في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (114)

114

( لا خير في كثير من نجواهم . إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس . ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله ، فسوف نؤتيه أجرا عظيمًا ) . .

لقد تكرر في القرآن النهي عن النجوى ؛ وهي أن تجتمع طائفة بعيدا عن الجماعة المسلمة وعن القيادة المسلمة ، لتبيت أمرا . . وكان اتجاه التربية الإسلامية واتجاه التنظيم الإسلامي كذلك أن يأتي كل إنسان بمشكلته أو بموضوعه ، فيعرضه على النبى [ ص ] مسارة إن كان أمرا شخصيا لا يريد أن يشيع عنه شيء في الناس . أو مساءلة علنية إن كان من الموضوعات ذات الصبغة العامة ، التي ليست من خصوصيات هذا الشخص .

والحكمة في هذه الخطة ، هو ألا تتكون " جيوب " في الجماعة المسلمة ؛ وألا تنعزل مجموعات منها بتصوراتها ومشكلاتها ، أو بأفكارها واتجاهاتها . وألا تبيت مجموعة من الجماعة المسلمة أمرا بليل ، وتواجه به الجماعة أمرا مقررا من قبل ؛ أو تخفيه عن الجماعة وتستخفي به عن أعينها - وإن كانت لا تختفي به عن الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول .

وهذا الموضع أحد المواضع التي ورد فيها هذا النهي عن التناجي والتبييت بمعزل عن الجماعة المسلمة وقيادتها . .

ولقد كان المسجد هو ندوة الجماعة المسلمة ، تتلاقى فيه وتتجمع للصلاة ولشؤون الحياة . وكان المجتمع المسلم كله مجتمعا مفتوحا ؛ تعرض مشكلاته - التي ليست بأسرار للقيادة في المعارك وغيره ؛ والتي ليست بمسائل شخصية بحتة لا يحب أصحابها أن تلوكها الألسن - عرضا عاما . وكان هذا المجتمع المفتوح من ثم مجتمعا نظيفا طلق الهواء . لا يتجنبه ليبيت من وراء ظهره ، إلا الذين يتأمرون عليه ! أو على مبدأ من مبادئه - من المنافقين غالبا - وكذلك اقترنت النجوى بالمنافقين في معظم المواضع .

وهذه حقيقة تنفعنا . فالمجتمع المسلم يجب أن يكون بريئا من هذه الظاهرة ، وأن يرجع أفراده إليه وإلى قيادتهم العامة بما يخطر لهم من الخواطر ، أو بما يعرض لهم من خطط واتجاهات أو مشكلات !

والنص القرآني هنا يستثني نوعا من النجوى . . هو في الحقيقة ليس منها ، وإن كان له شكلها :

( إلا من أمر بصدقة أو معروف ، أو إصلاح بين الناس ) . .

وذلك أن يجتمع الرجل الخير بالرجل الخير ، فيقول له : هلم نتصدق على فلان فقد علمت حاجته في خفية عن الأعين . أو هلم إلى معروف معين نفعله أو نحض عليه . أو هلم نصلح بين فلان وفلان فقد علمت أن بينهما نزاعا . . وقد تتكون العصبة من الخيرين لأداء أمر من هذه الأمور ، وتتفق فيما بينها سرا على النهوض بهذا الأمر . فهذا ليس نجوى ولا تآمرا . ومن ثم سماه " أمرًا " وإن كان له شكل النجوى ، في مسارة الرجل الخير للخيرين أمثاله بأمر في معروف يعلمه أو خطر له . .

على شرط أن يكون الباعث هو ابتغاء مرضاة الله :

( ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) . .

فلا يكون لهوى في الصدقة على فلان ، أو الإصلاح بين فلان وعلان . ولا يكون ليشتهر الرجل بأنه - والله رجل طيب - ! يحض على الصدقة والمعروف ، ويسعى في الإصلاح بين الناس ! ولا تكون هناك شائبة تعكر صفاء الاتجاه إلى الله ، بهذا الخير . فهذا هو مفرق الطريق بين العمل يعمله المرء فيرضى الله عنه ويثيبه به . والعمل نفسه يعمله المرء فيغضب الله عليه ، ويكتبه له في سجل السيئات !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا} (114)

{ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن } أي الذين يختانون ، واختار جمع أن الضمير للناس ، وإليه يشير كلام مجاهد ، و النجوى في الكلام كما قال الزجاج : ما يتفرد به الجماعة أو الاثنان ، وهل يشترط فيه أن يكون سراً أو لا ؟ قولان : وتكون بمعنى التناجي ، وتطلق على القوم المتناجين ك { إِذْ هُمْ * نجوى } [ الإسراء : 47 ] وهو إما من باب رجل عدل ، أو على أنه جمع نجي كما نقله الكرماني والظرف الأول خبر { لا } والثاني في موضع الصفة للنكرة أي : كائن من نجواهم .

{ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } أي إلا في نجوى من أمر { بِصَدَقَةٍ } فالكلام على حذف مضاف ، وبه يتصل الاستثناء ، وكذا إن أريد بالنجوى المتناجون على أحد الاعتبارين ، ولا يحتاج إلى ذلك التقدير حينئذ ، ويكفي في صحة الاتصال صحة الدخول وإن لم يجزم به فلا يرد ما توهمه عصام الدين من أن مثل جاءني كثير من الرجال إلا زيداً لا يصح فيه الاتصال لعدم الجزم بدخول زيد في الكثير ، ولا الانقطاع لعدم الجزم بخروجه ، ولا حاجة إلى ما تكلف في دفعه بأن المراد لا خير في كثير من نجوى واحد منهم إلا نجوى من أمر الخ ، فإنه في كثير من نجواه خير فإنه على ما فيه لا يتأتى مثله على احتمال الجمع ، وجوز رحمه الله تعالى ، بل زعم أنه الأولى أن يجعل { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ } متعلقاً بما أضيف إليه النجوى بالاستثناء أو البدل ، ولا يخفى أنه إن سلم أن له معنى خلاف الظاهر ، وجوز غير واحد أن يكون الاستثناء منقطعاً على معنى لكن من أمر بصدقة وإن قلّت ففي نجواه الخير .

{ أَوْ مَعْرُوفٍ } وهو كل ما عرفه الشرع واستحسنه ، فيشمل جميع أصناف البر كقرض وإغاثة ملهوف ، وإرشاد ضال إلى غير ذلك ، ويراد به هنا ما عدا الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله تعالى : { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } وتخصيصه بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع ، وتخصيص الصدقة فيما تقدم بالصدقة الواجبة مما لا داعي إليه وليس له سند يعول عليه ، وخص الصدقة والإصلاح بين الناس/ بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذاناً بالاعتناء بهما لما في الأول : من بذل المال الذي هو شقيق الروح وما في الثاني : من إزالة فساد ذات البين وهي الحالقة للدين كما في الخبر ، وقدم الصدقة على الإصلاح لما أن الأمر بها أشق لما فيه من تكليف بذل المحبوب ، والنفس تنفر عمن يكلفها ذلك ، ولا كذلك الأمر بالإصلاح ، وذكر الإمام الرازي أن السر في إفراد هذه الأقسام الثلاثة بالذكر «أن عمل الخير المتعدي إلى الناس ، إما لإيصال المنفعة أو لدفع المضرة ، والمنفعة إما جسمانية كإعطاء المال ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف ، وأما رفع الضرر فقد أشير إليه بقوله تعالى : { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } » ولا يخفى ما فيه ، والمراد من الإصلاح بين الناس التأليف بينهم بالمودة إذا تفاسدوا من غير أن يجاوز في ذلك حدود الشرع الشريف ، نعم أبيح الكذب لذلك ، فقد أخرج الشيخان وأبو داود عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً ، وقالت : لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث : في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها "

وعد غير واحد الإصلاح من الصدقة ، وأيد بما أخرجه البيهقي عن أبي أيوب " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله تعالى ورسوله موضعها ؟ قال : بلى قال : تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا " ، وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل الصدقة إصلاح ذات البين " وهذا الخبر ظاهر في أن الإصلاح أفضل من الصدقة بالمال . ومثله ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن أبي الدرداء قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا : بلى قال : إصلاح ذات البين " ولا يخفى أن هذا ونحوه مخرّج مخرج الترغيب ، وليس المراد ظاهره إذ لا شك أن الصيام المفروض والصلاة المفروضة والصدقة كذلك أفضل من الإصلاح اللهم إلا أن يكون إصلاح يترتب على عدمه شر عظيم وفساد بين الناس كبير .

{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أي المذكور من الصدقة وأخويها ، والكلام تذييل للاستثناء ، وكان الظاهر ومن يأمر بذلك ليكون مطابقاً للمذيل إلا أنه رتب الوعد على الفعل إثر بيان خيرية الآمر لما أن المقصود الترغيب في الفعل وبيان خيرية الآمر به للدلالة على خيريته بالطريق الأولى ، وجوز أن يكون عبر عن الأمر بالفعل إذ هو يكنى به عن جميع الأشياء كما إذا قيل : حلفت على زيد وأكرمته وكذا وكذا فتقول : نعم ما فعلت ، ولعل نكتة العدول عن يأمر إلى { يَفْعَلُ } حينئذ الإشارة إلى أن التسبب لفعل الغير الصدقة والإصلاح والمعروف بأي وجه كان كاف في ترتب الثواب ، ولا يتوقف ذلك على اللفظ ، ويجوز جعل ذلك إشارة إلى الأمر فيكون معنى من أمر { وَمَن يَفْعَلْ } الأمر واحداً ، وقيل : لا حاجة إلى جعله تذييلاً ليحتاج إلى التأويل تحصيلاً للمطابقة ، بل لما ذكر الآمر استطراد ذكر ممتثل أمره كأنه قيل : ومن يمتثل .

{ ابتغاء مرضات الله } أي لأجل طلب رضاء الله تعالى { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } بنون العظمة على الالتفات ، وقرأ أبو عمرو وحمزة وقتيبة عن الكسائي وسهل وخلف بالياء { أَجْراً عَظِيماً } لا يحيط به نطاق الوصف ، قيل : وإنما قيد الفعل بالابتغاء المذكور لأن الأعمال بالنيات ، وإن من فعل خيراً لغير ذلك لم يستحق به غير الحرمان ، ولا يخفى أن هذا ظاهر في أن الرياء محبط لثواب الأعمال بالكلية وهو ما صرح به ابن عبد السلام والنووي ، وقال الغزالي : إذا غلب الإخلاص فهو مثاب وإلا فلا ، وقيل : هو مثاب غلب الإخلاص أم لا لكن على قدر الإخلاص ، وفي دلالة الآية على أن غير المخلص لا يستحق غير الحرمان نظر لأنه سبحانه أثبت فيها للمخلص أجراً عظيماً وهو لا ينافي أن يكون لغيره ما دونه ، وكون العظمة بالنسبة إلى أمور الدنيا خلاف الظاهر .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } وهو ما كان من جنس الفضول ، والأمر الذي لا يعني { إِلا } نجوى { مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } وأرشد إلى فضيلة السخاء الناشىء من العفة ، { أَوْ مَعْرُوفٍ } قولي كتعلم علم ، أو فعلي كإغاثة ملهوف { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } الذي هو من باب العدل { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } ويجمع بين تلك الكمالات { ابتغاء مَرْضَاتَ الله } لا للرياء والسمعة من كل ما يعود به الفضيلة رذيلة فسوف يؤتيه الله تعالى

{ أَجْراً عَظِيماً } [ النساء : 114 ] ويدخله جنات الصفات