنه في السماء حي وأنه ينزل ويقتل الدجال على ما يأتي بيانه ، وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء . قال الحسن : الوفاة في كتاب الله عز وجل على ثلاثة أوجه : وفاة الموت وذلك قوله تعالى : " الله يتوفى الأنفس حين موتها{[6190]} " [ الزمر : 42 ] يعني وقت انقضاء أجلها . ووفاة النوم قال الله تعالى : " وهو الذي يتوفاكم بالليل{[6191]} " [ الأنعام : 60 ] يعني الذي ينيمكم . ووفاة الرفع قال الله تعالى : " يا عيسى إني متوفيك{[6192]} " [ آل عمران : 55 ] . وقوله{[6193]} " كنت أنت " " أنت هنا{[6194]} " توكيد " الرقيب " خبر " كنت " ومعناه الحافظ عليهم والعالم بهم والشاهد على أفعالهم ، وأصله المراقبة أي المراعاة ومنه المرقبة{[6195]} لأنها في موضع الرقيب من علو المكان . " وأنت على كل شيء شهيد " أي من مقالتي ومقالتهم ، وقيل على من عصى وأطاع . خرج مسلم عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بموعظة فقال : ( يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة{[6196]} عراة غرلا{[6197]} " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " [ الأنبياء : 104 ] ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ، ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب أصحابي . فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح : " وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " قال : فيقال لي إنهم لم يزالوا مدبرين{[6198]} مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم )
ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه ، أثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفياً مرتين : إشارة وعبارة ، فقال معبراً عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال ، وفسر بالأمر بياناً لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من{[28338]} حيث الاعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه{[28339]} أنه بتلك المنزلة ، لا يجوز أن يعتقد فيه{[28340]} أنه فوقها ولا دونها ، يعبد{[28341]} الله تعالى بذلك : { ما قلت لهم } أي ما أمرتهم بشيء{[28342]} من الأشياء { إلا ما أمرتني به } ثم فسره دالاً بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله : { أن اعبدوا } أي ما أمرتهم إلا بعبادة{[28343]} { الله } أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال والجمال أحد غيره ؛ ثم أشار إلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه{[28344]} فقال : { ربي وربكم } أي أنا وأنتم في عبوديته سواء ، وهذا الحصر يصح أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير ، وللإفراد على أنها بمعنى سفول المنزلة ، وهو من بدائع الأمثلة .
ولما فهم صلى الله عليه وسلم من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه ، فنزه الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من الحق ، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفياً وإثباتاً فقال : { وكنت عليهم } أي خاصة لا على غيرهم .
ولما كان سبحانه قد أرسله شاهداً ، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فقال معبراً بصيغة المبالغة : { شهيداً } أي بالغ الشهادة ، لا أرى فيهم منكراً إلا اجتهدت في إزالته { ما دمت فيهم } وأشار إلى الثناء على الله بقوله : { فلما توفيتني } أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي { كنت أنت } أي وحدك { الرقيب } أي الحفيظ القدير{[28345]} { عليهم } لا يغيب عليك شيء من أحوالهم ، وقد منعتهم أنت{[28346]} أن يقولوا شيئاً غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت{[28347]} عليهم على لساني من البينات { وأنت على كل شيء } أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد { شهيد * } أي مطلع غاية الاطلاع ، لا يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو{[28348]} الشهادة ، فإن{[28349]} كانوا قالوا ذلك فأنت تعلمه دوني ، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن أحوالهم .
قوله : { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } ذلك إقرار خالص من عيسى عليه السلام وفي غاية الأدب والخضوع لله إذ ينفي عن نفسه دعوتهم أن يتخذوه وأمه إلهين ، فيقول ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول وهو { أن اعبدوا الله ربي وربكم } أن ، تأتي هنا مفسرة بكسر السين . والمفسر ، بالفتح هو الهاء في " به " الراجع إلى القول المأمور به . أي ما قلت لهم إلا قولا أمرتني به . وذلك القول هو أن أقول لهم : { اعبدوا الله ربي وربكم } .
قوله : { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } أي كنت رقيبا وشاهدا على أفعالهم وأقوالهم { ما دمت فيهم } ما في موضع نصب على الظرفية الزمانية . أي مدة دوامي فيهم .
قوله : { فلما توفتني كنت أنت الرقيب عليهم } توفيتني يعني قبضتنى بالرفع إلى السماء . يقال : توفيت المال إذا قبضته . وقيل : الوفاة في القرآن على ثلاثة أوجه : وفاة الموت وقت انقضاء الأجل . ووفاة النوم . ووفاة الرفع إلى السماء . وهو المقصود هنا . فقد رفع الله إليه عيسى ابن مريم . وهو الآن حي في السماء ولسوف ينزل إلى الأرض إيذانا بقيام الساعة فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويدعو الناس إلى ملة الإسلام ، دين الفطرة والتوحيد . والمراد هنا . فلما قبضتني إليك بالرفع إلى السماء كنت أنت الحفيظ عليهم دوني ، لأني إنما شهدتهم وأنا بين أظهرهم .
قوله : { وأنت على كل شيء قدير } أنت تشهد على كل شيء ، لأنه لا يخفى عليك شيء . أما أنا فإنما شهدت بعض أقوالهم وأفعالهم وأنا مقيم بين أظهرهم . فأنت الشهيد لي وأنا بينهم . وأنت الشهيد عليهم بعد مفارقتي لهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.