تعجبوا من ثلاثة أشياء : من جواز البعث بعد الموت ، ومن إرسال الرسل إلى الخَلْق ، ثم من تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مِنْ بين الخلق . ولو عرفوا كمال مُلْكِه لم يُنْكِروا جواز البعث ، ولو علموا كمال ملكه لم يجحدوا إرسالَ الرُّسل إلى الخلْق ، ولو عرفوا أنَّ له أنْ يفعلَ ما يريد لم يتعجبوا من تخصيص محمد- صلى الله عليه وسلم بالنبوة مِنْ بين الخَلْق ، ولكنْ سُدَّتْ بصائرُهم فتاهوا في أودية الحيرة ، وعَثَرُوا- من الضلالة - في كل وَهْدَةٍ . وكان الأستاذ أبو علي الدَّقاق- رحمه الله - يقول : جَوَّزُوا أن يكون المنحوتُ من الخشب والمعمولُ من الصخر إلهاً معبوداً ، وتعجبوا أن يكون مثلُ محمد- صلى الله عليه وسلم- في جلالةِ قَدْرِه رسولاً . . . ! !هذا هو الضلال البعيد .
قوله جلّ ذكره : { وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } .
وهو ما قدَّموه لأنفسهم من طاعاتٍ أخلصوا فيها ، وفنونِ عباداتٍ صَدَقُوا في القيام بقضائها .
ويقال هو ما قَّدم الحقُّ لهم يومَ القيامة ، مع مقتضى العناية بشأنهم ، وما حَكَمَ لهم من فنون إحسانه بهم ، وصنوفِ ما أفردهم به من امتنانهم .
ويقال : { قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } : هو ما رفعوه من أقدامهم في بدايتهم في زمان إرادتهم ، فإنّ لأقدام المريدين المرفوعِة لأَجْلِ اللَّه حُرْمَةً عند الله ، ولأيامِهم الخاليةِ في حالِ تردُّدِهم ، وليالَيهم الماضية في طلبه وهم في حُرْقَةِ تحيّرهم . . . مقاديرَ عند الله . وقيل :
مَنْ يَنْسَ داراً قد تخونها *** رَيْبُ الزمان فإني لست أنساكا
تلك العهودُ تشدُّها لتَحُلَّها *** عندي كما هي عقدها لم يُحللِ
{ عجباً } : العجب ما يتعجب منه .
{ رجل منهم } : هو محمد صلى الله عليه وسلم .
{ قدم صدق } : أي أجراً حسناً بما قدموا في حياتهم من الإِيمان وصالح الأعمال .
{ لسحر مبين } : أي بين ظاهر لا خفاء فيه في كذبهم وادعائهم الباطل .
وقوله تعالى { أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم } أي أكان إيحاؤنا إلى محمد عبدنا ورسولنا وهو رجل من قريش عجباً لأهل مكة يتعجبون منه ؟ والموحى به هو : { أن أنذر الناس } ، أي خوفهم عاقبة الشرك والكفر والعصيان { وبشر الذين آمنوا } أي بأن لهم قدم صدق عند ربهم وهو الجزاء الحسن لما قدموا من الإِيمان وصالح الأعمال يتلقونه يوم يلقون ربهم في الدار الآخرة فلما أنذر وبشر صلى الله عليه وسلم قال الكافرون هذا سحر مبين ومرة قالوا : ساحر مبين وقولهم هذا لمجرد دفع الحق وعدم قبوله لا أن ما أنذر به وبشر هو سحر ، ولا المنذر المبشر هو ساحر وإنما هو المجاحدة والعناد والمكابرة من أهل الشرك والكفر والباطل والشر والفساد .
- إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتقريرها بالوحي إليه .
- بيان مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي النذارة والبشارة .
{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ( 2 ) }
أكان أمرًا عجبًا للناس إنزالنا الوحي بالقرآن على رجل منهم ينذرهم عقاب الله ، ويبشِّر الذين آمنوا بالله ورسله أن لهم أجرًا حسنًا بما قدَّموا من صالح الأعمال ؟ فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي الله وتلاه عليهم ، قال المنكرون : إنَّ محمدًا ساحر ، وما جاء به سحر ظاهر البطلان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.