من كان في غطاء وصفه محجوباً عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلَّه على الحق ، وقول من أعانه على استجلاب الحظ ، بل هو إلى دواعي الغفلة أميل ، وفي الإصغاء إليها أرغب . كيف لا ؟ وهو بِكَيِّ الفرقة موسوم ، وفي سجن الغيبة محبوس ، وعن محل القربة ممنوع ، لا يحصل منهم إيمان ، لأنه ليس لهم من الحق أمان ؛ فلمَّا لم يؤمنوا لم يؤمِنوا . حكم سبق من الله حتم ، وقول له فصل ، وإن القدرة لا تُعارَض ، ومن زاحم الحق في القضية كبسته سطوات العزة ، وقَصَمتهْ بواده الحكم .
ويقال إن الكافر لا يرعوي عن ضلالتهِ لِمَا سَبَق من شقاوته ، وكذلك المربوط بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه ، فهو لا يبصر رشده ، ولا يسلك قصده . ويقال إن الذي بقي في ظلمات رعونته سواء عنده نصح المرشدين وتسويلات المُبْطِلين ، لأن الله سبحانه وتعالى نزع عن أحواله بركاتِ الإنصاف ، فلا يدرك بسمع القبول ، ولا يُصغي إلى داعي الرشاد ، كما قيل :
وعلى النصوح نصيحتي *** وعليَّ عصيان النصوح
ويقال من ضلَّ عن شهود المِنَّةِ عليه في سابق القسمة تَوَهَّمَ أن الأمر من حركاته وسَكَنَاته فاتَّكَلَ على أعماله ، وتعامى عن شهود أفضاله .
{ إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون( 6 ) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم( 7 ) }
اشتملت بداية سورة البقرة على أربع آيات في وصف المتقين وهاتان الآيتان في وصف الكافرين ، وسيأتي بعد ذلك وصف المنافقين ، تصف الآيتان موقف الكافرين في عهد البعثة المحمدية ، فقد رفضوا الإيمان وقاوموا الدعوة ؛ ووقفوا في وجهها وعذبوا أتباعها وصموا أذانهم وأغلقوا قلوبهم واستغشوا ثيابهم حتى لا يسمعوا القرآن ولا ينظرون في أدلته ولا يتفكروا في هدايته ، فلما رأى الله منهم شدة إعراضهم وقسوة قلوبهم وظلام نفوسهم طبع الله على قلوبهم فلم تتفتح وختم على سمعهم فلم تسمع الحق وجعل على أبصارهم غشاوة فلم تبصر أدلة الإيمان ، وقد تكرر مضمون الآيتين في مواضع عديدة من القرآن الكريم ، والقرآن يفسر بعضه بعضا .
وحاشا لله أن يظلم الكافر ، ولكن الآيات الأخرى أفادت أن الكافرين هم الذين خبثت سرائرهم وقست قلوبهم فسلب الله هدايته عنهم جزاء كفرهم وعنادهم ، قال تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } . ( المطففين : 4 ) .
{ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } . ( عن ابن عباس في قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى ، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له السعادة في الذكر الأول ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول ) ( 18 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.