حقيقة النعمة على لسان العلماء لذة خالصة عن الشوائب ، وما يوجب مثلها فهي أيضاً عندهم نعمة ، وعند أهل الحقيقة النعمة ما أشهدك المُنْعم أو ما ذكرَّك بالمنعم أو ما أوصلك إلى المنعم أو ما لم يحجبك عن المنعم .
وتنقسم إلى نعمة أَبشار وظواهر ، ونعمة أرواح وسرائر ، فالأولى وجوه الراحات والثانية صنوف المشاهدات والمكاشفات . فمن النعم الباطنة عرفان القلوب ومحاب الأرواح ومشاهدات السرائر .
فصل : ويقال أمَرَ بني إسرائيل بذكر النِّعَم وأمَرَ أَمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم بذكر المُنعِم ، وفرق بين من يقال له :{ اذْكُرْ نعمتي }[ المائدة : 110 ] وبين من يقال له :{ فاذكروني أَذْكُرْكُمْ } [ البقرة : 152 ] .
قوله جلّ ذكره : { وَأَوْفُوا بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ } .
عهدهُ - سبحانه - حفظ المعرفة وعهدنا اتصال المغفرة ، عهده حفظ محابه وعهدنا لطف ثوابه ، عهده حضور الباب وعهدنا جزيل المآب .
أوفوا بعهدي بحفظ السر أوفِ بعهدكم بجميل البِر ، أوفوا بعهدي الذي قبلتم يوم الميثاق أوفِ بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق ، أوفوا بعهدي في ألا تؤثروا عليّ غيري أوف بعهدكم في ألا أمنع عنكم لطفي وخيري ، أوفوا بعهدي برعاية ما أثبتُّ فيكم من الودائع أوفِ بعهدكم بما أُديم لكم من شوارق اللوامع وزواهر الطوالع ، أوفوا بعهدي بحفظ أسراري أوف بعهدكم بجميل مَبَارِّي ، أوفوا بعهدي باستدامة عرفاني أوفِ بعهدكم في إدامة إحساني ، أوفوا بعهدي في القيام بخدمتي أوفِ بعهدكم في المِنَّةِ عليكم بقبولها منكم ، أوفوا بعهدي في القيام بحسن المجاهدة والمعاملة أوفِ بعهدكم بدوام المواصلة والمشاهدة ، أوفوا بعهدي بالتبري عن الحوْل والمُنَّة أوف بعهدكم بالإكرام بالطول والمِنَّة ، أوفوا بعهدي بالتفضيل والتوكل أوفِ بعهدكم بالكفاية والتفضل ، أوفوا بعهدي بصدق المحبة أوفِ بعهدكم بكمال القربة ، أوفوا بعهدي اكتفوا مني بي أوفِ بعهدكم أرضي بكم عنكم ، أوفوا بعهدي في دار الغيبة على بساط الخدمة بشدِّ نطاق الطاعة ، وبذل الوسع والاستطاعة أوفِ بعهدكم في دار القربة على بساط الوصلة بإدامة الأُنْس والرؤية وسماع الخطاب وتمام الزلفة ، أوفوا بعهدي في المطالبات بترك الشهوات أوف بعهدكم بكفايتكم تلك المطالبات ، أوفوا بعهدي بأن تقولوا أبداً : ربي ربي أوفِ بعهدكم بأن أقول لكم عبدي عبدي . وإياي فارهبون ، أي أَفْرِدُوني بالخشية لانفرادي بالقدرة على الإيجاد فلا تصح الخشية ممن ليس له ذرة ولا مِنَّة .
{ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون( 40 ) وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون( 41 ) ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ( 42 ) وأقيموا الصلاة وأوتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين( 43 ) } .
إسرائيل : لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ومعناه صفى الله وقيل الأمير المجاهد وبنوه أولاده وهم اليهود .
عهد الله : هو أن يعبدوا الله وحده لاشريك له ، وأن يعملوا بشرائعه وأحكامه وأن يؤمنوا برسله .
عهدكم : ما عاهدتكم عليه من الثواب على الإيمان .
( يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام ومتابعة محمد عليه الصلاة والسلام ، ومهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي الله يعقوب عليه السلام ، وتقديره : يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق ، كما تقول يا بن الكريم افعل كذا ، يا بن الشجاع بارز الأبطال ، يا بن العالم أطلب العلم ) ( 105 ) .
اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم لقد أنعم الله على بني إسرائيل نعما متعددة ولكنهم قابلو هذه النعم بالجحود والكنود . قال ابن جرير : نعمه التي أنعم بها على بني إسرائيل هي :
اصطفاؤه منهم الرسل ، وإنزاله عليهم الكتب واستنقاذه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والفقر من فرعون وقومه إلى التمكين لهم في الأرض وتفجير عيون الماء من الحجر ، وإطعام المن والسلوى( 106 ) .
وقد أمر الله الذرية أن تتذكر هذه النعم ، وأن لا يقابلوها بالجحود حتى لا تنزل بهم نقمة الله وعقابه .
ومن ذلك قول موسى عليه السلام لهم : يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين . ( المائدة 20 ) .
أحدا من العالمين يعني في زمانهم ( 107 ) .
وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم . والعهد هنا عهد الفطرة المعقود بين الإنسان وبارئه أن يعبده وحده لا شريك له ، وهو العهد الذي يحتاج إلى البيان ولا يحتاج إلى برهان لأن فطرة الإنسان بذاتها تتجه غليه بأشواقها ولا يصدها عنه إلا الغواية والانحراف .
وقال ابن عباس : بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ( 108 ) ، أن تؤمنوا به وأن تنصروه( 109 ) لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ، وعهده تعالى إياهم هو أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة .
وقيل العهد هنا هو عهد الله لآدم : فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 38 ) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ( البقرة 38-39 ) .
وهذه العهود جميعها إن هي إلا عهد واحد في صميمها ، إنه العهد بين البارئ وعباده ، أن يصغوا قلوبهم إليه وأن يسلموا أنفسهم كلها له ، وهذا هو الذين الواحد ، وهذا هو الإسلام الذي جاءت به الرسل جميعا وسار موكب الإيمان يحمله شعارا له على مدار القرون ( 110 ) .
ووفاء بهذا العهد يدعو الله بني إسرائيل أن يخافوه وحده وأن يفردوه بالخشية .
وإياي فارهبون ( قال ابن عباس : أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره ) ( 111 ) .
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول والاتعاظ بالقرآن وزواجره وامتثال أوامره وتصديق أخباره ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ( 112 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.