" بسم الله " كلمة سماعها يورث لقوم طلبا ثم طربا ، ولقوم حزنا ثم هربا ، فمن سمع بشاهد الرجاء طلب وجود رحمته فأذنه لها طرب ، ومن سمع بشاهد الرهبة حزن من خوف عقوبته ثم إليه هرب .
قوله عز وجل : { المر تلك ءايات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق }
أقسم بما تدل عليه هذه الحروف من أسمائه إِنَّ هذه آيات الكتاب الذي أخبرتُ أَنِّي أُنَزِّلُ عليك .
فالألف تشير إلى اسم " الله " ، واللام تشير إلى اسم " اللطيف " ، والميم تشير إلى " المجيد " ، والراء تشير إلى اسم " الرحيم " قال بسم الله اللطيف المجيد الرحيم إن هذه آياتُ الكتاب الذي أخبرتُ إني أنزله على محمد - صلى الله عليه وسلم . ثم عَطَفَ عليه بالواو قوله تعالى : { والذي أُنِزلَ إلَيك مِن رَّبِّكَ الحَقُّ } هو حق وصدق ، لأنه أنزله على نَبيِّه - صلى الله عليه وسلم .
قوله جلّ ذكره : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } .
أي ولكن الأكثر من الناس من أصناف الكفار لا يؤمنون به ، فَهُمْ الأكثرون عدداً ، والأقلون قَدْراً وخَطَراً .
سورة الرعد مدنية على قول بعض العلماء ، ومكية على قول آخرين ، ويجزم المرحوم سيد قطب أنها مكية بخلاف ما ورد في المصحف الأميري . ومكية السورة شديدة الوضوح ، سواء في طبيعة موضوعها أو طريقة أدائها ، أو في جوها العام ، الذي لا يخطئ تنسمه من يعيش فترة في ظلال هذا القرآن . وعدد آياتها ثلاث وأربعون وسميت " الرعد " لقوله تعالى : { يسبح الرعد بحمده } .
وقد ابتدأت هذه السورة ببيان منزلة القرآن الكريم ، وأنه وحي من الله ، ثم بينت سلطان الله تعالى في الكون ونبّهت إلى ما فيه من إبداع ومنافع . ومن بيان قدرة الله في الإنشاء انتقلت إلى بيان قدرته على الإعادة والبعث ، وعلمه بكل شيء ، وقدرته على العقاب في الدنيا ، وعليه يقاس العقاب في الآخرة . وبعد ذلك ذكرت السورة أحوال الناس في تلقيهم للهدى القرآني ، ثم أوصاف المؤمنين في علاقاتهم بالإنسانية ، وأخلاق الكافرين وتعنتهم في طلب معجزات غير القرآن .
وفي السورة بيان للرسول الكريم أنه قد استهزئ برسل من قبله ، وأن الله تعالى قائم على الأشياء والنفوس ، مجاز كلاً بما يستحق ، وأن القرآن هو المعجزة الكبرى الباقية إلى يوم القيامة ، فإذا كان المشركون ينكرون رسالة النبي عليه الصلاة والسلام فإن الله يشهد بصدقها وكفى بالله شهيدا .
وهذه السورة من أعاجيب السور القرآنية التي تستمر في نفس واحد ، وإيقاع واحد ، وجو واحد من بدئها إلى نهايتها ، وتطوف بالقلب البشري في مجالات وآفاق ، وتعرض عليه الكون كله في شتى مجالاته الأخّاذة ، في السماوات المرفوعة بغير عمد ، وفي الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ، وفي الليل يغشاه النهار ، وفي الأرض الممدودة وما فيها من رواس ثابتة وأنهار جارية ، وجنات وزرع ونخيل مختلف الأشكال والطعوم والألوان ، ينبت في قطع من الأرض متجاوزات ويسقى بماء واحد ، وفي البرق يخيف ويطمع ، والرعد يسبح ويحمِّد .
وقد نزلت بعد سورة " محمد " على القول بأنها مدنية . وتتم مناسبتها للسورة التي قبلها وهي يوسف من وجوه :
1- أن الله تعالى أجمل في السورة السابقة الآيات السماوية والأرضية في قوله :
{ وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } .
ثم فصَّلها هنا في سورة الرعد أتم تفصيل في عدة مواضع .
2- أنه أشار في سورة يوسف إلى أدلة التوحيد بقوله : { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ؟ } . ثم فصّل الأدلة هنا بإسهاب لم يذكر في سورة يوسف .
3- أنه ذكر في كلتا السورتين أخبار الماضين مع رسلهم ، وأنهم لاقوا منهم ما لاقوا وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وكتب الخزي على الكافرين ، والنصر لرسله والمؤمنين .
4- جاء في آخر سورة يوسف وصف القرآن بقوله : { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه ، وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .
5- وفي أول سورة الرعد قوله تعالى : { تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } .
ألفْ لام ميم راء صوتيّة ، وقد سبق الكلامُ عليها في سورة البقرة .
تبدأ بها بعض سور القرآن ، وهي تشير إلى أنه معجز مع أنه مكون من الحروف .
إن تلك الآياتِ العظيمةَ هي هذا القرآن ، الكتاب العظيم الذي نزل عليك أيها النبي ، بالحق والصدق من الله الذي خلقك ، ولكنّ أكثرَ الناس
لا يصدّقون بما جاء به من الحق .
هكذا تبدأ السورة بقضية من قضايا العقيدة : قضيةَ الوحي بهذا الكتاب ، والحق الذي اشتمل عليه ، وتلك هي قاعدةٌ بقية القضايا من توحيد الله ، والإيمان بالبعث والجزاء ، والعمل الصالح في هذه الحياة ، فكلُّها متفرعة عن الإيمان بالله ، وإن هذا القرآن وحي من عنده .
مكية إلا قوله : { ولا يزال الذين كفروا } ، وقوله : { ويقول الذين كفروا لست مرسلاً } ، وهي ثلاث وأربعون آية .
{ المر } قال ابن عباس : معناه : أنا الله أعلم وأرى ، { تلك آيات الكتاب } ، يعني : تلك الأخبار التي قصصتها عليك آيات التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة ، { والذي أنزل إليك } ، يعني : وهذا القرآن الذي أنزل إليك ، { من ربك الحق } ، أي : هو الحق فاعتصم به . فيكون محل " الذي " رفعا على الابتداء ، و " الحق " خبره . وقيل : محله خفض ، يعني : تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك ، ثم ابتدأ : " الحق " ، يعني : ذلك الحق . وقال ابن عباس : أراد بالكتاب القرآن ، ومعناه : هذه آيات الكتاب ، يعني القرآن ، ثم قال : وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق . { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } ، قال مقاتل : نزلت في مشركي مكة حين قالوا : إن محمدا يقوله من تلقاء نفسه ، فرد قولهم .
اختلف المفسرون في كون سورة الرعد مكية أو مدنية ؛ فقد قيل : إنها مكية ، وقيل : إنها مدنية . وقيل : مدنية باستثناء آيتين نزلتا في مكة وهو الراجح .
وذلكم البيان المفصل لتفسير السورة :
{ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } .
{ المر } ، مبتدأ وخبره ما بعده . والتقدير : أن هذه الحروف التي تأتي فواتح لبعض السورة ، هي التي تتكون منها آيات هذا القرآن ، الذي عجزتم عن مضاهاته أو معارضته . وقيل : { المر } ، في محل رفع مبتدأ محذوف والتقدير : هذه السورة اسمها { المر } . والإشارة عائدة إلى { آيَاتُ الْكِتَابِ } {[2308]} .
قوله : { وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } { الذي } في محل رفع على الابتداء ، وخبره { الحق } وهذه الجملة جاءت لتبين أن هذا المنزل هو الحق ؛ فهي بذلك مستأنفة .
قوله : { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ } أكثر الناس لا يؤمنون بهذا الحق وهو القرآن المنزل من عند الله . أكثر الناس في غالب الأحوال والأزمان والأرضين قد خسروا أنفسهم وضلوا عن سواء السبيل لما م يؤمنوا بهذا القرآن . هذا الحدث الكوني لهائل الذي جاء مشتملا على كل الخير والعدل والرحمة لكل الناس .
ولو قدر للبشرية أن تعي هذه الحقيقة الكبرى ؛ لأيقنت أن ملاذها في الخير والعدل والأمن والسعادة ، إنما يمكن في القرآن بما حواه من عقيدة سامية راقية سمحة محببة ، وتشريع عظيم ومسير وملائم . لكن البشرية قد خسرت أفظع خسران بحرمانها هذا القرآن لما حيل بينها وبين فهمه وإدراك معانيه . ولقد لعب الشياطين من دهاقنة الشبر بكيدهم من أجل أن يرسخوا هذه الحيلولة التي باعدت بين البشرية وهذا القرآن العظيم ، وذلك بمختلف الأساليب من الخداع والتشويه والتضليل والتجهيل وإشاعة الأكاذيب والافتراءات عن هذا الكتاب الحكيم ، تنفرا للبشرية المضللة المستغفلة .