لمَّا وافى مدينَ شعيب كان وقت الهاجرة ، وكانت لهم بئر يستقون منها ، فيصبون الماءَ في الحياضِ ، ويسقون أغنامهم ، وكانوا أهل ماشية .
وكان شعيبُ النبيُّ عليه السلام قد كُفَّ بَصَره لكثرة بكائه ؛ ففي القصة أنه بكى فذهب بَصَرَه ، ثم رَدَّ الله عليه بَصَرَه فبكى ، فردَّ الله بصرة فبكى حتى ذهب بَصَرَهُ ، فأوحى الله إليه : لِمَ تبكي يا شعيب . . ؟ إِنْ كان بكاؤك لخوف النار فقد أَمَّنْتُكَ ، وإن كان لأَجْلِ الجنة فقد أَتَحْتُها لك .
فقال : ربِّ . . إنما أبكي شوقاً إليك . فأوحى الله إليه لأجل ذلك أَخْدَمْتُكَ نَبِيِّي وكليمي عَشْرَ حجج .
وكانت لشعيب أغنامٌ ، ولم يكن لديه أجير ، فكانت بِنْتاه تسوقان الغنْمَ مكانَ الرعاة ، ولم يكن لهما قدرة على استقاء الماء من البئر ، وكان الرعاة يستقون ، فإذا انقضَوْا فإنْ بَقِيَتْ في الحوضِ بقيةٌ من الماء استقت بنات شعيب .
فلمَّا وافى موسى ذلك اليومَ وشاهَدَ ذلك ورآهما يمنعان غنمهما عن الماء رَقَّ قلبُه لهما وقال : ما خطبكما ؟ فقالتا : { لاَ نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } . وليس لدينا أجير .
{ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير( 23 ) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ( 24 ) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين( 25 ) قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين( 26 ) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين( 27 ) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل( 28 ) } .
تذودان : تدفعان وتمنعان غنمهما عن الماء ، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( فليذادن رجال عن حوضي ) أي : ليطردن ويمنعن
ما خطبكما : ما شأنكما ، قال رؤبة : " يا عجبا ما خطبه وخطبي " .
يصدر : من أصدر بمعنى أرجع ، أي : حتى يرجعوا مواشيهم .
الرعاء : جمع راع ، مثل : صاحب وصحاب ، وهو الذي يرعى الغنم .
23-{ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } .
يسر الله الأسباب لموسى ، ووصل إلى أرض مدين ، مجهدا متعبا من سفر طويل ، جائعا محتاجا إلى المعونة والرعاية ، لكنه وجد على الماء جموعا كثيرة من الناس ، منهم من يروي إبله ، ومنهم من يروي غنمه ، والناس مشغولة بسقي الماشية ، في زحام يحتاج إلى قوة ومنافسة ، ووجد دون ذلك الزحام ، أو أسفل منه ، امرأتين تمنعان الغنم من الاختلاط بأغنام القوم ، وتحبسان الغنم عن ورود الماء ، فرقّ موسى لهما ، رغم إجهاده وتعبه ، وسألهما : ما شأنكما ، ولماذا تمنعان الغنم من السقيا ؟ فأجابتا : إنما يزاحم على السقيا الرجال الأشداء ، أما نحن فنساء متحفظات .
{ لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير }
من عادتنا أن نصبر حتى يسقي الرعاة أغنامهم وينتهي الزحام ، فليس من عادتنا مزاحمة الرجال ، بل نمتنع عن السقي إلى أن يفرغ الماء لنا ، فنسقي ، وأبونا شيخ كبير ، ضعيف عن سقي الغنم ، ولذلك اضطررنا أن نسقي الغنم بأنفسنا .
قال أبو حيان في البحر المحيط : فيه اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما ، وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره ، واستعطاف لموسى في إعانتهما .
المشهور عند كثير من العلماء أنه شعيب عليه السلام ، الذي أرسل إلى أهل مدين .
وقال آخرون : بل كان ابن أخي شعيب ، وقيل : رجل مؤمن من قوم شعيب .
قال الآلوسي : والأخبار مختلفة ، ولم يتميز عندنا ما هو الأرجح فيها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.