لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

مَنْ نَقَضَ عهده أفسد بآخِرِ أمرِه أَوَّلَه ، وهَدَمَ بِفِعْلِهِ ما أَسَّسَه ، وقَلَعَ بيده ما غَرَسَه ، وكان كمن نقضت غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً ، أي : من بعد ما أبرمت فَتْلَه .

وإنَّ السالكَ إذا وقعت له فترة ، والمريدََ إذا حصلت له في الطريق وقفةٌ ، والعارف إذا حصلت له حجَبَةٌ ، والمحبِّ إذا استقبلته فرقةٌ- فهذه مِحَنٌ عظيمةٌ ومصائِبُ فجيعةٌ ، فكما قيل :

فَلأَبْكِيَنَّ على الهلالِ تأسُّفاً *** خوفَ الكسوفِ عليه قبل تمامه

فما هو إلا أَنْ تُكْشَفُ شَمْسهُم ، وينطفِئَ- في الليلة الظلماءِ- سِرجُهم ، ويتشتَّتَ من السماء نجومِهم ، ويصيبَ أزهارَ أنْسِهم وربيعَ وَصْلِهم ، إعصارٌ فيه بلاءٌ شديدٌ ، وعذابٌ أليم ، فإنَّ الحقَّ - سبحانه إذا أراد بقوم بلاءً فكما يقوله :

{ وَنُقَلِّبُ أَفْئَدَتَهُم وَأَبْصَارَهُمْ كَمَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ الأنعام :10 ] ، فإِنَّ آثارَ سُخْطِ الملوكِ مُوجِعةُ ، وقصةَ إعراضِ السلطانِ مُوحِشَةٌ وكما قيل :

والصبر يَحْسُنُ في المواطن كلها *** إلا عليكَ - فإنَّه مذمومٌ

هنالك تنسكب العَبَرَاتُ ، وتُشَق الجيوب ، وتُلْطَم الخدود ، وتُعطَّلُ العِشار ، وتخَرَّبُ المنازلُ ، وتسودُّ الأبواب ، وينوح النائح :

وأتى الرسول فأخ *** بر أنهم رحلوا قريبا

رجعوا إلى أوطانهم *** فجرى لهم دمعي صبيبا

وتركن ناراً في الضلوع *** وزرعن في رأسي مشيبا

قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } .

بلاءُ كلِّ واحدٍ على ما يليق بحاله ؛ فمن كان بلاؤه بحديث النَّفْسِ أو ببقائه عن هواه ، وبحرمانه لكرائمه في عُقْباه فاسمُ البلاءِ في صفته مَجَازٌ ، وإنما هذا بلاء العوام . ولكنَّ بلاَءَ هذا غيرُ الكرامِ فهو كما قيل :

مَنْ لم يَبِتَ- والحبُّ مِلْءُ فؤادِه *** لم يَدْرِ كيف تَفَتُّتُ الأكبادِ

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

أنكاثا : واحدها نكث ، بمعنى منكوث ، منقوض .

دخلا بينكم : مكرا وخديعة .

أربى : أكثر .

لقد شدّد الإسلام على الوفاء بالعهود ، ولم يتسامح فيها أبدا ، لأنها قاعدةُ الثقة التي ينفرط بدونها عقدُ الجماعة ، ولذلك أكد هنا بضربِ هذا المثل ، بالمرأة الحمقاء التي تفتِلُ غَزْلَها ، ثم تنقضُه من بعد أن يكون قد اكتمل ، متخذين أيمانكم وسيلةً للمكرِ والخداع ، وتنوون الغدر بمن عاقدتم ، لأنكم أكثرُ وأقوى منهم .

إنما يختبركم الله ، فإن آثرتُم الوفاءَ كان لكم الغُنم في الدنيا والآخرة ، وإن اتجهتم إلى الغدر كان الخسران ، وليبيّنَ لكم يوم القيامة حقيقة ما كنتم تختلفون عليه في الدنيا ، ويجازيكم حسب أعمالكم .

وهاتان الآيتان تدلان على أساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم ، مع العدالة والوفاء بالعهد ، وإن العلاقات الدولية لا تنظَّم إلا بالوفاء بالعهود ، وإن الدول الإسلامية إذا عقدت عهداً فإنما تعقده باسم الله ، فهو يتضمن يمين الله وكفالته ، وفيهما ثلاثة معان لو نفَّذتها الدولُ لساد السلم في العالم .

أولها : إنه لا يصح أن تكون المعاهدات سبيلاً للخديعة وإلا كانت غشّاً ، والغش غير جائز في الإسلام في العلاقات الإنسانية ، سواء كانت بين الأفراد أو الجماعات والدول .

ثانيها : إن الوفاء بالعهد قوةٌ في ذاته ، وإن من ينقض عهده يكون كمن نقض ما بناه من أسباب القوة ، مثلَ تلك الحمقاء التي نقضت غَزْلها بعد أن أحكمته .

ثالثها : إنه لا يصح أن يكون الباعث على نكث العهد الرغبة في القوة أو الزيادة في رقعة الأرض أو نحو ذلك ، كما تفعل إسرائيل ، وكانت من ورائها بريطانيا ، واليوم أمريكا .

هذه المبادئ لم تكن معمولاً بها قبل الإسلام ، وقد رأينا دولاً عظمى لم تفِ بالعهد وكذبت في عهودها ، فبدّد الله شملَها وعادت من الدول الفقيرة الحقيرة .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ} (92)

ثم ضرب الله مثلاً لنقض العهد فقال : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة } ، أي : من بعد غزله وإحكامه . قال الكلبي ، و مقاتل : هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش ، يقال لها ريطة بنت عمرو بن سعد ابن كعب بن زيد مناة بن تميم ، وتلقب بجعر ، وكانت بها وسوسة ، وكانت اتخذت مغزلاً بقدر ذراع ، وصنارة مثل الأصبع ، وفلكة عظيمة ، على قدرها ، وكانت تغزل الغزل من الصوف والشعر والوبر ، وتأمر جواريها بذلك ، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار ، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها . ومعناه : أنها لم تكف عن العمل ، ولا حين عملت كفت عن النقض ، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد ، لا كففتم عن العهد ، ولا حين عاهدتم وفيتم به . { أنكاثاً } ، يعني : أنقاضاً ، واحدها نكث ، وهو ما نقض بعد الفتل ، غزلاً كان أو حبلاً . { تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم } ، أي : دخلاً وخيانة وخديعة ، والدخل ما يدخل في الشيء للفساد . وقيل : الدخل و الدغل : أن يظهر الوفاء ويبطن النقض . { أن تكون } ، أي : لأن تكون { أمة هي أربى } أي : أكثر وأعلى ، { من أمة } قال مجاهد : وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء ، فإذا وجدوا قوماً أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر ، فمعناه : طلبتم العز بنقض العهد ، بأن كانت أمة أكثر من أمة . فنهاهم الله عن ذلك . { إنما يبلوكم الله به } ، يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ، { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } ، في الدنيا .