{ مُغَاضِباً } : على مَلِكِ وقته حيث اختاره للنبوة ، وسأله : لِمَ اخترتَني ؟ فقال : لقد أوْحَى اللَّهُ إلى نَبِي : أنْ قُلْ لفلانِ المَلِك حتى يختار واحداً لِيُرْسَلَ إلى نينوى بالرسالة . فَثَقُلَ على ذي النون لما اختارَه المَلِكُ ، لأن علم أن النبوةَ مقرونةٌ بالبلاء ، فكان غضبُه عليه لذلك .
ويقال مغاضباً على قومه لمَّا امتنعوا عن الإيمان وخرج من بينهم .
ويقال مغاضباً على نفسه أي شديد المخالفة لهواه ، وشديداً على أعداء الدين من مُخَالِفيه .
{ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } أي أنْ لن نُضَيِّقَ عليه بطن الحوت ، ومن قوله : { وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } [ الفجر :16 ] أي ضيَّق .
ويقال فظنَّ أن لن نقدر عليه من حَبْسِه في بَطْنِ الحوت .
وخرج من بين قومه لَمَّا أُخْبِرَ بأنَّ الله يُعَذِّب قومَه ، وخرج بأهله .
ويقال إن السبعَ افترس أهله في الطريق ، وأخذ النَّمِرُ ابناً صغيراً له كان معه ، وجاء موج البحر فأغرق ابنَه الآخر ، وركب السفينة ، واضطرب البحر ، وتلاطمت أمواجُه ، وأشرفَتْ السفينةُ على الغرق ، وأخذ الناسُ في إلقاء الأمتعة في البحر تخفيفاً عن السفينة ، وطلباً لسلامتها من الغَرَقِ ، فقال لهم يونس : لا تُلْقُوا أمْتِعَتَكم في البحر بل أطرحوني فيه فأنا المجرم فيما بينكم لتخلصوا . فنظروا إليه وقالوا : نرى عليكَ سيماء الصلاح ، وليست تسمح نفوسُنا بإلقائك في البحر ، فقال تعالى مخبراً عنه :
{ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ } [ الصافات :141 ] أي فقارعهم ، فاستهموا ، فوقعت القُرْعَةُ عليه .
وفي القصة أنه أتى حَرْفَ السفينة ، وكان الحوتُ فاغراً فاه ، فجاء إلى الجانب الآخر فجاء الحوت إليه كذلك ، حتى جاز كل جانب . ثم لمَّا عَلِمَ أنه مُرَادٌ بالبلاء ألقى نَفْسَه في الماء فابتلعه الحوت : " وهو مليم " : أي أتى بما يُلام عليه ، قال تعالى : { فَالَتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } [ الصافات :142 ] .
وأوحى الله إلى السمك : لا تَخْدِشْ منه لَحْماً ولا تَكْسِرْ منه عَظْماً ، فهو وديعةٌ عندك وليس بِطُعْمَةٍ لك . فَبَقِي في بطنه - كما في القصة - أربعين يوماً .
وقيل إن السمك الذي ابتلعه أُمِرَ بأن يطوف في البحر ، وخلق الله له إدراك ما في البحر ، وكان ينظر إلى ذلك .
ويقال إن يونس عليه السلام صَحِبَ الحوتَ أياماً قلائل فإلى القيامة يقال له : ذا النون ، ولم تبطل عنه هذه النسبة . . فما ظَنُّكَ بِعَبْدٍ عَبَدَه - سبحانه - سبعين سنة ، ولازم قلبه محبته ومعرفته طولَ عمره . . . ترى أيبطل هذا ؟ لا يُظَنُّ بِكَرَمِهِ ذلك !
{ فَنَادَى في الظُّلُمَاتِ } يقال ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت - هذا بيان التفسير ، ويحتمل أن تكون الظلمات ما التبس عليه من وقته واستبهم عليه من حاله .
قوله تعالى : { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( 87 ) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ( 88 ) } ( النون ) ، معناه الحوت . ( وذا النون ) أي صاحب الحوت وهو يونس ابن متّى ؛ فقد بعثه الله إلى أهل نينوى بالعراق فدعاهم إلى الله تعالى فأبوا واستكبروا ، فغضب منهم لله شديد الغضب . وهو قوله : ( إذ ذهب مغاضبا ) ( مغاضبا ) ، منصوب على الحال . أي مراغما لقومه . ومعنى مغاضبته لهم : إنه أغضبهم بمفارقته لهم ؛ إذ خافوا أن يحل بهم عقاب من الله . وقد ذكر إنه تبرّم بهم لطول ما دعاهم إلى عبادة الله وذكَّرهم تذكيرا فلم يتعظوا ؛ بل أقاموا على كفرهم معاندين . فراغمهم يونس إغضابا لهم ظنا منه جواز ذلك ، مع أنه لم يفعله إلا غضبا وبغضا للكفر والكافرين ؛ فقد كان عليه أن يحتمل ويصبر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم . من أجل ذلك ابتلاه ربه ببطن الحوت . وهو قوله : ( فظن أن لن نقدر عليه ) أي نضيق عليه . وقد ذكر أنه عليه السلام حال مغاضبته لهم ، ذهب صوب البحر فركب مع قوم في سفينة فاضطربت بهم وخافوا الغرق ، فاقترعوا على رجل من بينهم يلقونه في البحر يتخففون منه ، فوقعت القرعة عليه ثلاث مرات ؛ إذ كانوا يأبون أن يلقوه لما لمسوه فيه من صلاح وتقوى . فما لبث يونس بعد ذلك أن ألقى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت ( فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) جمع الظلمات لشدة تكاثفها فكأنها ظُلمة فوق ظلمة . وقيل : الظلمات هي : ظلمة بطن الحوت . وظلمة البحر . وظلمة الليل .
وفي هذه الساعات العصيبة التي تذهب فيها النفس ويغيب فيها كل نصير ومعوان ، وينقطع فيها الرجاء من كل أسباب المدد أو النجاة ، يلوذ المؤمن المبتلى المكروب برب العالمين ؛ ليجد في رحابه الأمن والسكينة والرضى وعسى أن يكشف عنه الغم ويدرأ عنه ما أحاط به من بلاء وهو يدعو ربه ضارعا إليه متذللا ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) أي ظلمت نفسي بخروجي من قومي قبل أن تأذن لي في الخروج . وقد روى الترمذي والنسائي بسنده عن سعد قال : قال رسول الله ( ص ) : " من دعا بدعاء يونس استجيب له " وروى الإمام أحمد بسنده عن عثمان بن عفان من حديث عن رسول الله ( ص ) قال فيه : " نعم دعوة ذي النون ؛ إذ هو في بطن الحوت ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.