في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (109)

( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى . أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ، أفلا تعقلون ؟ )

إن النظر في آثار الغابرين يهز القلوب . حتى قلوب المتجبرين . ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم ؛ وتصورهم أحياء يروحون في هذه الأمكنة ويجيئون ، يخافون ويرجون ، يطمعون ويتطلعون . . ثم إذا هم ساكنون ، لا حس ولا حركة . آثارهم خاوية ، طواهم الفناء وانطوت معهم مشاعرهم وعوالمهم وأفكارهم وحركاتهم وسكناتهم ، ودنياهم الماثلة للعيان والمستكنة في الضمائر والمشاعر . . إن هذه التأملات لتهز القلب البشري هزا مهما يكن جاسيا غافلا قاسيا . ومن ثم يأخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين :

( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى ) . .

لم يكونوا ملائكة ولا خلقا آخر . إنما كانوا بشرا مثلك من أهل الحاضرة ، لا من أهل البادية ، ليكونوا أرق حاشية وألين جانبا . . وأصبر على احتمال تكاليف الدعوة والهداية ، فرسالتك ماضية على سنة الله في إرسال رجال من البشر نوحي إليهم . .

( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ؟ ) . .

فيدركوا أن مصيرهم كمصيرهم ؛ وأن سنة الله الواضحة الآثار في آثار الغابرين ستنالهم ، وأن عاقبتهم في هذه الأرض إلى ذهاب :

ولدار الآخرة خير للذين اتقوا .

خير من هذه الدار التي ليس فيها قرار .

( أفلا تعقلون ؟ ) . .

فتتدبروا سنن الله في الغابرين ؟ أفلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير ؟

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (109)

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } رد لقولهم : { لَوْ شَاء رَبُّنَا لاَنزَلَ ملائكة } [ فصلت : 14 ] نفي له ، وقيل : المراد نفي استنباء النساء ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وزعم بعضهم أن الآية نزلت( {[444]} ) في سجاح بنت المنذر المنبئة التي يقول فيها الشاعر :

أمست نبيتنا أنثى نطوف بها *** ولم تزل أنبياء الله ذكرانا

فلعنة الله والاقوام كلهم *** على سجاح ومن بالافك أغرانا

أعني مسيلمة الكذاب لاسقيت *** اصداؤه ماء مزن أينما كانا

وهو مما لا صحة له لأن ادعاءها النبوة كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكونه اخباراً بالغيب لا قرينة عليه { نُّوحِى إِلَيْهِمْ } كما أوحينا إليك . وقرأ أكثر السبعة { يُوحَى } بالياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول ، وقراءة النون وهي قراءة حفص . وطلحة . وأبي عبد الرحمن موافقة لأرسلنا { مّنْ أَهْلِ القرى } لأن أهلها كما قال ابن زيد . وغيره : وهو مما لا شبهة فيه أعلم وأحلم من أهل البادية ولذا يقال : لأهل البادية أهل الجفاء ، وذكروا ان التبدي مكروه إلا في الفتن ، وفي الحديث «من بدا جفا » قال قتادة : ما نعلم أن الله تعالى أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى ، ونقل عن الحسن أنه قال : لم يبعث رسول من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن ، وقوله تعالى : { وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو } [ يوسف : 100 ] قد مر الكلام فيه آنفاً .

{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْفي الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } من المكذبين بالرسل والآيات من قوم نوح ، وقوم لوط . وقوم صالح وسائر من عذبه الله تعالى فيحذروا تكذيبك وروى هذا عن الحسن ، وجوز أن يكون المراد عاقبة الذين من قبلهم من المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا ويكفوا عن حبها وكأنه لاحظ المجوز ما سيذكر ، والاستفهام على ما في البحر للتقريع والتوبيخ { وَلَدَارُ الاخرة } من إضافة الصفة إلى الموصوف عند الكوفية أي ولا الدارالآخرةوقدر البصرى موصوفاً أي ولدار الحال أو الساعة أو الحياةالآخرةوهو المختار عند الكثير في مثل ذلك { خَيْرٌ لّلَّذِينَ اتقوا } الشرك والمعاصي : { أفَلا تَعْقِلُونَ } فتستعملوا عقولكم لتعرفوا خيرية دارالآخرةفتتوسلوا إليها بالاتقاء ، قيل : إن هذا من مقول { قُلْ } [ يوسف : 108 ] أي قل لهم مخاطباً أفلا تعقلون فالخطاب على ظاهره ، وقوله سبحانه : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ } إلى { مِن قَبْلِهِمُ } أو { اتقوا } اعتراض بين مقول القول ، واستظهر بعضهم كون هذا التفاتاً . وقرأ جماعة { يَعْقِلُونَ } بالياء رعيا لقوله سبحانه : { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ } .


[444]:- وهي تميمة ادعت النبوة ثم أسلمت وحسن إسلامها وقصتها معروفة في التواريخ اهـ.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (109)

قوله تعالى : { وما أرسلنا من قبلك } ، يا محمد ، { إلا رجالاً } لا ملائكة ، { نوحي إليهم } ، قرأ أبو جعفر وحفص : { نوحي } بالنون وكسر الحاء ، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء .

قوله تعالى : { من أهل القرى } يعني : من أهل الأمصار دون البوادي ، لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم . وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا من بدو ، ولا من الجن ، ولا من النساء . وقيل : إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفائهم . قوله تعالى : { أفلم يسيروا في الأرض } ، يعني : هؤلاء المشركين المكذبين { فينظروا كيف كان عاقبة } آخر أمر ، { الذين من قبلهم } ، يعني : الأمم المكذبة فيعتبروا .

قوله تعالى : { ولدار الآخرة خير للذين اتقوا } ، يقول جل ذكره : هذا بأهل ولايتنا وطاعتنا ، أن ننجيهم عند نزول العذاب ، وما في الدار الآخرة خير لهم ، فترك ما ذكرنا اكتفاء ، لدلالة الكلام عليه .

قوله تعالى : { ولدار الآخرة } ، قيل : معناه ولدار الحال والآخرة . وقيل : هو إضافة الشيء إلى نفسه ، كقوله : { إن هذا لهو حق اليقين } [ الواقعة-959 ] وكقولهم : يوم الخميس ، وربيع الآخر . { أفلا تعقلون } ، فتؤمنون .