لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (3)

قوله جلّ ذكره : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ } .

حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق ، وموجب الأمرين التوفيق . والتصديق بالعقل والتحقيق ببذل الجهد ، في حفظ العهد ، ومراعاة الحد . فالمؤمنون هم الذين صدَّقوا باعتقادهم ثم الذين صَدَقُوا في اجتهادهم .

وأمَّا الغيب فما يعلمه العبد مما خرج عن حد الاضطرار ؛ فكل أمر ديني أدركه العبد بضرب استدلال ، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غَيْبِيٌّ . فالرب سبحانه وتعالى غيب . وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر ، والثواب والمآب ، والحساب والعذاب - غيب .

وقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب ، وأن من أيّدوا ببرهان العقول آمنوا بدلالة العلم و إشارة اليقين ، فأوْرَدَهم صدقُ الاستدلال ساحاتِ الاستبصار ، وأوصلهم صائبُ الاستشهاد إلى مراتب السكون ؛ فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم دواعي الريب . ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار ، فأغناهم بلوائح البيان عن كل فكر وروية ، وطلب بخواطر ذكية ، وردِّ وردع لدواعٍ ردية ، فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم ، وفي معناه أنشدوا :

لَيْلِي من وجهك شمس الضحا *** وظلامه في الناس ساري

والناس في سدف الظلا *** م ونحن في ضوء النهار

وأنشدوا :

طلعت شمس من أحبَّك ليلاً *** فاستضاءت وما لها من غروب

إن شمس النهار تغرب بالليل *** وشمس القلوب ليست تغيب

ومن آمن بالغيب بشهود الغيب غاب في شهود الغيب فصار غيباً يغيب .

وأمَّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة عن شهودها برؤية مَنْ يُصَلَّى له فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجري عليه منه ، وهو عن ملاحظتها محو ، فنفوسهم مستقبلة القِبْلة ، وقلوبهم مستغرقة في حقائق الوصلة :

أراني إذا صَلَّيْت يَمَّمْت نحوها *** بوجهي وإنْ كان المُصَلَّى ورائيا

أصلي فلا أدري إذا ما قضيتها *** اثنتين صليت الضحا أم ثمانيا ؟

وإن أصحاب العموم يجتهدون عند افتتاح الصلاة ليردوا قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون من الفرض ، ولكن عن أودية الغفلة ما يرجعون . أما أهل الخصوص فيردون قلوبهم إلى معرفة ما يؤدون ولكن عن حقائق الوصلة ما يرجعون ؛ فشتَّان بين غائبٍ يحضر أحكام الشرع ولكن عند أوطان الغفلة ، وبين غائبٍ يرجع إلى أحكام الشرع ولكن عند حقائق الوصلة .

قوله جلّ ذكره : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .

الرزق ما تمكَّن الإنسان من الانتفاع به ، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إمَّا نَفْلاً وإما فرضاً على موجب تفصيل العلم . وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله سبحانه وتعالى شيئاً من ميسورهم ؛ فينفقون نفوسهم في آداب العبودية ، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية . فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال ، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال ، فهؤلاء يكتفي منهم عِشْرين بنصفٍ ومن المائتين بِخَمس ، وعلى هذا السَّنَن جميع الأموال يعتبر فيه النِّصاب .

وأمَّا أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم - لأنفسهم ولحظوظهم - لحظةً قامت عليهم القيامة .

فصل : الزاهدون أنفقوا في طريقة متابعة هواهم ، فآثروا رضاء الله على مناهم ، والعابدون أنفقوا في سبيل الله وسعهم وقواهم ، فلازموا سراً وعلناً نفوسهم . والمريدون أنفقوا في سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شيء من دنياهم وعقباهم . والعارفون أنفقوا في سبيل الله ما هو سوى مولاهم فقرَّبهم الحق سبحانه وأجزاهم ، ويحكم الإفراد به لقَّاهم .

فصل : الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم . والفقراء أنفقوا من هممهم على مَنَابَتِهمْ . ويقال العبد بقلبه وببدنه وبماله فبإيمانهم بالغيب قاموا بقلوبهم ، وبصلاتهم قاموا بنفوسهم ، وبإنفاقهم قاموا بأموالهم ، فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم ، وحين قاموا لِحَقِّه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (3)

المتقون وجزائهم

{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون( 3 ) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون( 4 ) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون( 5 ) }

ثم يأخذ السياق في وصف المتقين فيقول :

{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } . الصفة الأولى من صفات المتقين هي الإيمان بالغيب ، أي التصديق القلبي به ، والمراد بالغيب ما غاب عن الحس من شئون الدين وقام الدليل على ثبوته ، فالله تعالى لا تدركه الأبصار والإيمان به من الإيمان بالغيب ، وما يتعلق بالملأ الأعلى أو بأحوال يوم القيامة من بعث وحشر وحساب غيب .

«قال أبو العالية : يؤمنون بالغيب : يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث فهذا كله غيب » ( 13 ) .

ومن الإيمان بالغيب الإيمان بصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، مع عدم رِؤيته بل ذلك الإيمان أيضا يضاعف لصاحبه الأجر مرتين ، لأنه تصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم مشاهدته .

روى الإمام أحمد عن أبي جمعة قال : «تغذينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة ابن الجراح ، فقال : يا رسول الله ، هل أحد خير منا . . ؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك . . ؟ قال : «نعم قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني » ورواه ابن مردويه بأطول من هذا وفي آخره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما يمنعكم من ذلك رسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي ، بل قوم بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه أعظم منكم أجرا مرتين » ( 14 ) .

ويقيمون الصلاة : يؤدونها تامة الأركان مستوفية الخشوع والخضوع مخلصين فيها لله .

قال ابن عباس : إقامة الصلاة : إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع ، وقال قتادة : إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها .

ومما رزقناهم ينفقون : أي يخرجون زكاة أموالهم ويتصدقون وينفقون المال في وجوه البر ، وقد شرع الإنفاق قبل أن تشرع الزكاة ، لأنه الأصل الشامل الذي تخصصه نصوص الزكاة ولا تستوعبه ، «واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات ، فإنه قال : وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم في أموالهم مؤدين ، زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته من أهل وعيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك لأن الله وصفهم ومدحهم بذلك وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح محمود عليه " ( 15 ) .

وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال ، فإن الصلاة حق الله وعبادته ، وهي طريق إلى الطهارة النفسية ، وإلى صدق الإيمان والتوكل على الله ؛ والإنفاق هو الإحسان إلى عباد الله وبذلك يتم للمؤمن قلب نقي موصل بالخالق ، وعمل نافع يفيد المخلوقين .