جَنَّسَ عليهم الخطاب ؛ فمِنْ ظاهرٍ واضح تنزيله ، ومن غامض مشكل تأويله . القِسْم الأول لبسط الشرع واهتداء أهل الظاهر ، والقِسْم الثاني لصيانة الأسرار عن اطلاع الأجانب عليها ، فسبيلُ العلماء الرسوخُ في طلب معناه على ما يوافق الأصول ، فما حصل عليه الوقوف فمُقَابَلٌ بالقبول ، وما امتنع من التأثر فيه بمعلول الفكر سلَّموه إلى عالم الغيب .
وسبيل أهل الإشارة والفهم إلقاء السمع بحضور القلب ، فما سنح لفهومهم من لائح التعريفات بَنَوْا ( عليه ) إشارات الكشف .
إنْ ( طولبوا ) باستدامة الستر وطيِّ السِّر تخارسوا عن النطق ، وإنْ أُمِروا بالإظهار والنشر أطلقوا بيان الحق ، ونطقوا عن تعريفات الغيبة ، فأمَّا الذين اُيِّدوا بأنوار البصائر فمستضيئون بشعاع شموس الفهم ، وأمّا الذين ألبسوا غطاء الريب ، وحرموا لطائف التحقيق ، فتتقسم بهم الأحوال وتَتَرجَّمُ بهم الظنون ، ويطيحون في أودية الرَّيْبِ والتلبيس ، فلا يزدادون إلا جهلاً على جهل ، ونفوراً على شك .
قوله جلّ ذكره : { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ } .
ومَنْ وجد علمه من الله فيكون إيمانهم بلا احتمال جولان خواطر التجويز بل عن صريحات الظهور ، وصافيات اليقين . وأمّا أصحاب العقول الصاحية ففي صحبة التذكر ، لظهور البراهين و( . . . . ) أحكام التحصيل .
آيات محكمات : محكمة العبارة لا تقبل الصرف عن ظاهرها .
أُم الكتاب : أصله الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود .
وأخر متشابهات : محتملات لعدة معان لا يتضح المقصود فيها إلا بتدقيق النظر . زيغ : عدول عن الحق .
الراسخون في العلم : المتمكنون منه .
لقد أنزل الله عليك القرآن وجعل فيه آيات محكمات ، محدّدة المعنى بينة المقاصد ، هي الأصل وإليها المرجع في الدين والفرائض والحدود . كما جعل فيه آيات متشابهات يدِقُّ معناها على كثير من الناس وتشتبه على غير الراسخين في العِلم . فأما الآيات المتشابهات فقد أُنزلت بحكمته تعالى لتبعث العلماء على تدقيق النظر ودقة الفكر في الاجتهاد . لكن أهل الشك والذين في قلوبهم ميل عن الحق ، يتّبعون ما تشابه من الآيات رغبةً في إثارة الفتنة . . يؤوّلونها حسب أهوائهم ، فيُضلّون وراءهم خلقاً كثيرا .
ولا يعلم تأويل هذه الآيات المتشابهات إلا الله والذين تثبتوا في العلم وتمكنوا منه ، وهؤلاء يقولون : إننا نؤمن بالقرآن كاملاً ، لا نفرق بين مُحكمه ومتشابهه . وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا ذوو البصائر المستنيرة ، والعقول الراجحة .
هذا وقد استفاض الحديث حول أن في القرآن محكماً ومتشابهاً ، وأن العلماء أمام هذه المتشابه فريقان : فريق السلف : الذي يرى التفويض وعدم الخوض في معناه ، وفريق الخلف : الذي يرى التأويل وصرف اللفظ عن دلالته المعروفة إلى معنى يتفق مع ما دل عليه المحكم . ويعتبرون من ذلك أمثال قوله تعالى «الرحمنُ على العرش استوى » ، «يد الله فوق أيديهم » ، «بل يداه مبسوطتان » «والأرض جميعاً قبضتُهُ يوم القيامة والسّماواتُ مطويات بيمينه » ، فيقولون أن معنى الاستواء هو : الاستيلاء . واليد بمعنى : القدرة . واليمين بمعنى : القوة . وبسطُ اليد بمعنى : كثرة المنح والعطاء ، إلى غير ذلك .
وهناك أقوال كثيرة واختلافات كبيرة في هذا الموضوع لا طائل منها ولا فائدة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.