في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (3)

1

ثم يأخذ السياق في بيان صفة المتقين ؛ وهي صفة السابقين من المؤمنين في المدينة كما أنها صفة الخلص من مؤمني هذه الأمة في كل حين :

( الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، وبالآخرة هم يوقنون ) . .

إن السمة الأولى للمتقين هي الوحدة الشعورية الإيجابية الفعالة . الوحدة التي تجمع في نفوسهم بين الإيمان بالغيب ، والقيام بالفرائض ، والإيمان بالرسل كافة ، واليقين بعد ذلك بالآخرة . . هذا التكامل الذي تمتاز به العقيدة الإسلامية ، وتمتاز به النفس المؤمنة بهذه العقيدة ، والجدير بأن تكون عليه العقيدة الأخيرة التي جاءت ليلتقي عليها الناس جميعا ، ولتهيمن على البشرية جميعا ، وليعيش الناس في ظلالها بمشاعرهم وبمنهج حياتهم حياة متكاملة ، شاملة للشعور والعمل ، والإيمان والنظام .

فإذا نحن أخذنا في تفصيل هذه السمة الأولى للمتقين إلى مفرداتها التي تتألف منها ، انكشفت لنا هذه المفردات عن قيم أساسية في حياة البشرية جميعا . .

( الذين يؤمنون بالغيب ) . . فلا تقوم حواجز الحس دون الاتصال بين أرواحهم والقوة الكبرى التي صدرت عنها ، وصدر عنها هذا الوجود ؛ ولا تقوم حواجز الحس بين أرواحهم وسائر ما وراء الحس من حقائق وقوى وطاقات وخلائق وموجودات .

والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان ، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه ، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي ، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود ، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير . كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض ؛ فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته ؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه ، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود ، وأن وراء الكون ظاهره وخافيه ، حقيقة أكبر من الكون ، هي التي صدر عنها ، واستمد من وجودها وجوده . . حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ولا تحيط بها العقول .

وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق والانشغال بما لم تخلق له ، وما لم توهب القدرة للإحاطة به ، وما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه . إن الطاقة الفكرية التي وهبها الإنسان ، وهبها ليقوم بالخلافة في هذه الأرض ، فهي موكلة بهذه الحياة الواقعة القريبة ، تنظر فيها ، وتتعمقها وتتقصاها ، وتعمل وتنتج ، وتنمي هذه الحياة وتجملها ، على أن يكون لها سند من تلك الطاقة الروحية التي تتصل مباشرة بالوجود كله وخالق الوجود ، وعلى أن تدع للمجهول حصته في الغيب الذي لا تحيط به العقول . فأما محاولة إدراك ما وراء الواقع بالعقل المحدود الطاقة بحدود هذه الأرض والحياة عليها ، دون سند من الروح الملهم والبصيرة المفتوحة ، وترك حصة للغيب لا ترتادها العقول . . فأما هذه المحاولة فهي محاولة فاشلة أولا ، ومحاولة عابثة أخيرا . فاشلة لأنها تستخدم أداة لم تخلق لرصد هذا المجال . وعابثة لأنها تبدد طاقة العقل التي لم تخلق لمثل هذا المجال . . ومتى سلم العقل البشري بالبديهية العقلية الأولى ، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق ، لزمه - احتراما لمنطقه ذاته - أن يسلم بأن إدراكه للمطلق مستحيل ؛ وإن عدم إدراكه للمجهول لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون ؛ وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل ؛ وأن يتلقى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن ، والغيب والشهادة . . وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون ، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين .

لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة . ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان ، كجماعة الماديين في كل زمان ، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقري . . إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ! ويسمون هذا " تقدمية " وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها ، فجعل صفتهم المميزة ، صفة : ( الذين يؤمنون بالغيب ) والحمد لله على نعمائه ، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين !

( ويقيمون الصلاة ) . . فيتجهون بالعبادة لله وحده ، ويرتفعون بهذا عن عبادة العباد ، وعبادة الأشياء . يتجهون إلى القوة المطلقة بغير حدود ويحنون جباههم لله لا للعبيد ؛ والقلب الذي يسجد لله حقا ، ويتصل به على مدار الليل والنهار ، يستشعر أنه موصول السبب بواجب الوجود ، ويجد لحياته غاية أعلى من أن تستغرق في الأرض وحاجات الأرض ، ويحس أنه أقوى من المخاليق لأنه موصول بخالق المخاليق . . وهذا كله مصدر قوة للضمير ، كما أنه مصدر تحرج وتقوى ، وعامل هام من عوامل تربية الشخصية ، وجعلها ربانية التصور ، ربانية الشعور ، ربانية السلوك .

( ومما رزقناهم ينفقون ) . . فهم يعترفون ابتداء بأن المال الذي في أيديهم هو من رزق الله لهم ، لا من خلق أنفسهم ؛ ومن هذا الاعتراف بنعمة الرزق ينبثق البر بضعاف الخلق ، والتضامن بين عيال الخالق ، والشعور بالآصرة الإنسانية ، وبالأخوة البشرية . . وقيمة هذا كله تتجلى في تطهير النفس من الشح ، وتزكيتها بالبر . وقيمتها أنها ترد الحياة مجال تعاون لا معترك تطاحن ، وأنها تؤمن العاجز والضعيف والقاصر ، وتشعرهم أنهم يعيشون بين قلوب ووجوه ونفوس ، لا بين أظفار ومخالب ونيوب !

والإنفاق يشمل الزكاة والصدقة ، وسائر ما ينفق في وجوه البر . وقد شرع الإنفاق قبل أن تشرع الزكاة ، لأنه الأصل الشامل الذي تخصصه نصوص الزكاة ولا تستوعبه . وقد ورد في حديث رسول الله [ ص ] بإسناده لفاطمة بنت قيس " إن في المال حقا سوى الزكاة " . . وتقرير المبدأ على شموله هو المقصود في هذا النص السابق على فريضة الزكاة

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ} (3)

قوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( الذين اسم موصول في محل حجر نعت ( للمتقين ( التي قبلها ، وقيل : في محل نصب على المفعولية لفعل محذوف تقديره أمدح .

وقوله : ( يؤمنون ( من الإيمان ومعناه في اللغة : التصديق ، والإيمان في الشرع : كلمة جامعة للإقرار بالله وملائكته ، وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتصديق هذا الإقرار بالفعل ، وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل ، قال ابن كثير في هذا الصدد : الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا .

وهو قول أكثر العلماء ، وعلى هذا فإن الإيمان إقرار بأركان العقيدة المعروفة واقتران ذلك بالعمل الصحيح المشروع ، فلا اعتبار للإقرار أو التصديق المجرد والذي لا يشفعه عمل .

ومن ركائز الإيمان للمؤمنين تصديقهم عن يقين بالغيب المستور مما هو خلف الطبيعة ووراء الشهادة والحس في ظواهر لا يقف عليها الإنسان في تركيبته البشرية ، وهي تركيبة يطلبها واقع الحياة في دنيا محدودة ، لا تقوى على إدراك ما وراء الطبيعة المشهودة من عوالم الغيبات كالملائكة والكتب المنزلة والرسل واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والنشور والحساب ، وكذلك الله تعالت أسماؤه إنما يؤمن به المؤمنون بالغيب لأن الله ( ليس كمثله شيء( وهو سبحانه ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ( فإنه سبحانه لا يدركه المرء من باب الحس المشهود كالبصر أو السمع أو غير ذلك من أسباب حسية ثقيلة .

وثمة معنى آخر مثير يتفجر من خلال النص القرآني الكريم وهو يصف المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ، فإن في ذلك ما يشير بوضوح مكشوف إلى تكريم المتقين ، لأنهم يؤمنون بالغيب والإيمان بالغيب ضرب من الرقي المكرم الذي يرتقي من خلاله المؤمن ليكون في صف الأبرار والأطهار من البشر ، ولا غرو فإن الإيمان بالغيب يرتفع بالمؤمن ليكون في عداد الغلاة الذين يتسامون على التصور المادي الممحص ، التصور المادي المتبلد الثقيل الذي يودي بالإنسان إلى حمأة الهبوط المنحدر والارتكاس المتدهور .

وقوله : ( ويقيمون الصلاة ( إقامة الصلاة ترد بإطلاق لتشمل ما فيها من ركوع وسجود وقراءة وخشوع وقيام وقعود ، وما يشترط لها من طهارة وستر للعورة واستقبال للقبلة وغير ذلك من وجوه إتمام الصلاة ، وللمحافظة عليها وأدائها على أتم نحو وأوفى صورة .

والصلاة في اللغة تأتي على عدة معان منها : الدعاء والرحمة والعبادة والنافلة والتسبيح ثم القراءة ، وقيل غير ذلك مما يتناول مفهوم الصلاة في لغة العرب ، ولا جرم أن تكون مثل هذه المعاني جميعها وثيقة الصلة بالمفهوم الشرعي لكلمة الصلاة والصلاة في مفهومها الشرعي تتضمن جملة حركات وأقوال وقراءات يؤديها المصلي على سبيل التعبد والطاعة لله ، أما تفصيل الصلاة في بيان موضح مستفيض فليس هنا موضع ذلك بل موضعه مظانه في كتب الفقه بما يعرض لفريضة الصلاة بالشرح المبسط التفصيلي .

وقوله : ( ومما رزقناهم ينفقون( الرزق : معناه العطاء ، وهو يشمل كل وجوه الخير من المال والطعام والكساء وغير ذلك ، أما قوله ( ينفقون( فهو من الفعل نفق ومعناه : نفد وفني ، ويأتي بمعنى خرج ، فالإنفاق الواقع على المال يعني إخراجه من اليد ، وبذلك فإن النفقة أو الإنفاق هو إخراج المال من اليد على وجوهه المختلفة أو إفناؤه في سبيل الخير .

واختلف العلماء في المقصود بالنفقة هنا ، فقد قيل : يقصد بها الزكاة المقروضة ، وقيل : بل هي صدقة التطوع غير المقروضة ، وفي قول آخر بأن المقصود ما أنفقه المرء على أهله وعياله أو من وجبت نفقتهم عليه ، والقول الذي نرجحه ونطمئن إليه ، أن النفقة عامة تتناول كل وجوه الإنفاق من فريضة وتطوع ، وما كان لأهل أو عيال أو غيرهم . {[18]}


[18]:فتح القدير للشوكاني جـ 1 ص 32-35 وتفسير القرطبي جـ 1 ص 157-170 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 39-41 والبيان للأنباري جـ 1 ص 43 والكشاف للزمخشري جـ 1 ص 123.