لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (217)

من المعاصي ما يكون أشد من غيره وأصعب في المعنى ، فسوء الأدب على الباب لا يُوجِب ما يُوجبه على البساط ؛ فإذا حصلت الزلة بالنَّفْس فأثرها بالعقوبة المؤجلة وهي الاحتراق ، وإذا زلّ القلب فالعقوبة معجلة وهي بالفراق ، وأثر الغفلة على القلوب أعظم من ضرر الزلة على النفوس ، فإن النفس عن الحظ تبقى ، والقلب عن الحق يبقى .

قوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عِن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .

الإشارة من هذا أن أهل الغفلة إذا راودوك أرادوا صَرْفَكَ إلى ما هم عليه من الغفلة ، فلا يرضون إلا بأن تفسخ عقد إرادتك بما تعود إليه من سابق حالتك ، ومَنْ فسخ مع الله عهده مَسخَ قلبه .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ} (217)

{ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه } بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسدى في سرية لاستطلاع أخبار قريش ولم يأمرهم بقتال ، فقتلوا أحد المشركين ، وقد أهل رجب وكانوا لا يعملون بإهلاله ، فتحدث المسلمون في ذلك ، وسألوا الرسول صلى الله عليه

و سلم : هل يحل لهم القتال فيه ؟ فنزلت .

وقيل : السائلون هم المشركون ، وقد قالوا : إن محمدا وأصحابه استحلوا الدماء في الشهر الحرام .

{ قل قتال فيه كبير }أي عظيم مستنكر . وفي تقرير لحرمة القتال في الشهر الحرام .

والجمهور على أن هذا الحكم منسوخ ، وأنه لا حرج في قتالهم في الأشهر الحرم ، قاتلوا أو لم يقاتلوا-بقوله تعالى : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }{[58]} فإن المراد بالأشهر الحرم هنا :

هي أشهر العهد الأربعة التي أبيح للمشركين السياحة فيها ، لا الأشهر الحرم الأربعة المعروفة ، فالتقييد بها يفيد أن قبلهم بعد انسلاخها مأمور به في جميع الأزمنة والأمكنة .

و ذهب عطاء بن أبي رباح إلى أنه لا يحل القتال في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أني يقاتلهم المشركون فيها ، فلم يجز القتال فيهما إلا دفاعا . قال الآلوسي : والأمة اليوم على خلافه في سائر الأمصار .

{ وصد عن سبيل الله وكفر به }أي وصرفهم المسلمين عن كل ما يوصل إلى طاعة الله تعالى وعن المسجد الحرام ، وشركهم بالله في بيته وحرمه ، وإخراجهم أهله منه ، أعظم وزرا عند الله تعالى من القتال في الشهر الحرام ، فإن كنتم قاتلتموهم في الشهر الحرام فقد انتهكوا حرمة أعظم وأفظع .

{ و الفتنة أكبر من القتل }أي والشرك . أو امتحان المسلمين بأنواع التعذيب والأذى والبلايا لصرفهم عن دينهم ، أعظم وزرا من القتل ، لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا ، وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة .

{ حبطت أعماله }بطلت أعمالهم . من قولهم : حبطت الدابة تحبط حبطا وحبوطا ، إذا أصابت مرعا طيبا ، فأفرطت في الأكل حتى انتفخت فماتت .


[58]:آية 5 التوبة.