لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

هذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظلومين ؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته ، وحق عليه تحمله .

والظلم على وجوه ؛ ظلم على النَّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة ، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه ، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين .

ويقال من جملة الظالمين الشيطانُ ، فالعبدُ المؤمِنُ مظلوم من جهته ، والحقُّ- سبحانه- ينتصف له منه غداً ، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ ، وَدَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه .

قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى . . . } .

وهذا للعوام من المؤمنين ، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف ، وأمَّا الخواص فإذ علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك ، وأَمَّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى يستغفرَ لهم ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، وفي معناه أنشدوا :

وما رضوا بالعفو عن ذي زلة *** حتى أنالوا كفَّه وازدادوا

وأمَّا أصحاب التوحيد فإذا عَلِمُوا أنه المنشئُ ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة ، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة ، ولا منه مطالبة ، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في الظن والحسبان شِرْكاً .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

المفردات :

مهطعين : مسرعين : من أهطع في عدوه ؛ إذا أسرع .

مقنعي رءوسهم : رافعيها من إدامة النظر لا يلتفتون إلى شيء ، يقال : أقنع رأسه : رفعه .

لا يرتد إليهم طرفهم : الطرف : العين ، ولا يجمع ؛ لأنه في الأصل مصدر ، والمراد : لا ترجع إليهم أجفانهم التي تحتها العيون بل تظل مفتوحة .

وأفئدتهم هواء : أي : وقلوبهم خالية لا يشغلها سوى الخوف .

التفسير :

-{ مهطعين مقنعي رءوسهم . . . } .

أي : مسرعين إلى الداع بذلة واستكانة ، كما يسرع الأسير والخائف .

{ مقنعي رءوسهم } . أي : رافعيها مع دوام النظر ، من غير التفات إلى شيء .

{ لا يرتد إليهم طرفهم } . أي : لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم ؛ كما كانوا يفعلون في الدنيا في كل لحظة ، بل تبقى أعينهم مفتوحة لا تطرف من شدة الفزع والخوف .

{ وأفئدتهم هواء } . أي : إنها مضطربة تجيش في صدورهم ، تجيء وتذهب ، ولا تستقر في مكان حتى تبلغ الحناجر ؛ لشدة ما يرون من هول موقف الحساب .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ} (43)

قوله تعالى : { مهطعين } ، قال قتادة : مسرعين . قال سعيد بن جبير : الإهطاع النسلان كعدو الذئب . وقال مجاهد : مديمي النظر . ومعنى الإهطاع : أنهم لا يلتفون يمينا ولا شمالا ، ولا يعرفون مواطن أقدامهم . { مقنعي رؤوسهم } ، أي : رافعي رؤوسهم . قال القتيبي : المقنع : الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه . وقال الحسن : وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء ، لا ينظر أحد إلى أحد . { لا يرتد إليهم طرفهم } أي : لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر ، وهي شاخصة قد شغلهم ما بين أيديهم . { وأفئدتهم هواء } ، أي : خالية . قال قتادة : خرجت قلوبهم عن صدروهم ، فصارت في حناجرهم ، لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها ، فالأفئدة هواء لا شيء فيها ، ومنه سمي ما بين السماء والأرض هواء لخلوه . وقيل : خالية لا تعي شيئا ولا تعقل من الخوف . وقال الأخفش : جوفاء لا عقول لها ، والعرب تسمى كل أجوف خلو هواء . وقال سعيد بن جبير : { وأفئدتهم هواء } أي : مترددة ، تمور في أجوافهم ، ليس لها مكان تستقر فيه . وحقيقة المعنى : أن القلوب زائلة عن أماكنها ، والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم .