فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ} (4)

{ مالك } قد اختلف العلماء أيها أبلغ " ملك " أو " مالك " والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر ، ذكرهما الترمذي ، فذهب إلى الأول أبو عبيد والمبرد ، ورجحه الزمخشري ، وإلى الثاني أبو حاتم والقاضي أبو بكر بن العربي ، والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها ، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعاية ، فأحدهما أقوى من الآخر في بعض الأمور ، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لفعله وقيل بينهما عموم مطلق ، فكل ملك مالك ، ولا عكس ، لعموم ولاية الملك التزاما لا مطابقة ، قاله التفتازاني ، وقيل هما بمعنى .

وقد أخرج الترمذي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ " ملك " بغير ألف . وأخرج نحوه ابن الانباري عن أنس ، وأخرج أحمد والترمذي عن أنس أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقرؤون " مالك " بالألف وأخرج نحوه سعيد بن منصور عن ابن عمر مرفوعا ، وأخرج نحوه أيضا وكيع في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داود عن الزهري يرفعه مرسلا ، وأخرجه أيضا عبد الرازق في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داوود عن ابن المسيب مرفوعا مرسلا{[56]} ، وقد روى هذا من طرق كثيرة فهو أرجح من الأول ومالك بمعنى المستقبل ، قاله القرطبي ، وإضافته إلى ما بعده حقيقة أو لفظية ، والتعويل على القرائن والمقامات ، قاله الكرخي ، وهذا أمس بالعربية وأقعد في طريقها ، قاله أبو القاسم الزجاجي .

قال الخطيب والتقييد بقوله { يوم الدين } لا ينافي الاستمرار لأنه من غير اعتبار حدوث في أحد الأزمنة انتهى . واليوم في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان ، وفي الشرع عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس والمراد هنا مطلق الوقت ، والدين الجزاء خيرا كان أو شرا .

ويوم الدين يوم الجزاء من الرب لعباده يقال كما تدين تدان أي كما تفعل تجاري ؛ ويدل قوله تعالى : { وما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } والإضافة هذه على طريق الإتساع لأدنى ملابسه ؛ أي مالك الأمر كله في يوم الجزاء للعباد لأن الأمر فيه لله وحده ؛ ولذا خص بالذكر ، وعن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم فسروا يوم الدين بيوم الحساب ، وقال قتادة يوم يدين الله العباد بأعمالهم وقيل في معنى الدين غير ذلك ، والأول ما ذكرناه ، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله من كونه ربا للعالمين موجودا لهم ومنعما بالنعم كلها ومالكا للأمر كله يوم الجزاء بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله { الحمد لله } دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه بل لا يستحقه على الحقيقة سواه ، فإن ترتب على الوصف مشعر بعليته له ، وفي هذه الآية إثبات المعاد .


[56]:تفسير ابن كثير 1/26.