الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (128)

قوله تعالى : " ويوم نحشرهم{[6710]} " نصب على الفعل المحذوف ، أي ويوم نحشرهم نقول . " جميعا " نصب على الحال . والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة . " يا معشر الجن " نداء مضاف . " قد استكثرتم من الإنس " أي من الاستمتاع بالإنس ، فحذف المصدر المضاف إلى المفعول ، وحرف الجر ، يدل على ذلك قوله : " ربنا استمتع بعضنا ببعض " وهذا يرد قول من قال : إن الجن هم الذين استمتعوا من الإنس ؛ لأن الإنس قبلوا منهم . والصحيح أن كل واحد مستمتع بصاحبه . والتقدير في العربية : استمتع بعضنا بعضا ، فاستمتاع الجن من الإنس إنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم ، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم . وقيل : كان الرجل إذا مر بواد في سفره وخاف على نفسه قال : أعوذ برب{[6711]} هذا الوادي من جميع ما أحذر . وفي التنزيل : " وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا{[6712]} " [ الجن : 6 ] . فهذا استمتاع الإنس بالجن . وأما استمتاع الجن بالإنس فما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر . وقيل : استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون . ومعنى الآية تقريع الضالين والمضلين وتوبيخهم في الآخرة على أعين العالمين . " وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا " يعني الموت والقبر ، ووافينا نادمين . " قال النار مثواكم " أي موضع مقامكم . والمثوى المقام . " خالدين فيها إلا ما شاء الله " استثناء ليس من الأول . قال الزجاج : يرجع إلى يوم القيامة ، أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب ، فالاستثناء منقطع . وقيل : يرجع الاستثناء إلى النار ، أي إلا ما شاء الله من تعذيبكم بغير النار في بعض الأوقات . وقال ابن عباس : الاستثناء لأهل الإيمان . ف " ما " على هذا بمعنى من . وعنه أيضا أنه قال : هذه الآية توجب الوقف في جميع الكفار . ومعنى ذلك أنها توجب الوقف فيمن لم يمت ، إذ قد يسلم . وقيل : " إلا ما شاء الله " من كونهم في الدنيا بغير عذاب . ومعنى هذه الآية معنى الآية التي في " هود " . قوله : " فأما الذين شقوا ففي النار " [ هود : 106 ] وهناك يأتي مستوفى إن شاء الله{[6713]} . " إن ربك حكيم " أي في عقوبتهم وفي جميع أفعاله " عليم " بمقدار مجازاتهم .


[6710]:نحشرهم بالنون قراءة نافع كما في الأصول.
[6711]:في ك: بزعيم.
[6712]:راجع ج 19 ص 8.
[6713]:راجع ج 9 ص 99.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (128)

{ ويوم نحشرهم } العامل في { يوم } محذوف تقديره : اذكر ، وتقديره : قلنا ، ويكون على هذا عاملا في { يوم } وفي { يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس } أي : أضللتم منهم كثيرا ، وجعلتموهم أتباعكم كما تقول : استكثر الأمير من الجيش .

{ استمتع بعضنا ببعض } استمتاع الجن بالإنس : طاعتهم لهم واستمتاع الإنس بالجن كقوله : { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } [ الجن : 6 ] ، فإن الرجل كان إذا نزل واديا قال : أعوذ بصاحب هذا الوادي يعني كبير الجن .

{ وبلغنا أجلنا } هو الموت وقيل : الحشر } إلا ما شاء الله قيل : الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى من ، لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا من آمن منهم ، وقيل : الاستثناء من مدة الخلود وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول النار ، وقيل : الاستثناء من النار ، وهو دخولهم الزمهرير ، وقيل : ليس المراد هنا بالاستثناء الإخراج ، وإنما هو على وجه الأدب مع الله ، وإسناد الأمور إليه .