لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا} (18)

هم مسلوبون عنهم ، مُخْتَطَفُون منهم ، مُستَهلَكون فيما كوشِفوا به من وجود الحق ؛ فظاهرهم - في رأي الخَلْق - أنهم بأنفسهم ، وفي التحقيق : القائمُ عنهم غيرُهم . وهم محوٌ فيما كوشفوا به من الحقائق .

ثم قال : { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } : وهذا إخبارٌ عن حُسْنِ إيوائه لهم ؛ فلا كشفقةِ الأمهات بل أتم ، ولا كرحمة الآباء بل أعزُّ . . . وبالله التوفيق .

ويقال إن أهلَ التوحيد صفتهم ما قال الحقُّ - سبحانه - في صفة أصحاب الكهف : { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ } فَهُمْ بشواهد الفَرْقِ في ظاهرهم ، لكنهم بعين الجمع بما كُوشِفوا به في سرائرهم ، يُجْرِي عليهم أحوالِهم وهم غير متكلِّفين ، بل هم يثبتون - وهم خمودٌ عما هم به - أن تصرفاتِهم القائمُ بها عنهم سواهم ، وكذلك في نطقهم .

قوله جلّ ذكره : { وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } .

كما ذَكَرَهُم ذَكَر كلبَهم ، ومَنْ صَدَقَ في محبة أحدٍ أحبَّ مَنْ انتسب إليه وما يُنْسَبُ إليه .

ويقال كلبٌ خَطَا مع أحبائه خطواتٍ فإلى القيامة يقول الصبيان - بل الحق يقول بقوله العزيز- : { وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ } فهل ترى أنَّ مُسْلِماً يصحب أولياءَه من وقت شبابه إلى وقت مشيبه يردُّه يوم القيامة خائباً ؟ إنه لا يفعل ذلك .

ويقال في التفاسير إنهم قالوا للراعي الذي تبعهم والكلب معه : اصرف هذا الكلب عنَّا . . فقال الراعي : لا يمكنني ، فإني أنا ديته .

ويقال أنطق الله سبحانه - الكلبَ فقال لهم : لِمَ تضربونني ؟

فقالوا : لِتَنْصَرِفَ عنَّا .

فقال : لا يمكنني أن أنصرف . . لأنه ربَّاني .

ويقال كلبٌ بَسَطَ يده على وصيد الأولياء فإلى القيامة يقال : { وَكَلْبُهُم باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } . . . فهل إذا رَفَعَها مسلمٌ إليه خمسين سنة ترى يرِدُّها خائبةً ؟ هذا لا يكون .

ويقال لما صَحِبهَم الكلبُ لم تضره نجاسةُ صِفتِهِ ، ولا خساسةُ قيمته .

ويقال قال في صفة أصحاب الكهف إن كانوا { سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } [ الكهف :22 ] ، أو { خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلُبُهُمْ } فقد قال في صفة هذه الأمة : { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةِ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } [ المجادلة :7 ] .

وشتَّان ما هما !

ويقال كُلٌ يُعامَلُ بما يليق به من حالته ورتبته ؛ فالأولياء قال في صفتهم : { وَنُقَلِبُهُمْ ذَاتَ اليَمينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } ، والكلب قال في صفته : { وَكَلْبُهُم باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } .

ويقال كما كرَّر ذكرَهم ، كرر ذكْرَ كلبِهم .

وجاء في القصة أن الكلبَ لما لم ينصرفْ عنهم قالوا : سبيلنا إذا لم ينصرف عنَّا أَنْ نَحْمِلَه حتى لا يُسْتَدلَ علينا بأثر قَدَمِه فحملوه ، فكانوا في الابتداء ( بل إياه ) وصاروا في الانتهاء مطاياه . . كذا مَنْ اقتفى أَثَرَ الأحباب .

ويقال في القصة إن الله أنطق الكلب معهم ، وبِنُطْقِه رَبَطَ على قلوبهم بأَنْ أزدادوا يقيناً بسماع نطقه ، فقال : لِمَ تضربوني ؟ فقالوا : لتنصرف ، فقال : أنتم تخَافون بلاءً يصيبكم في المستقبل وأنتم بلائي في الحال .

ثم إنَّ بلاَءَكم الذي تخافون أنْ يصيبكم من الأعداء ، وبلائي منكم وأنتم الأولياء .

ويقال لما لزم الكلبُ محلَّه ولم يجاوزْ حَدَّه فوضع يديه على الوصيد بقي مع الأولياء . . كذا أدب الخدمة يوجب بقاءِ الوُصلة .

قوله جلّ ذكره : { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } .

الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - والمرادُ منه غيره .

ويقال لو اطلعتَ عليهم من حيث أنت لوليت منهم فراراً ، ولو شاهدتَهم من حيث شهود تولِّي الحق لهم لبقيت على حالك .

ويقال لو اطلعتَ عليهم وشاهدْتَهم لَوَلَّيْت منهم فراراً مِنْ أنْ تُرَدَّ عن عالي منزلتك إلى منزلتهم ؛ والغنيُّ إذا رُدَّ إلى منزلة الفقير فَرَّ منه ، ولم تَطِبْ به نَفسًه . { وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } بأن يُسْلَبَ عظيمُ ما هو حالك ، وتُقَامَ في مثل حالهم النازلة عن حالك .

ويقال : { لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً } لأنك لا تريد أن تشهد غيرنا .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا} (18)

المفردات :

أيقاظا : متيقظين ؛ لتفتح عيونهم وتقلبهم .

رقود : نيام واحدهم : راقد .

باسط ذراعيه : مادّهما .

الوصيد : فناء الكهف .

الرعب : الخوف يملأ الصدر .

18- { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال . . . }

أي : وتظنهم أيها المخاطب ، لو قدر لك أن تراهم ؛ أيقظا منتبهين ، والحال أنهم نيام .

{ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } .

أي : ويقلبهم الله من جانب إلى جانب ؛ لئلا تأكل الأرض أجسامهم ، وعدد مرات التقليب لا يعلمه إلا الله تعالى ، وما أورده المفسرون في ذلك لم يثبت عن طريق النقل الصحيح .

وجاء في تفسير بن كثير : قال بعض السلف : يقلبون في العام مرتين . 1 ه .

{ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملّئت منهم رعبا } .

أي : وكلبهم ملق يديه على الأرض ، مبسوطتين غير مقبوضتين بفناء الكهف قريبا من باب الكهف ؛ كأنه يحرسهم وألقى الله عليهم المهابة .

ولو شاهدتهم وهم على تلك الحالة ؛ لفررت منهم هاربا ؛ رعبا منهم ، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة ؛ فرؤيتهم تثير الرعب ، إذ يراهم الناظر نياما كالأيقاظ ؛ عيونهم مفتوحة ، ينقلبون ولا يستيقظون ، وتلك عناية إلهية ؛ لئلا يدنو منهم أحد ، ولا تسهم يد لامس ؛ حتى يبلغ الكتاب أجله ؛ لما في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة الواسعة15 .

مكان الكهف

للمفسرين في تعيين مكان الكهف أقوال ؛ فقيل : هو قريب من بيت إيلياء ( بيت المقدس ) ببلاد الشام ، وقال ابن إسحاق : عند نينوي ببلاد الموصل ، وقيل : ببلاد الروم ولم يقم إلى الآن دليل على شيء من ذلك ، ولو كان لنا في معرفة ذلك فائدة دينية ؛ لأرشدنا الله إلى معرفته ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ما تركت شيئا يقربكم من الجنة ، ويباعدكم عن النار إلا وقد أعلمتكم )16 .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا} (18)

ثم صور - سبحانه - بعد ذلك مشهدا عجيبا من أحوال هؤلاء الفتية فقال : { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ . . . } .

والحسبان بمعنى الظن ، والأيقاظ جمع يقظ وهو ضد النائم ، والرقود : جمع راقد والمراد به هنا : النائم .

أى : وتظنهم - أيها المخاطب لو قدر لك أن تراهم - أيقاظا منتبهين ، والحال أنهم رقود أى : نيام .

وقالوا : وسبب هذا الظن والحسبان ، أن عيونه كانت مفتوحة ، وأنهم كانوا يتقلبون من جهة إلى جهة ، كما قال - تعالى - بعد ذلك : { وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال } .

أى : ونحركهم وهم رقود إلى الجهة التى تلى أيمانهم ، وإلى الجهة التى تلى شمائلهم ، رعاية منا لأجسامهم حتى لا تأكل الأرض شيئا منها بسبب طول رقادهم عليهم .

وعدد مرات هذا التقليب لا يعلمه إلا الله - تعالى - وما أورده المفسرون فى ذلك لم يثبت عن طريق النقل الصحيح ، لذا ضربنا صفحا عنه .

ثم بين - سبحانه - حالة - كلبهم فقال : { وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوصيد } .

والمراد بالوصيد - على الصحيح - فناء الكهف قريبا من الباب ، أو هو من الباب نفسه ، ومنه قول الشاعر : بأرض فضاء لا يسد وصيدها . أى : لا يسد بابها .

أى : وكلبهم الذى كان معهم فى رحلتهم ماد ذراعيه بباب الكهف حتى لكأنه يحرسهم ويمنع من الوصول إليهم .

وما ذكره بعض المفسرين هنا عن اسم الكلب وصفاته ، لم نهتم بذكره لعدم فائدته .

ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً } .

أى . لو عاينتهم وشاهدتهم - أيها المخاطب - لأعرضت بوجهك عنهم من هول ما رأيت . ولملئ قلبك خوفا ورعبا من منظرهم .

وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاماً منها : أن صحبة الأخيار لها من الفوائد ما لها .

قال ابن كثير - رحمه الله - ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم ، وكان جلوسه خارج الباب . لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب - كما ورد فى الصحيح . . وشملت كلبهم بركتهم ، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال ، وهذا فائدة صحبة الأخيار ، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن .

وقال القرطبى - رحمه الله - ما ملخصه : قال ابن عطية : وحدثنى أبى قال : سمعت أبا الفضل الجوهرى فى جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة : إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم ، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله فى محكم تنزيله .

قلت - أى القرطبى - : إذا كان بعض الكلام نال هذه الدرجة العليا بصحبة ومخالطة الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله بذلك فى كتابه ، فما ظنك بالمؤمنين المخالطين المحبين للأولياء . والصالحين ! ! بل فى هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكلمات : المحبين للنبى صلى الله عليه وسلم وآله خير آله .

روى فى الصحيح عن أنس قال : " بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارجان من المسجد ، فلقينا رجل عند سدة المسجد ، فقال : يا رسول الله . متى الساعة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أعدَدْتَ لها ؟ " قال : فكأن الرجل استكان ، ثم قال : يا رسول الله ، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ، ولكنى أحببت الله ورسوله : قال صلى الله عليه وسلم : " فأنت مع من أحببت " "