لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

" الله " اسم تفرّد به الحق - سبحانه فلا سمِيّ له فيه . قال الله تعالى :

{ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا }[ مريم : 65 ] أي هل تعرف أحداً غيره تسمَّى " الله " ؟ .

من اعتبر في هذا الاسم الاشتقاق فهو كالمتعارض ، فهذا اسم يدل على استحقاق صفات الجلال لا على اشتقاق الألفاظ ، فلا يعارض ما لا يعارض فيه من الأقوال .

قوله : { لا إله إلا هو } : إخبار عن نفي النظير والشبيه ، بما استوجب من التقديس والتنزيه . ومن تحقق بهذه القالة لا يرى ذَرّةً من الإثبات بغيره أو من غيره ؛ فلا يرفع إلى غيره حاجته ، ولا يشهد من غيره ذرة ، فَيَصْدُقُ إليه انقطاعه ، ويديم لوجوده انفرادَه ، فلا يسمع إلا من الله وبالله ، ولا يشهد إلا بالله ، ولا يُقْبِلْ إلا على الله ، ولا يشتغل إلا بالله ، فهو محوٌ عما سِوى الله ، فَمَالَهُ شكوى ولا دعوى ، ولا يتحرك منه لغيره عِرْقٌ ، فإذا استوفى الحق عبداً لم يَبْقَ للحظوظ - ألبتة - مساغ .

ثم إن هذه القالة تقتضي التحقق بها ، والفناء عن الموسومات بجملتها ، والتحقق بأنه لا سبيل لمخلوق إلى وجود الحق - سبحانه ، فلا وصل ولا فصل ولا قُرْبَ ولا بُعدَ ، فإن ذلكَ أجمعَ آفاتٌ لا تليق بالقِدَم .

وقوله : { الحي القيوم } : المتولي لأمور عباده ، القائم بكل حركة ، و ( المحوي ) ، لكل عين وأثر .

{ لا تأخذه سنة ولا نوم } لأنه أحدي لا ترهقه غفلة ، وصمد لا تمسه علة ، وعزيز لا تقاربه قلة ، وجبار لا تميزه عزلة ، وفَرْدٌ لا تضمه جثة ، ووتر لا تحده جهة ، وقديم لا تلْحَقُه آفة ، وعظيم لا تدركه مسافة .

تَقَدَّس مِنْ جمالِه جلالُه ، وجلالُه جمالُه ، وسناؤه بهاؤه ، وبهاؤه سناؤه ، وأزله أبده ، وأبده سرمده ، وسرمدهِ قدَمُه ، وقدمه وجوده .

قوله جلّ ذكره : { لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ }

مِلْكاً وإبداعاً ، وخَلْقاً واختراعاً .

{ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } .

من ذا الذي يتنفس بنَفَس ( . . . ) إلا بإجرائه ، أو يتوسل إليه من دون إذنه وإبدائه . ومن ظنَّ أنه يتوسل إليه باستحقاقٍ أو عمل ، أو تذلل أو أمل ، أو قربة أو نسب ، أو علة أو سبب - فالظنُّ وطنه والجهل مألفه والغلظ غايته والبعد قُصاراه .

قوله جلّ ذكره : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }

لأنه لا يخرج عن علمه معلوم ، ولا يلتبس عليه موجود ولا معدوم .

{ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ } .

يعني من معلوماته ، أي تقاصرت العلوم عن الإحاطة بمعلوماته إلا بإذنه .

فأي طمع لها في الإحاطة بذاته وحقه ؟ وأَنَّى تجوز الإحاطة عليه وهو لا يقطعه في عِزِّه أَمَد ، ولا يدركه حَدٌّ ؟ ! .

قوله جلّ ذكره : { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } .

خطاب لهم على قدر فهمهم . وإلا فأي خَطَرٍ للأكوان عند صفاته ؟

جلَّ قَدْرُه عن التعزز بعرش أو كرسي ، والتجمل بجنٍ أو إنْسِي .

قوله جلّ ذكره : { وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِىُّ العَظِيمُ } .

كَيف تُتْعِبُ المخلوقاتُ مَنْ خَلْقُ الذرة والكونِ بجملته - لو سواء ؛ فلا من القليل له تَيَسُّر ، ولا من الكثير عليه تَعَسُّر .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ} (255)

القيوم : الدائم القيام بتدبير خلقه .

لا تأخذه : لا تستولي عليه .

سنة : فتور يتقدم النوم ، نعاس .

الكرسي : إما العرش ، أو العِلم الإلَهي .

يئوده : يثقله .

في هذه الآية الكريمة التي اشتهرت باسم آية الكرسي تقرير أصول الدين في توحيد الله وتنزيهه حتى يستشعر العبد عظيم سلطانه ، ووجوب طاعته ، والوقوف عند حدوده . وقد جمعت هذه الآية أصول الصفات الإلَهية أيضاً ، فهو واحد حيّ ، قيُّوم لا يصيبه نعاس ولا نوم ، له ما خفي من العالم وما بطن ، مطلق التصرف لا يَرُدُّ حُكمه شفيع ، عالم بخفيّات الأمور ، لا يستطيع أحد أن يدرك شيئاً من علمه إلا ما أراد أن يُعلم به من يرتضيه ، وسع علمُه كل شيء في السموات والأرض ، ولا يشقّ عليه حفظهما وتدبيرهما ، وهو العلي العظيم .

وإنها لآيةٌ تملأ القلب مهابة من الله وجلاله وكماله ، حتى لا تدع موضعاً للغرور بالشفعاء . هي آية جليلة الشأن ، عميقة الدلالة ، وقد ورد في حديث أخرجه الإمام أحمد عن أسماء بن يزيد : «إنها أعظم آية في كتاب الله وأنها مشتملة على اسم الله الأعظم » .