الثانية-قوله تعالى : " نطفة " قد مضى القول في النطفة والعلقة والمضغة وما في ذلك من الأحكام في أول الحج{[11629]} والحمد لله على ذلك .
الثالثة-قوله تعالى : " ثم أنشأناه خلقا آخر " اختلف الناس في الخلق الآخر ، فقال ابن عباس والشعبي وأبو العالية والضحاك وابن زيد : هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادا . وعن ابن عباس : خروج إلى الدنيا . وقال قتادة عن فرقة : نبات شعره . الضحاك : خروج الأسنان ونبات الشعر . مجاهد : كمال شبابه ، وروي عن ابن عمر ، والصحيح أنه عام في هذا وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت .
الرابعة-قوله تعالى : " فتبارك الله أحسن الخالقين " يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله " خلقا آخر " قال فتبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هكذا أنزلت ) . وفي مسند الطيالسي : ونزلت " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين " الآية ، فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين ، فنزلت " تبارك الله أحسن الخالقين " . ويروى أن قائل ذلك معاذ ابن جبل . وروي أن قائل ذلك عبد الله بن أبي سرح ، وبهذا السبب ارتد وقال : آتي بمثل ما يأتي محمد ، وفيه نزل " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " [ الأنعام : 93 ] على ما تقدم بيانه في " الأنعام " {[11630]} . وقوله تعالى : " فتبارك " تفاعل من البركة . " أحسن الخالقين " أتقن الصانعين . يقال لمن صنع شيئا خلقه ، ومنه قول الشاعر :
ولأنت تَفْرِي ما خلقتَ وبع *** ضُ القوم يخلق ثم لا يَفْرِي{[11631]}
وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى . وقال ابن جريج : إنما قال " أحسن الخالقين " لأنه تعالى قد أذن لعيسى عليه السلام أن يخلق ، واضطرب بعضهم في ذلك . ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع ، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع وإيجاد من العدم .
الخامسة{[11632]}-مسألة : من هذه الآية قال ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا : الله أعلم ، فقال عمر : ما تقول يا ابن عباس ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق السموات سبعا والأرضين سبعا ، وخلق ابن آدم من سبع ، وجعل رزقه في سبع ، فأراها في ليلة سبع وعشرين . فقال عمر رضي الله عنه : أعجزكم{[11633]} أن تأتوا بمثل ما أتى هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه . وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أبي شيبة . فأراد ابن عباس " خلق ابن آدم من سبع " بهذه الآية{[11634]} ، وبقوله " وجعل رزقه في سبع " قوله " فأنبتنا{[11635]} فيها حبا . وعنبا وقضبا . وزيتونا ونخلا . وحدائق علبا . وفاكهة وأبا " [ عبس : 27 - 31 ] الآية . السبع منها لابن آدم ، والأب للأنعام . والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء ، هذا قول . وقيل : القضب البقول لأنها تقضب ، فهي رزق ابن آدم . وقيل : القضب والأب للأنعام ، والست الباقية لابن آدم ، والسابعة هي للأنعام ؛ إذ هي من أعظم رزق ابن آدم .
ولما كان تصيير الماء دماً أمراً بالغاً خارجاً عن التسبيب ، وكانت النطفة التي هي مبدأ الآدمي تفسد تارة وتأخذ في التكون أخرى ، عبر بالخلق لما يخلطها به مما تكتسبه من الرحم عند التحمير وقرنه بأداة التراخي فقال : { ثم } أي بعد تراخ في الزمان وعلو في الرتبة والعظمة { خلقنا } أي بما لنا من العظمة { النطفة } أي البيضاء جداً { علقة } حمراء دماً عبيطاً شديد الحمرة جامداً غليظاً .
ولما كان ما بعد العلقة من الأطوار المتصاعدة مسبباً كل واحد منه عما قبله بتقدير العزيز العليم الذي اختص به من غير تراخ ، وليس تسببه من العادة التي يقدر عليها غيره سبحانه ، عبر بالفاء والخلق فقال : { فخلقنا العلقة مضغة } أي قطعة لحم صغيرة لا شكل فيها ولا تخطيط { فخلقنا المضغة } بتصفيتها وتصليبها بما سببنا لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة { عظاماً } من رأس ورجلين وما بينهما { فكسونا } بما لنا من قدرة الاختراع ، تلك { العظام لحماً } بما ولدنا منها ترجيعاً لحالها قبل كونها عظماً ، فسترنا تلك العظام وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب .
ولما كان التصوير ونفخ الروح من الجلالة بمكان أيّ مكان ، أشار إليه بقوله : { ثم أنشأناه } أي هذا المحدث عنه بعظمتنا { خلقاً آخر } أي عظيماً جليلاً متحركاً ناطقاً خصيماً مبيناً بعيداً من الطين جداً ؛ قال الرازي : وأصل النون والشين والهمزة يدل على ارتفاع شيء وسموه .
ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سبباً لتعظيم الخالق قال : { فتبارك } أي ثبت ثباتاً لم يثبته شيء ، بأن حاز جميع صفات الكمال ، وتنزه عن كل شائبة نقص ، فكان قادراً على كل شيء ، ولو داناه شيء من عجز لم يكن تام الثبات ، ولذلك قال : { الله } فعبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ؛ وأشار إلى جمال الإنسان بقوله : { أحسن الخالقين* } أي المقدرين ، أي قدر هذا الخلق العجيب هذا التقدير ، ثم طوره في أطواره ما بين طفل رضيع ، ومحتلم شديد ، وشاب نشيط ، وكهل عظيم ، وشيخ هرم - إلى ما بين ذلك من شؤون لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.