لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} (4)

المالك من له المُلك ، ومُلك الحق سبحانه وتعالى قدرته على الإبداع ، فالملك مبالغة من المالك وهو سبحانه الملك المالك ، وله المُلك . وكما لا إله إلا هو فلا قادر على الإبداع إلا هو ، فهو بإلهيته متوحد ، وبملكه متفرد ، ملك نفوس العابدين فصرفها في خدمته ، وملك قلوب العارفين فشرِّفها بمعرفته ، وملك نفوس القاصدين فتيَّمها ، وملك قلوب الواجدين فهيَّمها . ملك أشباح منْ عبَدَه فلاطفها بنواله وأفضاله ، وملك أرواح مَنْ أحبهم ( . . . . ) فكاشفها بنعت جلاله ، ووصف جماله . ملك زمام أرباب التوحيد فصرفهم حيث شاء على ما شاء ووفَّقهم حيث شاء على ما شاء كما شاء ، ولم يَكِلْهم إليهم لحظة ، ولا مَلَّكَهم من أمرهم سِنَّةٌ ولا خطرة ، وكان لهم عنهم ، وأفناؤهم له منهم .

فصل : مَلَكَ قلوبَ العابدين إحسانُه فطمعوا في عطائه ، وملك قلوب الموحدين سلطانُه فقنعوا ببقائه . عرَّف أربابَ التوحيد أنه مالكهم فسقط عنهم اختيارهم ، علموا أن العبد لا ملك له ، ومن لا ملك له لا حكم له ، ومن لا حكم له لا اختيار له ، فلا لهم عن طاعته إعراض ولا على حكمه اعتراض ، ولا في اختياره معارضة ، ولا لمخالفته تعرّض ، { ويوم الدين } . يومُ الجزاء والنشر ، ويوم الحساب والحشر - الحق سبحانه وتعالى يجزي كلاً بما يريد ، فَمِنْ بين مقبولٍ يوم الحشر بفضله سبحانه وتعالى لا بفعلهم ، ومن بين مردودٍ بحكمه سبحانه وتعالى لا بِجُرْمِهم . فأمَّا الأعداء فيحاسبهم ثم يعذبهم وأمَّا الأولياء فيعاتبهم ثم يقربهم :

قومٌ إذا ظفروا بنا *** جادوا بعتق رقابنا

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} (4)

{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } المالك : هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى ، ويثيب ويعاقب ، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات ، وأضاف الملك ليوم الدين ، وهو يوم القيامة ، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم ، خيرها وشرها ، لأن في ذلك اليوم ، يظهر للخلق تمام الظهور ، كمال ملكه وعدله وحكمته ، وانقطاع أملاك الخلائق . حتى [ إنه ] يستوي في ذلك اليوم ، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار .

كلهم مذعنون لعظمته ، خاضعون لعزته ، منتظرون لمجازاته ، راجون ثوابه ، خائفون من عقابه ، فلذلك خصه بالذكر ، وإلا ، فهو المالك ليوم الدين وغيره من الأيام .