قوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ } .
حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق ، وموجب الأمرين التوفيق . والتصديق بالعقل والتحقيق ببذل الجهد ، في حفظ العهد ، ومراعاة الحد . فالمؤمنون هم الذين صدَّقوا باعتقادهم ثم الذين صَدَقُوا في اجتهادهم .
وأمَّا الغيب فما يعلمه العبد مما خرج عن حد الاضطرار ؛ فكل أمر ديني أدركه العبد بضرب استدلال ، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غَيْبِيٌّ . فالرب سبحانه وتعالى غيب . وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر ، والثواب والمآب ، والحساب والعذاب - غيب .
وقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب ، وأن من أيّدوا ببرهان العقول آمنوا بدلالة العلم و إشارة اليقين ، فأوْرَدَهم صدقُ الاستدلال ساحاتِ الاستبصار ، وأوصلهم صائبُ الاستشهاد إلى مراتب السكون ؛ فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم دواعي الريب . ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار ، فأغناهم بلوائح البيان عن كل فكر وروية ، وطلب بخواطر ذكية ، وردِّ وردع لدواعٍ ردية ، فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم ، وفي معناه أنشدوا :
لَيْلِي من وجهك شمس الضحا *** وظلامه في الناس ساري
والناس في سدف الظلا *** م ونحن في ضوء النهار
طلعت شمس من أحبَّك ليلاً *** فاستضاءت وما لها من غروب
إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب
ومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب في شهود الغيب فصار غيباً يغيب .
وأمَّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة عن شهودها برؤية مَنْ يُصَلَّى له فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجري عليه منه ، وهو عن ملاحظتها محو ، فنفوسهم مستقبلة القِبْلة ، وقلوبهم مستغرقة في حقائق الوصلة :
أراني إذا صَلَّيْت يَمَّمْت نحوها *** بوجهي وإنْ كان المُصَلَّى ورائيا
أصلي فلا أدري إذا ما قضيتها *** اثنتين صليت الضحا أم ثمانيا ؟
وإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون من الفرض ، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون . أما أهل الخصوص فيردون قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون ؛ فشتَّان بين غائبٍ يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة ، وبين غائبٍ يرجع إلى أحكام الشرع ولكن عند حقائق الوصلة .
قوله جلّ ذكره : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .
الرزق ما تمكَّن الإنسان من الانتفاع به ، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إمَّا نَفْلاً وإما فرضاً على موجب تفصيل العلم . وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله سبحانه وتعالى شيئاً من ميسورهم ؛ فينفقون نفوسهم في آداب العبودية ، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية . فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال ، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال ، فهؤلاء يكتفي منهم عِشْرين بنصفٍ ومن المائتين بِخَمس ، وعلى هذا السَّنَن جميع الأموال يعتبر فيه النِّصاب .
وأمَّا أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم - لأنفسهم ولحظوظهم - لحظةً قامت عليهم القيامة .
فصل : الزاهدون أنفقوا في طريقة متابعة هواهم ، فآثروا رضاء الله على مناهم ، والعابدون أنفقوا في سبيل الله وسعهم وقواهم ، فلازموا سراً وعلناً نفوسهم . والمريدون أنفقوا في سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شيء من دنياهم وعقباهم . والعارفون أنفقوا في سبيل الله ما هو سوى مولاهم فقرَّبهم الحق سبحانه وأجزاهم ، ويحكم الإفراد به لقَّاهم .
فصل : الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم . والفقراء أنفقوا من هممهم على مَنَابَتِهمْ . ويقال العبد بقلبه وببدنه وبماله فبإيمانهم بالغيب قاموا بقلوبهم ، وبصلاتهم قاموا بنفوسهم ، وبإنفاقهم قاموا بأموالهم ، فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم ، وحين قاموا لِحَقِّه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية .
ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة ، والأعمال الظاهرة ، لتضمن التقوى لذلك فقال : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } حقيقة الإيمان : هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل ، المتضمن لانقياد الجوارح ، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس ، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر . إنما الشأن في الإيمان بالغيب ، الذي لم نره ولم نشاهده ، وإنما نؤمن به ، لخبر الله وخبر رسوله . فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر ، لأنه تصديق مجرد لله ورسله . فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به ، أو أخبر به رسوله ، سواء شاهده ، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله ، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه . بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية ، لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم ، ومرجت أحلامهم . وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله .
ويدخل في الإيمان بالغيب ، [ الإيمان ب ] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة ، وأحوال الآخرة ، وحقائق أوصاف الله وكيفيتها ، [ وما أخبرت به الرسل من ذلك ] فيؤمنون بصفات الله ووجودها ، ويتيقنونها ، وإن لم يفهموا كيفيتها .
ثم قال : { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } لم يقل : يفعلون الصلاة ، أو يأتون بالصلاة ، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة . فإقامة الصلاة ، إقامتها ظاهرا ، بإتمام أركانها ، وواجباتها ، وشروطها . وإقامتها باطنا{[32]} بإقامة روحها ، وهو حضور القلب فيها ، وتدبر ما يقوله ويفعله منها ، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها : { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } وهي التي يترتب عليها الثواب . فلا ثواب للإنسان{[33]} من صلاته ، إلا ما عقل منها ، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها .
ثم قال : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة ، والنفقة على الزوجات والأقارب ، والمماليك ونحو ذلك . والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير . ولم يذكر المنفق عليهم ، لكثرة أسبابه وتنوع أهله ، ولأن النفقة من حيث هي ، قربة إلى الله ، وأتى ب " من " الدالة على التبعيض ، لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم ، غير ضار لهم ولا مثقل ، بل ينتفعون هم بإنفاقه ، وينتفع به إخوانهم .
وفي قوله : { رَزَقْنَاهُمْ } إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم ، ليست حاصلة بقوتكم وملككم ، وإنما هي رزق الله الذي خولكم ، وأنعم به عليكم ، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده ، فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم ، وواسوا إخوانكم المعدمين .
وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن ، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود ، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده ، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود ، وسعيه في نفع الخلق ، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه ، فلا إخلاص ولا إحسان .
قوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( الذين اسم موصول في محل حجر نعت ( للمتقين ( التي قبلها ، وقيل : في محل نصب على المفعولية لفعل محذوف تقديره أمدح .
وقوله : ( يؤمنون ( من الإيمان ومعناه في اللغة : التصديق ، والإيمان في الشرع : كلمة جامعة للإقرار بالله وملائكته ، وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتصديق هذا الإقرار بالفعل ، وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل ، قال ابن كثير في هذا الصدد : الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا .
وهو قول أكثر العلماء ، وعلى هذا فإن الإيمان إقرار بأركان العقيدة المعروفة واقتران ذلك بالعمل الصحيح المشروع ، فلا اعتبار للإقرار أو التصديق المجرد والذي لا يشفعه عمل .
ومن ركائز الإيمان للمؤمنين تصديقهم عن يقين بالغيب المستور مما هو خلف الطبيعة ووراء الشهادة والحس في ظواهر لا يقف عليها الإنسان في تركيبته البشرية ، وهي تركيبة يطلبها واقع الحياة في دنيا محدودة ، لا تقوى على إدراك ما وراء الطبيعة المشهودة من عوالم الغيبات كالملائكة والكتب المنزلة والرسل واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والنشور والحساب ، وكذلك الله تعالت أسماؤه إنما يؤمن به المؤمنون بالغيب لأن الله ( ليس كمثله شيء( وهو سبحانه ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ( فإنه سبحانه لا يدركه المرء من باب الحس المشهود كالبصر أو السمع أو غير ذلك من أسباب حسية ثقيلة .
وثمة معنى آخر مثير يتفجر من خلال النص القرآني الكريم وهو يصف المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ، فإن في ذلك ما يشير بوضوح مكشوف إلى تكريم المتقين ، لأنهم يؤمنون بالغيب والإيمان بالغيب ضرب من الرقي المكرم الذي يرتقي من خلاله المؤمن ليكون في صف الأبرار والأطهار من البشر ، ولا غرو فإن الإيمان بالغيب يرتفع بالمؤمن ليكون في عداد الغلاة الذين يتسامون على التصور المادي الممحص ، التصور المادي المتبلد الثقيل الذي يودي بالإنسان إلى حمأة الهبوط المنحدر والارتكاس المتدهور .
وقوله : ( ويقيمون الصلاة ( إقامة الصلاة ترد بإطلاق لتشمل ما فيها من ركوع وسجود وقراءة وخشوع وقيام وقعود ، وما يشترط لها من طهارة وستر للعورة واستقبال للقبلة وغير ذلك من وجوه إتمام الصلاة ، وللمحافظة عليها وأدائها على أتم نحو وأوفى صورة .
والصلاة في اللغة تأتي على عدة معان منها : الدعاء والرحمة والعبادة والنافلة والتسبيح ثم القراءة ، وقيل غير ذلك مما يتناول مفهوم الصلاة في لغة العرب ، ولا جرم أن تكون مثل هذه المعاني جميعها وثيقة الصلة بالمفهوم الشرعي لكلمة الصلاة والصلاة في مفهومها الشرعي تتضمن جملة حركات وأقوال وقراءات يؤديها المصلي على سبيل التعبد والطاعة لله ، أما تفصيل الصلاة في بيان موضح مستفيض فليس هنا موضع ذلك بل موضعه مظانه في كتب الفقه بما يعرض لفريضة الصلاة بالشرح المبسط التفصيلي .
وقوله : ( ومما رزقناهم ينفقون( الرزق : معناه العطاء ، وهو يشمل كل وجوه الخير من المال والطعام والكساء وغير ذلك ، أما قوله ( ينفقون( فهو من الفعل نفق ومعناه : نفد وفني ، ويأتي بمعنى خرج ، فالإنفاق الواقع على المال يعني إخراجه من اليد ، وبذلك فإن النفقة أو الإنفاق هو إخراج المال من اليد على وجوهه المختلفة أو إفناؤه في سبيل الخير .
واختلف العلماء في المقصود بالنفقة هنا ، فقد قيل : يقصد بها الزكاة المقروضة ، وقيل : بل هي صدقة التطوع غير المقروضة ، وفي قول آخر بأن المقصود ما أنفقه المرء على أهله وعياله أو من وجبت نفقتهم عليه ، والقول الذي نرجحه ونطمئن إليه ، أن النفقة عامة تتناول كل وجوه الإنفاق من فريضة وتطوع ، وما كان لأهل أو عيال أو غيرهم . {[18]}