سورة البقرة مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان
هذه السورة من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة . وهي أطول سور القرآن على الإطلاق . والمرجح أن آياتها لم تنزل متوالية كلها حتى اكتملت قبل نزول آيات من سور أخرى ؛ فمراجعة أسباب نزول بعض آياتها وبعض الآيات من السور المدنية الأخرى - وإن تكن هذه الأسباب ليست قطعية الثبوت - تفيد أن السور المدنية الطوال لم تنزل آياتها كلها متوالية ؛ إنما كان يحدث أن تنزل آيات من سورة لاحقة قبل استكمال سورة سابقة نزلت مقدماتها ؛ وأن المعول عليه في ترتيب السور من حيث النزول هو سبق نزول أوائلها - لا جميعها - وفي هذه السورة آيات في أواخر ما نزل من القرآن كأيات الربا ، في حين أن الراجح أن مقدماتها كانت من أول ما نزل من القرآن في المدينة .
فأما تجميع آيات كل سورة في السورة ، وترتيت هذه الآيات ، فهو توقيفي موحى به . . روى الترمذي - بإسناده - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين ، وقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتموها في السبع الطوال ؟ وما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان : كان رسول الله [ ص ] كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد ؛ فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب ، فيقول : " ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا " . وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن ؛ وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، وخشيت أنها منها ؛ وقبض رسول الله [ ص ] ولم يبين لنا أنها منها . فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب بينهما سطر : بسم الله الرحمن الرحيم ، ووضعتها في السبع الطوال .
فهذه الرواية تبين أن ترتيب الآيات في كل سورة كان بتوقيف من رسول الله [ ص ] وقد روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي [ ص ] أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل . وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي [ ص ] القرآن ، وفي رواية فيدارسه القرآن ، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة . ومن الثابت أن رسول الله [ ص ] وقد قرأ القرآن كله على جبريل - عليه السلام - كما أن جبريل قد قرأه عليه . . ومعنى هذا أنهما قرآه مرتبة آياته في سوره .
ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة ! شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس ! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص . ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها ؛ ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة ، تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو . ولها إيقاع موسيقي خاص - إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة . . وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا . ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة .
هذه السورة تضم عدة موضوعات . ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا . . فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة ، واستقبالهم لها ، ومواجهتهم لرسولها [ ص ] وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها . . . وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة ، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى . . وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها ؛ وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض ، بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها ، ونقضهم لعهد الله بخصوصها ، وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم - عليه السلام - صاحب الحنيفية الأولى ، وتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم . . وكل موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيه الرئيسيين ، كما سيجيء في استعراضها التفصيلي .
ولكي يتضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة ، وبين خط سير الدعوة أول العهد بالمدينة ، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى . . يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لمواجهتها ابتداء . مع التنبيه الدائم إلى أن هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يواجهونها - مع اختلاف يسير - على مر العصور وكر الدهور ؛ من أعدائها وأوليائها على السواء . مما يجعل هذه التوجيهات القرآنية هي دستور هذه الدعوة الخالد ؛ ويبث في هذه النصوص حياة تتجدد لمواجهة كل عصر وكل طور ؛ ويرفعها معالم للطريق أمام الأمة المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاق ، بين العداوات المتعددة المظاهر المتوحدة الطبيعة . . وهذا هو الإعجاز يتبدى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميزة في كل نص قرآني .
لقد تمت هجرة الرسول [ ص ] إلى المدينة بعد تمهيد ثابت وإعداد محكم . تمت تحت تأثير ظروف حتمت هذه الهجرة ؛ وجعلتها إجراء ضروريا لسير هذه الدعوة في الخط المرسوم الذي قدره الله لها بتدبيره . . كان موقف قريش العنيد من الدعوة في مكة - وبخاصة بعد وفاة خديجة - رضي الله عنها - وموت أبي طالب كافل النبي وحاميه . . كان هذا الموقف قد انتهى إلى تجميد الدعوة تقريبا في مكة وما حولها . ومع استمرار دخول أفراد في الإسلام على الرغم من جميع الاضطهادات والتدبيرات فإن الدعوة كانت تعتبر قد تجمدت فعلا في مكة وما حولها ، بموقف قريش منها ، وتحالفهم على حربها بشتى الوسائل ، مما جعل بقية العرب تقف موقف التحرز والانتظار ، في ارتقاب نتيجة المعركة بين الرسول وعشيرته الأقربين ، وعلى رأسهم أبو لهب وعمرو بن هشام وأبو سفيان بن حرب وغيرهم ممن يمتون بصلة القرابة القوية لصاحب الدعوة . وما كان هناك ما يشجع العرب في بيئة قبلية لعلاقات القرابة عندها وزن كبير ، على الدخول في عقيدة رجل تقف منه عشيرته هذا الموقف . وبخاصة أن عشيرته هذه هي التي تقوم بسدانة الكعبة ، وهي التي تمثل الناحية الدينية في الجزيرة !
ومن ثم كان بحث الرسول [ ص ] عن قاعدة أخرى غير مكة ، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية ، ويتاح لها فيها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة . حيث تظفر بحرية الدعوة وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة . . وهذا في تقديري كان هو السبب الأول والأهم للهجرة .
ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب ، لتكون قاعدة للدعوة الجديدة ، عدة اتجاهات . . سبقها الاتجاه إلى الحبشة ، حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل . والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية . فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين . غير أن الأمر كان على الضد من هذا ، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا . إنما هاجر رجال ذوو عصبيات ، لهم من عصبيتهم - في بيئة قبلية - ما يعصمهم من الأذى ، ويحميهم من الفتنة ؛ وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين ، منهم جعفر بن أبي طالب - وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي [ ص ] ومنهم الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن ابن عوف ، وأبو سلمة المخزومي ، وعثمان بن عفان الأموي . . . . وغيرهم . وهاجرت نساء كذلك من أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا . . وربما كان وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة في قريش ؛ وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم ، فرارا من الجاهلية ، تاركين وراءهم كل وشائج القربى ، في بيئة قبلية تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا ؛ وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة ، بنت أبي سفيان ، زعيم الجاهلية ، وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها . . ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة ، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة . وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة . ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه ، كما ورد في روايات صحيحة .
كذلك يبدو اتجاه الرسول [ ص ] إلى الطائف محاولة أخرى لإيجاد قاعدة حرة أو آمنة على الأقل للدعوة . . وهي محاولة لم تكلل بالنجاح لأن كبراء ثقيف استقبلوا رسول الله [ ص ] أسوأ استقبال ، وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم يرجمونه بالحجارة ، حتى أدموا قدميه الشريفتين ، ولم يتركوه حتى آوى إلى حائط [ أي حديقة ] لعتبة وشيبة إبني ربيعة . . وهناك انطلق لسانه بذلك الدعاء الخالص العميق : " اللهم أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس . يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي . إلى من تكلني ؟ إلى عدو ملكته أمري ! أم بعيد يتجهمني ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي . ولكن عافيتك أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تنزل بي غضبك ، أو تحل علي سخطك . لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .
بعد ذلك فتح الله على الرسول [ ص ] وعلى الدعوة من حيث لا يحتسب ، فكانت بيعة العقبة الأولى ، ثم بيعة العقبة الثانية . وهما ذواتا صلة قوية بالموضوع الذي نعالجه في مقدمة هذه السورة ، وبالملابسات التي وجدت حول الدعوة في المدينة .
وقصة ذلك في اختصار : أن النبي [ ص ] التقى قبل الهجرة إلى يثرب بسنتين بجماعة من الخزرج في موسم الحج ، حيث كان يعرض نفسه ودعوته على الوافدين للحج ؛ ويطلب حاميا يحميه حتى يبلغ دعوة ربه . وكان سكان يثرب من العرب - الأوس والخزرج - يسمعون من اليهود المقيمين معهم ، أن هنالك نبيا قد أطل زمانه ؛ وكانت يهود تستفتح به على العرب ، أي تطلب أن يفتح لهم على يديه ، وأن يكون معهم على كل من عداهم . فلما سمع وفد الخزرج دعوة النبي [ ص ] قال بعضهم لبعض : تعلمن والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود ، فلا تسبقنكم إليه . . وأجابوه لما دعاهم . وقالوا له : إننا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم . فعسى الله أن يجمعهم بك . . ولما عادوا إلى قومهم ، وعرضوا الأمر عليهم ، ارتاحوا له ، ووافقوا عليه .
فلما كان العام التالي وافى الموسم جماعة من الأوس والخزرج ، فالتقوا بالنبي [ ص ] وبايعوه على الإسلام . وقد أرسل معهم من يعلمهم أمر دينهم .
وفي الموسم التالي وفد عليه جماعة كبيرة من الأوس والخزرج كذلك ، فطلبوا أن يبايعوه ، وتمت البيعة بحضور العباس عم النبي [ ص ] على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم . وتسمى هذه البيعة الثانية بيعة العقبة الكبرى . . ومما وردت به الروايات في هذه البيعة ما قاله محمد بن كعب القرظي : قال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - لرسول الله [ ص ] يعني ليلة العقبة : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : " اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ؛ واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . قال : فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال : " الجنة " . قالوا : ربح البيع ولا نقيل ولا نستقبل !
وهكذا أخذوا الأمر بقوة . . ومن ثم فشا الإسلام في المدينة ، حتى لم يبق فيها بيت لم يدخله الإسلام . وأخذ المسلمون في مكة يهاجرون إلى المدينة تباعا ، تاركين وراءهم كل شيء ، ناجين بعقيدتهم وحدها ، حيث لقوا من إخوانهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم ، من الإيثار والإخاء ما لم تعرف له الإنسانية نظيرا قط . ثم هاجر رسول الله [ ص ] وصاحبه الصديق . هاجر إلى القاعدة الحرة القوية الآمنة التي بحث عنها من قبل طويلا . . وقامت الدولة الإسلامية في هذه القاعدة منذ اليوم الأول لهجرة الرسول [ ص ] .
من أولئك السابقين من المهاجرين والأنصار تكونت طبقة ممتازة من المسلمين نوه القرآن بها في مواضع كثيرة . وهنا نجد السورة تفتتح بتقرير مقومات الإيمان ، وهي تمثل صفة المؤمنين الصادقين إطلاقا . ولكنها أولا تصف ذلك الفريق من المسلمين الذي كان قائما بالمدينة حينذاك : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ، هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون . والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ، وبالآخرة هم يوقنون . أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون . . )
ثم نجد بعدها مباشرة في السياق وصفا للكفار ؛ وهو يمثل مقومات الكفر على الإطلاق . ولكنه أولا وصف مباشر للكفار الذين كانت الدعوة تواجههم حينذاك ، سواء في مكة أو فيما حول المدينة ذاتها من طوائف الكفار : ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة ، ولهم عذاب عظيم ) . .
كذلك كانت هناك طائفة المنافقين . ووجود هذه الطائفة نشأ مباشرة من الأوضاع التي أنشأتها الهجرة النبوية إلى المدينة في ظروفها التي تمت فيها ، والتي أشرنا إليها من قبل ؛ ولم يكن لها وجود بمكة . فالإسلام في مكة لم تكن له دولة ولم تكن له قوة ، بل لم تكن له عصبة يخشاها أهل مكة فينافقونها . على الضد من ذلك كان الإسلام مضطهدا ، وكانت الدعوة مطاردة ، وكان الذين يغامرون بالانضمام إلى الصف الإسلامي هم المخلصون في عقيدتهم ، الذين يؤثرونها على كل شيء ويحتملون في سبيلها كل شيء . فأما في يثرب التي أصبحت منذ اليوم تعرف باسم المدينة - أي مدينة الرسول - فقد أصبح الإسلام قوة يحسب حسابها كل أحد ؛ ويضطر لمصانعتها كثيرا أو قليلا - وبخاصة بعد غزوة بدر وانتصار المسلمين فيها انتصارا عظيما - وفي مقدمة من كان مضطرا لمصانعتها نفر من الكبراء ، دخل أهلهم وشيعتهم في الإسلام وأصبحوا هم ولا بد لهم لكي يحتفظوا بمقامهم الموروث بينهم وبمصالحهم كذلك أن يتظاهروا باعتناق الدين الذي اعتنقه أهلهم وأشياعهم . ومن هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول الذي كان قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه ملكا عليهم قبيل مقدم الإسلام على المدينة . .
وسنجد في أول السورة وصفا مطولا لهؤلاء المنافقين ، ندرك من بعض فقراته أن المعني بهم في الغالب هم أولئك الكبراء الذين أرغموا على التظاهر بالإسلام ، ولم ينسوا بعد ترفعهم على جماهير الناس ، وتسمية هذه الجماهير بالسفهاء على طريقة العلية المتكبرين ! : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا ، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ؛ ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون . وإذا قيل لهم : لا تفسدوا في الأرض قالوا : إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم : آمنوا كما آمن الناس قالوا : أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون . وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم إنما نحن مستهزؤون . الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون . أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم ، وما كانوا مهتدين . مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ، وتركهم في ظلمات لا يبصرون . صم بكم عمي فهم لا يرجعون . أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ، يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ، والله محيط بالكافرين . يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه ، وإذا أظلم عليهم قاموا ، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ، إن الله على كل شيء قدير . . )
وفي ثنايا هذه الحملة على المنافقين - الذين في قلوبهم مرض - نجد إشارة إلى( شياطينهم ) . والظاهر من سياق السورة ومن سياق الأحداث في السيرة أنها تعني اليهود ، الذين تضمنت السورة حملات شديدة عليهم فيما بعد . أما قصتهم مع الدعوة فنلخصها في هذه السطور القليلة :
لقد كان اليهود هم أول من اصطدم بالدعوة في المدينة ؛ وكان لهذا الاصطدام أسبابه الكثيرة . . كان لليهود في يثرب مركز ممتاز بسبب أنهم أهل كتاب بين الأميين من العرب - الأوس والخزرج - ومع أن مشركي العرب لم يظهروا ميلا لاعتناق ديانة أهل الكتاب هؤلاء ، إلا أنهم كانوا يعدونهم أعلم منهم وأحكم بسبب ما لديهم من كتاب . ثم كان هنالك ظرف موات لليهود فيما بين الأوس والخزرج من فرقة وخصام - وهي البيئة التي يجد اليهود دائما لهم فيها عملا ! - فلما أن جاء الإسلام سلبهم هذه المزايا جميعا . . فلقد جاء بكتاب مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه . ثم إنه أزال الفرقة التي كانوا ينفذون من خلالها للدس والكيد وجر المغانم ، ووحد الصف الإسلامي الذي ضم الأوس والخزرج ، وقد أصبحوا منذ اليوم يعرفون بالأنصار ، إلى المهاجرين ، وألف منهم جميعا ذلك المجتمع المسلم المتضام المتراص الذي لم تعهد له البشرية من قبل ولا من بعد نظيرا على الإطلاق .
ولقد كان اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار ، وأن فيهم الرسالة والكتاب . فكانوا يتطلعون أن يكون الرسول الأخير فيهم كما توقعوا دائما . فلما أن جاء من العرب ظلوا يتوقعون أن يعتبرهم خارج نطاق دعوته ، وأن يقصر الدعوة على الأميين من العرب ! فلما وجدوه يدعوهم - أول من يدعو - إلى كتاب الله ، بحكم أنهم أعرف به من المشركين ، وأجدر بالاستجابة له من المشركين . . أخذتهم العزة بالإثم ، وعدوا توجيه الدعوة إليهم إهانة واستطالة !
ثم إنهم حسدوا النبي [ ص ] حسدا شديدا . حسدوه مرتين : مرة لأن الله اختاره وأنزل عليه الكتاب - وهم لم يكونوا يشكون في صحته - وحسدوه لما لقيه من نجاح سريع شامل في محيط المدينة .
على أنه كان هناك سبب آخر لحنقهم ولموقفهم من الإسلام موقف العداء والهجوم منذ الأيام الأولى : ذلك هو شعورهم بالخطر من عزلهم عن المجتمع المدني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقلية والتجارة الرابحة والربا المضعف ! هذا أو يستجيبوا للدعوة الجديدة . ويذوبوا في المجتمع الإسلامي . وهما أمران - في تقديرهم - أحلاهما مر !
لهذا كله وقف اليهود من الدعوة الإسلامية هذا الموقف الذي تصفه سورة البقرة ، [ وسور غيرها كثيرة ] في تفصيل دقيق ، نقتطف هنا بعض الآيات التي تشير إليه . . جاء في مقدمة الحديث عن بني إسرائيل هذ النداء العلوي لهم : ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون . وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم . ولا تكونوا أول كافر به ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، وإياي فاتقون . ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين . أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ؟ وأنتم تتلون الكتاب ؟ أفلا تعقلون ؟ ) . . وبعد تذكيرهم طويلا بمواقفهم مع نبيهم موسى - عليه السلام - وجحودهم لنعم الله عليهم ، وفسوقهم عن كتابهم وشريعتهم . . ونكثهم لعهد الله معهم . . جاء في سياق الخطاب لتحذير المسلمين منهم : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ؟ أفلا تعقلون ؟ ) . . ( وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة . قل : أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ؟ ) . . ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ) . . . ( وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله . قالوا : نؤمن بما أنزل علينا ، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم ) . . . ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) . . . ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم ) . . . ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) . . . ( وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى . تلك أمانيهم ) . . . ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) . . . الخ الخ .
وكانت معجزة القرآن الخالدة أن صفتهم التي دمغهم بها هي الصفة الملازمة لهم في كل أجيالهم من قبل الإسلام ومن بعده إلى يومنا هذا . مما جعل القرآن يخاطبهم - في عهد النبي [ ص ] كما لو كانوا هم أنفسهم الذين كانوا على عهد موسى - عليه السلام - وعلى عهود خلفائه من أنبيائهم باعتبارهم جبلة واحدة . سماتهم هي هي ، ودورهم هو هو ، وموقفهم من الحق والخلق موقفهم على مدار الزمان ! ومن ثم يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى ، إلى خطاب اليهود في المدينة ، إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين . ومن ثم تبقى كلمات القرآن حية كأنما تواجه موقف الأمة المسلمة اليوم وموقف اليهود منها . وتتحدث عن استقبال يهود لهذه العقيدة ولهذه الدعوة اليوم وغدا كما استقبلتها بالأمس تماما ! وكأن هذه الكلمات الخالدة هي التنبيه الحاضر والتحذير الدائم للأمة المسلمة ، تجاه أعدائها الذين واجهوا أسلافها بما يواجهونها اليوم به من دس وكيد ، وحرب منوعة المظاهر ، متحدة الحقيقة !
وهذه السورة التي تضمنت هذا الوصف ، وهذا التنبيه ، وهذا التحذير ، تضمنت كذلك بناء الجماعة المسلمة وإعدادها لحمل أمانة العقيدة في الأرض بعد نكول بني إسرائيل عن حملها قديما ، ووقوفهم في وجهها هذه الوقفة أخيرا . .
تبدأ السورة - كما أسلفنا - بوصف تلك الطوائف التي كانت تواجه الدعوة أول العهد بالهجرة - بما في ذلك تلك الإشارة إلى الشياطين اليهود الذين يرد ذكرهم فيما بعد مطولا - وتلك الطوائف هي التي تواجه هذه الدعوة على مدار التاريخ بعد ذلك . ثم تمضي السورة على محورها بخطيه الأساسيين إلى نهايتها . في وحدة ملحوظة ، تمثل الشخصية الخاصة للسورة ، مع تعدد الموضوعات التي تتناولها وتنوعها .
فبعد استعراض النماذج الثلاثة الأولى : المتقين . والكافرين . والمنافقين . وبعد الإشارة الضمنية لليهود الشياطين . . نجد دعوة للناس جميعا إلى عبادة الله والإيمان بالكتاب المنزل على عبده . وتحدي المرتابين فيه أن يأتوا بسورة من مثله . وتهديد الكافرين بالنار وتبشير المؤمنين بالجنة . . ثم نجد التعجيب من أمر الذين يكفرون بالله : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ، ثم يميتكم ثم يحييكم ، ثم إليه ترجعون ! هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، وهو بكل شيء عليم ) . .
وعند هذا المقطع الذي يشير إلى خلق ما في الأرض جميعا للناس تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض : ( وإذ قال ربك للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة ) . . وتمضي القصة تصف المعركة الخالدة بين آدم والشيطان حتى تنتهي بعهد الاستخلاف - وهو عهد الإيمان - : ( قلنا : اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . .
بعد هذا يبدأ السياق جولة واسعة طويلة مع بني إسرائيل - أشرنا إلى فقرات منها فيما سبق - تتخللها دعوتهم للدخول في دين الله وما أنزله الله مصدقا لما معهم مع تذكيرهم بعثراتهم وخطاياهم والتوائهم وتلبيسهم منذ أيام موسى - عليه السلام - وتستغرق هذه الجولة كل هذا الجزء الأول من السورة .
ومن خلال هذه الجولة ترتسم صورة واضحة لاستقبال بني إسرائيل للإسلام ورسوله وكتابه . . لقد كانوا أول كافر به . وكانوا يلبسون الحق بالباطل . وكانوا يأمرون الناس بالبر - وهو الإيمان - وينسون أنفسهم . وكانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه . وكانوا يخادعون الذين آمنوا باظهار الإيمان وإذا خلا بعضهم إلى بعض حذر بعضهم بعضا من إطلاع المسلمين على ما يعلمونه من أمر النبي وصحة رسالته ! وكانوا يريدونإن يردوا المسلمين كفارا . وكانوا يدعون من أجل هذا أن المهتدين هم اليهود وحدهم - كما كان النصارى يدعون هذا أيضا - وكانوا يعلنون عداءهم لجبريل - عليه السلام - بما أنه هو الذي حمل الوحي إلى محمد دونهم ! وكانوا يكرهون كل خير للمسلمين ويتربصون بهم السوء . وكانوا ينتهزون كل فرصة للتشكيك في صحة الأوامر النبوية ومجيئها من عند الله تعالى - كما فعلوا عند تحويل القبلة - وكانوا مصدر إيحاء وتوجيه للمنافقين . كما كانوا مصدر تشجيع للمشركين .
ومن ثم تتضمن السورة حملة قوية على أفاعيلهم هذه ؛ وتذكرهم بمواقفهم المماثلة من نبيهم موسى - عليه السلام - ومن شرائعهم وأنبيائهم على مدار أجيالهم . وتخاطبهم في هذا كأنهم جيل واحد متصل ، وجبلة واحدة لا تتغير ولا تتبدل .
وتنتهي هذه الحملة بتيئيس المسلمين من الطمع في إيمانهم لهم ، وهم على هذه الجبلة الملتوية القصد ، المؤوفة الطبع . كما تنتهي بفصل الخطاب في دعواهم أنهم وحدهم المهتدون ، بما أنهم ورثة إبراهيم . وتبين أن ورثة إبراهيم الحقيقيين هم الذين يمضون على سنته ، ويتقيدون بعهده مع ربه ؛ وأن وراثة إبراهيم قد انتهت إذن إلى محمد [ ص ] والمؤمنين به ، بعد ما انحرف اليهود وبدلوا ونكلوا عن حمل أمانة العقيدة ، والخلافة في الأرض بمنهج الله ؛ ونهض بهذا الأمر محمد والذين معه . وأن هذا كان استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وهما يرفعان القواعد من البيت : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا ، وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم . ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، إنك أنت العزيز الحكيم ) .
وعند هذا الحد يبدأ سياق السورة يتجه إلى النبي [ ص ] وإلى الجماعة المسلمة من حوله ؛ حيث يأخذ في وضع الأسس التي تقوم عليها حياة هذا الجماعة المستخلفة على دعوة الله في الأرض ، وفي تمييز هذه الجماعة بطابع خاص ، وبمنهج في التصور وفي الحياة خاص .
ويبدأ في هذا بتعيين القبلة التي تتجه إليها هذه الجماعة . وهي البيت المحرم الذي عهد الله لإبراهيم وإسماعيل أن يقيماه ويطهراه ليعبد فيه الله وحده ، هذه القبلة التي كان النبي [ ص ] يرغب ولا يصرح في الاتجاه إليها : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ، فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) . .
ثم تمضي السورة في بيان المنهج الرباني لهذه الجماعة المسلمة . منهج التصور والعبادة ، ومنهج السلوك والمعاملة ، تبين لها أن الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا بل أحياء . وأن الإصابة بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات ليس شرا يراد بها ، إنما هو ابتلاء ، ينال الصابرون عليه صلوات الله ورحمته وهداه . وأن الشيطان يعد الناس الفقر ويأمرهم بالفحشاء والله يعدهم مغفرة منه وفضلا . وأن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات . . وتبين لهم بعض الحلال والحرام في المطاعم والمشارب . وتبين لهم حقيقة البر لا مظاهره وأشكاله . وتبين لهم أحكام القصاص في القتلى . وأحكام الوصية . وأحكام الصوم . وأحكام الجهاد . وأحكام الحج . وأحكام الزواج والطلاق مع التوسع في دستور الأسرة بصفة خاصة . وأحكام الصدقة وأحكام الربا . وأحكام الدين والتجارة . . .
وفي مناسبات معينة يرجع السياق إلى الحديث عن بني إسرائيل من بعد موسى . وعن حلقات من قصةإبراهيم . ولكن جسم السورة - بعد الجزء الأول منها - ينصرف إلى بناء الجماعة المسلمة ، وإعدادها لحمل أمانة العقيدة ، والخلافة في الأرض بمنهج الله وشريعته . وتمييزها بتصورها الخاص للوجود ، وارتباطها بربها الذي اختارها لحمل هذه الأمانة الكبرى .
وفي النهاية نرى ختام السورة ينعطف على افتتاحها ، فيبين طبيعة التصور الإيماني ، وإيمان الأمة المسلمة بالأنبياء كلهم ، وبالكتب كلها وبالغيب وما وراءه ، مع السمع والطاعة : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله ، وقالوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير . لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا واغفر لنا ، وارحمنا ، أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين . . )
ومن ثم يتناسق البدء والختام ، وتتجمع موضوعات السورة بين صفتين من صفات المؤمنين وخصائص الإيمان .
تبدأ السورة بهذه الأحرف الثلاثة المقطعة : " ألف . لام . ميم " . يليها الحديث عن كتاب الله : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه ، هدى للمتقين ) . .
ومثل هذه الأحرف يجيء في مقدمة بعض السور القرآنية . وقد وردت في تفسيرها وجوه كثيرة . نختار منها وجها . إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف ، وهي في متناول المخاطبين به من العرب . ولكنه - مع هذا - هو ذلك الكتاب المعجز ، الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله . الكتاب الذي يتحداهم مرة ومرة ومرة أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله ، أو بسورة من مثله فلا يملكون لهذا التحدي جوابا !
والشأن في هذا الإعجاز هو الشأن في خلق الله جميعا . وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس . . أن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات . فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرة ، أو آنية أو أسطوانة ، أو هيكل أو جهاز . كائنا في دقته ما يكون . . ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة . حياة نابضة خافقة . تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز . . سر الحياة . . ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ، ولا يعرف سره بشر . . وهكذا القرآن . . حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا ، ويجعل منها الله قرآنا وفرقانا ، والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات ، هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض . . هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة !
هذه السورة مدنية ، وهي تتناول جملة من المعاني والقضايا والقواعد التي تغطي جانبا أكبر من نظام الإسلام ، وذلك فيما يمس الواقع البشري للإنسان بمختلف مناحيه النفسية والروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ويمكن أن نعرض لما تناولته السورة في الأمور التالية :
أولها مسألة الحروف المتقطعة أو فواتح السور التي تأتي على رأس جملة من سور القرآن والتي اختلفت فيها أقوال العلماء والمفسرين ، ثم التنويه السريع بفريقين من البشر : فريق المؤمنين ، وفريق المشركين ، ويعقب ذلك تنديد تفضيلي ومؤثر بفريق فاسد مشنوء من البشر ، وهو فريق مذبذب مريض يخفي في نفسه الضلال والكفر ليبدي للناظرين والسامعين شاكلة مليحة خادعة ، وهؤلاء هم المنافقون الذين يوجدون في كل مكان وزمان ، والذين يؤذون المؤمنين من الداخل في صمت وتلصص .
وتتناول السورة ضربا من ضروب التحدي للمشركين والمكذبين أن يأتوا بسورة واحدة- أي سورة – من مثل هذا القرآن من حيث أسلوبه العجيب أو مستواه السامق الفذ ، وهو تحد يظل قائما دون مبارحة لتستبين معه حقيقة الإعجاز لهذا الكتاب الحكيم .
ثم استخلاف الله للإنسان في هذه الأرض ليكون منوطا به احتمال الأمانة والمضيء في منهج الله وخطه المستقيم ، مع ما رافق ذلك من مساءلة الملائكة لربهم عن جعل هذه الخليفة في الأرض ، وهم المسبحون بحمد الله والمقدسون له .
ثم قضية السجود لآدم ، وذلك أمر رباني كبير يفرضه الله على جنده الملائكة الأطهار والى جانبهم إبليس الذي ظل عابدا لله حتى تبينت الحقيقة يوم انحسر هذا الكائن الشقي عن طبيعة مستكبرة شاذة ، طبيعة آيسة فاسدة تستعلي على الرحمن جل وعلى فلا ترضخ لأمر الله بالسجود لآدم ، فكان ذلك بداية السقوط والهلاك .
ثم قضية آدم وزوجه اللذين استمعا لكلمة الله في النهي عن الأكل من هذه الشجرة لكنهما نسيا وأخطأ فأكلا منها ، فاقتضت بعد ذلك حكمة الله أن يهبط الثلاثة إلى الأرض حتى حين ، إلى أن يرتحلا إلى دار البقاء حيث الحساب .
وتتناول أيضا خطاب الله لبني إسرائيل من أجل أن يذكروا نعمة الله التي امتن بها عليهم فيوفوا بعهده ويرهبوه ، ثم يؤمنوا بالقرآن الحكيم الذي جاء مصدقا لما نزل عليهم من كتاب ، وألا يخلطوا بين الحق والباطل عمدا وتزويرا ، وأن يضطلعوا بأداء ما فرض الله عليهم من صلاة وزكاة ، وذلك كيلا يكونوا في عداد الذين يقولون ولا يفعلون .
وثمة تذكير كذلك لبني إسرائيل بما أنعمه الله عليهم وبما فضلهم به على العالمين من معطيات ومنن ، وذلك كمنجاتهم من كيد فرعون الذي سامهم عذابا بئيسا من تذبيح أبناء واستحياء للنساء ، وكذلك قد فرق الله البحر من أجل بني إسرائيل ليمروا من خلاله إلى حيث السلامة والنجاة مع تغريق فرعون وجنوده حتى أصبحوا من الهالكين .
وتعرض سورة البقرة في قدر عظيم من الآيات لقصة بني إسرائيل ، وهي قصة طويلة وغريبة ومريرة بما يكشف عن طبيعة يخالطها التخلخل والشذوذ ، يتبين ذلك من خلال مناسبات وأسباب شتى تثير في النفس الحيرة والاشمئزاز ، وذلك لفرط التطاول والاجتراء على الله ، وهو اجتراء مرفوض يأباه الضمير المؤمن ، فقد طلب بنو إسرائيل من نبيهم موسى أن يمكنهم من رؤية الله جهارا وإلا فإنهم لا يؤمنون ، حتى أخذتهم الصاعقة بالهلاك جزاء هذا الاجتراء الأحمق .
وقد أمرهم ربهم أن يدخلوا القرية ليأكلوا منها كما يشاؤون على أن يبادروا الدخول وهو ساجدون ثم يقولون ( حطة( حين الدخول ليغفر الله لهم خطاياهم نظير ذلك .
لكن فريقا ظالما منهم قد تكلم بغير ما أمر به وذلك على سبيل السخرية والاستخفاف .
ثم استسقاء موسى لقومه حتى ضرب الحجر بعصاه ( افانفجرت منه اثنتا عشرة عينا( ثم مطالبة بني إسرائيل بطعام أدنى من المن والسلوى كالبقل والقثاء والفوم والعدس والبصل ، وذلك ما يكشف عن النزوع للبطر والعتو في غير تواضع أو إقرار لله بالنعمة ، حتى كتب الله عليهم الذلة والمسكنة والغضب والتفريق المشتت في الأرض وذلك بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير حق .
وتعرض السورة لقصة البقرة ، وهي ما أمر الله بني إسرائيل على لسان نبيهم ومنقذهم موسى عليه السلام أن يذبحوها ، وهي بقرة لم تتحدد بصفة من الصفات بل ورد الأمر بإطلاق غير مقيد ، وقد ذبح اليهود بقرة ، لكن بعد تردد وجدال طويلين غريبين .
وفي السورة كذلك نصيب كبير من الكلام عن بني إسرائيل على أنحاء متعددة من الكشف والتبيين تارة ، أو من التنديد والتقريع تارة أخرى ، أو من التهديد والوعيد تارة ثالثة ، وذلك مثلما كشفت الآيات عن نفاق فريق من بني إسرائيل الذين إذا لقوا المؤمنين أظهروا لهم الإيمان والإخلاص ، وإذا خلا بعضهم إلى بعض تلاوموا فيما بينهم وحرض بعضهم بعضا على خداع النبي والمسلمين .
وبعض الآيات كذلك ينطوي على تهديد مخوف لأولئك الذين يزيفون الكتاب ويحرفون الكلم ليقولوا هذا من عند الله ، وأولئك لهم الويل والثبور .
وكذلك قد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل كيلا يعبدوا إلا الله ولكي يحسنوا للوالدين وذوي القربي واليتامى والمساكين وأن يقيموا الصلاة ويؤدوا الزكاة ، وكذلك أخذ ميثاقهم ألا يسفك بعضهم دماء بعض وألا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم بالإثم والعدوان ، لكنهم بالرغم من هذه المواثيق المغلظة فقد ضلوا وتولوا معرضين ، ثم قتلوا النفس بغير حق وأخرجوا فريقا من الناس من ديارهم ظلما ، ومبعث ذلك كله الإيمان المضطرب أو العقيدة المجزأة المتلجلجة التي تسول لبني إسرائيل أن يجعلوا كتاب ربهم ( عضين( أي يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه الآخر .
وفي السورة تنديد عظيم بفعلة بشعة مروعة تتمثل في قتل النبيين وفي عبادة العجل الذي أشربوا حبه في قلوبهم .
وتتضمن السورة كذلك حكما معنويا قاطعا يكشف عن طبيعة بني إسرائيل في كونهم ( أحرص الناس على حياة ( كيفما كانت هذه الحياة ما دامت تموج بالغواية والفتن والشهوات .
وفي السورة بيان أصولي لمسألة النسخ والفرق بينه وبين الإنسان ، وذلك بشيء من الإيجاز الذي تسمح به طبيعة الكتابة في هذا التفسير .
وفيها كذلك مقالة اليهود والنصارى إذ زعموا أنهم وحدهم دون غيرهم سيدخلون الجنة ، ومرة أخرى تتباين النوايا والقلوب لكل من اليهود والنصارى ليرمي بعضهم بعضا بالإفلاس والسوء ، إذ يقول كل فريق عن الآخر إنه ليس على شيء من العلم أو الحق .
والحقيقة الحاسمة التي ينبغي أن تقال في مثل هذا الصدد والتي نطق بها القرآن في هذه السورة هي أن كلا الفريقين اليهود والنصارى لن يرضى في يوم من الأيام عن الإسلام ونبيه أو عن المسلمين حيثما كانوا إلا أن يحيد المسلمون عن دينهم ليتبعوا ملة إحدى الأمتين : اليهود والنصارى .
ثم تحكي السورة قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام إذ عهد الله إليه وولده إسماعيل بناء الكعبة وتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود ، وقد خفا عليهما السلام في همة لتنفيذ أمر الله بالبناء والتطهير وهما يدعوان الله سبحانه في توسل من أجل أن يتقبل منهما وأنم يجعل من نسلهما أمة مسلمة قانتة لله ، وأن يبعث في عقبهما رسولا يعلم الناس الكتاب والحكمة .
وفي السورة دحض لمقالة اليهود والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم وعقبه من النبيين كانوا منهم ، والآيات تبين في غير لبس أن هؤلاء النبيين جميعا كانوا على ملة التوحيد وكلمة الإخلاص لله ، وأنهم ليسوا من اليهود أو النصارى لما كان عليه هؤلاء من الشرك والزيغ عن صراط الله المستقيم .
وفي السورة إيذان بتحويل القبلة شطر المسجد الحرام ليتوجه المؤمنون بتواصيهم وأفئدتهم شطره وذلك في خشوع وامتثال لأمر الله سبحانه .
وفيها حض على الصبر والاحتمال عند وقوع المصائب كيفما كانت وعلى المؤمنين الصابرين صلوات من الله ورحمة لأن الله مع الصابرين .
وفيها إظهار لشعيرتين من شعائر الحج وهما الصفا والمروة ، وما يعقب ذلك من بيان شرعي لكيفية الاعتمار والتطواف ، وغير ذلك من أفعال الحج أو العمرة .
وفيها تحريم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله إلا أن يكون الآكل مضطرا فليس هو بالباغي ولا العادي .
وفيها توضيح لحقيقة البر وهو أنه لا يتحقق في مظاهر شكلية يحددها أن تولى الوجوه نحو الشرق والغرب ، ولكن البر في حقيقته يتمثل في حسن المقصود وفي تمام العمل ، أما حسن المقصود : فهو إنما يتم عن طريق الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين ، وتلك هي أركان الإيمان في عقيدة الإسلام ، وأما تمام العمل فهو يتحقق في أسباب كثيرة منها : إيتاء المال للذين يحيق بهم ضيق أو خلة من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ، ومن تمام العمل كذلك ، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس .
وسوف يرد بيان مفصل لمثل هذه الكلمات أو المسائل عند التفصيل إن شاء الله .
وفيها الحكم بالقصاص في القتلى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، وما يقتضيه ذلك من تفصيلات فقهية يمكن أن نقررها في موضعها بشيء من التفصيل .
وفيها حكم الوصية بالمال للوالدين والأقربين ، وهو حكم منسوخ على ما سوف نعلم في موضعه .
وكذلك قد وردت في السورة فريضة الصوم الذي كان قد فرض على من سبق هذه الأمة من الأمم الحالية ، وثمة أحكام شرعية تتعلق بالصوم من حيث الرخصة بالإفطار وغير ذلك من أحكام تفصيلية ، فضلا عن التنويه الظاهر بشهر رمضان العظيم الذي أنزل الله فيه القرآن ليكون ( هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ( .
وفي السورة تحريض للمؤمنين على قتال الكافرين المعتدين ، وذلك من أجل أن يقتلوهم حيث ثقفوهم وأن يخرجوهم من حيث أخرجوهم ، لأن الفتنة بما يبعد المؤمنين عن دينهم لهي أشد من القتل نفسه ، وقاعدة الإسلام في مفهوم القتال ألا تكون هناك فتنة في الأرض تحول بين الناس ودين الله ، وحتى يكون الدين لله وهو أن يهيمن الإسلام على ما سواه من شرائع وملل .
وفي السورة كذلك بعض أحكام الحج الذي يتأذى في أشهر معلومات لا مصاغ لوقوع شيء من رفث أو فسوق فيهن ، ومن أحكامه كذلك الإفاضة من عرفات إلى المشعر الحرام إلى بقية أعمال الحج من أركان وشروط وسنن .
وتعرض السورة لفريق من المنافقين الذين يعجب السامع لأقوالهم وهي تتعزز بفيض من الإيمان والشهادة لله بأنهم صادقون ، لكنهم في الحقيقة طغمة من البشر المخادع الكاذب ، البشر المنافق الذي ينطلق في الأرض ليعبث فيها فسادا وتخريبا .
وتعرض السورة كذلك للكافرين الذين زينت لهم الدنيا فانفلتوا عن صراط الله إلى حيث الضلال والشهوات والفسق ، وفوق ذلك فقد مضى هؤلاء في خط الشيطان وهم يسخرون من المؤمنين .
وفي السورة تبيين لحقيقة التصور الديني الذي أساسه الوحي ، وحقيقة هذا التصور أن المجتمعات أساسا كانت على ملة ربانية واحدة تقوم على الفطرة والتوحيد ، وقد نيط بالنبيين المرسلين وظيفة التبليغ ليكونوا مبشرين ومنذرين فانقسم الناس إلى طرائق شتى تتردد بين الكفر والإيمان والنفاق على تفاوت .
وتذكر السورة أن دخول الجنة إنما يكون مسبوقا بامتحان عسير في الدنيا مثلما أصاب المؤمنين السابقين الذين مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى لجوا إلى الله ضارعين إليه بالإخلاص والنصر .
وأوجبت السورة فريضة القتال وهو كره للناس ، لكنه لسوف يؤول بالتالي إلى السلامة والخير بما يحقق للناس الأمن والرخاء ، حتى إن القتال في الشهر الحرام مشروع إذا ما قوتل فيه المسلمون .
والقتال في الشهر الحرام كبير لكن الأشد منه فظاعة أن يكون ثمة صد عن سبيل الله وكفر بالله والمسجد الحرام ثم إخراج أهله منه ظلما وعدوانا .
وتعرض السورة لجملة أحكام تتعلق بانحلال الزوجية منها : الإيلاء وقد أبطل القرآن ما كان شائعا بين العرب من قطيعة الرجل لزوجته إذا ما آلا عليها ألا يمسها ، بات هذا العرف الجاهلي منسوخا بحكم القرآن الذي حدد مدة الإيلاء بأربعة شهور فإما الرجوع بعدها إلى الحياة الزوجية وإما الطلاق .
ومنها كذلك الطلاق ، فإن وقع وجب على المطلقة أن تعتد ثلاثة قروء ليستطيع الرجل مراجعتها قبل أن تنتهي العدة على أن يكون ذلك كله بالمعروف .
وقد أرست الآية في هذا الصدد حكما ينبغي أن يسري في حياة المجتمعات وهو : أن للرجال على النساء درجة وهي القوامة المسؤولية على ما سنبينه في حينه إن شاء الله .
ثم أوردت السورة مهمة الوالدات في إرضاع الطفل كيلا يتضرر أو يشقى ، وهن يرضعن أولادهن حولين كاملين إن أردن الإرضاع على التمام ، والوالدون في ذلك ملتزمون بأداء النفقة للغذاء والكساء والإيواء وغيره من وجوه الإنفاق على أن يكون ذلك كله في حدود القدرة والإمكان .
وأوردت السورة أيضا الحكم حالة وفاة الأزواج ، فإن على الزوجات إذ ذاك أن تمتد عدتهن إلى أربعة أشهر وعشرة أيام ، وبعد انقضاء هذه المدة فهن حرائر في ابتغاء الزواج إن أردن .
وفي السورة بيان عن نكول بني إسرائيل عن القتال وقد تعدي عليهم ، مع أنهم قطعوا على أنفسهم عهدا موثقا بالقتال ، لكنهم لما كتب الله عليهم القتال نكلوا وتولوا عن فريضة الجهاد ولم يثبت للفاء العدو إلا القليل منهم .
وتعرض السورة لأعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي ، ولا جرم أن تكون هذه الآية عظيمة لما تتضمنه من معان وثيقة الصلة بالعقيدة نفسها ، وذلك شاهد من شواهد كثيرة تدل على إعجاز هذا الكتاب وأنه كلام رباني باهر .
آية الكرسي قصيرة من حيث المبنى والمظهر ، وهي كذلك قليلة من حيث الكلمات لكنها غزيرة العطاء والمضمون ، ووافية المعنى والمقصود بما يكشف عن ملامح جلية لعقيدة الإسلام بصورة عامة ، وعقيدة التوحيد على وجه الخصوص .
وفي السورة كذلك أنه ( لا إكراه في الدين( فقد استبان الحق وانجلت ظلمة الباطل والشرك فبزغ فجر الإسلام الذي ترتضيه العقول وتتملاه الطبائع السليمة .
وترد في السورة قصة النبي العظيم إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وهو يحاور الملك العاتي المتجبر الذي رفض الإقرار لله بالألوهية فاصطنعها لنفسه ، وقد حاجه إبراهيم في حوار صارم أسفر عن إفلاس هذا الملك الفاسد الضال الذي أصيب بالبهت بعد أن تخاذل وتقهقر ولم يستطع الرد أمام الحجة الصادعة القوية ، ثم ذلك الذي مر في طريقه على قرية قيل أنها بيت المقدس ، فألقاها هامدة خاوية على عروشها فتساءل في نفسه حائرا ( أنى يحي هذه الله بعد موتها( فقضى الله عليه بالموت مائة عام ثم بعثه ، ليكون بذلك آية للناس ، وليعلم أن الله قادر على بعث الموتى وأنه على كل شيء قدير .
ثم تعرض السورة للصدقات من حيث الصورة في الإعطاء على ضربين فإمام الإعطاء للفقراء علانية وإمام الإعطاء في كتمان ، وعلى أية حال فإن الإخفاء أفضل كي يكون في الإعلان أذية للفقراء أو إحراج .
والله جلت قدرته يوصي بالفقراء المحصرين الذين لا يستطيعون السفر والانتشار في الأرض طلبا للرزق ، وهذا الصنف من الناس يظل على الاستحياء والمروءة فلا يرتضي الهبوط إلى مذلة السؤال في إلحاف بما يخيل للناظر أن هؤلاء الناس أغنياء لما هم عليه من نزاهة وتعفف .
وفي السورة تنديد مروع بأكلة الربا ، أولئك الجشعون الذين يعيشون على السحت والذي لا يقومون من قبورهم إلا كالذي يقوم وقد أصابه مس ، والربا من كبائر الذنوب التي أغلظ عليها الإسلام في نكير مزلزل ، حتى إن الولاة الذين يلون أمور المسلمين مخولون بتجريد فريق من عساكر المسلمين لمحاربة هؤلاء الأكلة المجرمين ، وفي ذلك دلالة جلية تتكشف من خلالها فداحة الربا الذي لا يحتمل في تصور الإسلام أدنى لين أو تساهل .
وتحتوي سورة البقرة على أطول آية في كتاب الله وهي آية الدين ، فإذا تداين المسلمون فيما بينهم فقد بات مندوبا أن يكتبا هذا الدين ، وذلك من أجل التوثيق ولكي تصان الحقوق صونا فلا يأتي عليها النسيان أو النكران ، على أن يشهد كتاب الدين شهيدان من الرجال ، فإن لم يكونا رجلين فلا بأس أن يكون ثمة رجل شهيد وامرأتان أخريان تشهدان ، وعلى الشاهد أيا كان أي يؤدي الشهادة على وجهها الصحيح وألا يكتم ما أشهد نفسه عليه ، فإن كتم فإنه آثم قلبه وجزاؤه في حساب الله مرصود .
ويتحدث آخر السورة عن ربوبية الله الكبرى التي تغطي الكون كله ليكون كل شيء مملوكا له سبحانه غير أن يكون له في ذلك شريك .
ويتحدث كذلك عن أركان الإيمان في عقيدة الإسلام وهي أركان تتحقق في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وشأن المؤمنين المخلصين حيال هذه الأركان ألا يفرقوا بين أحد من رسل الله فلا يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين .
وأخيرا فإن السورة تتضمن إرساء لقاعدة دينية فاصلة تقوم على الموضوعية الكاملة التي تأنف من القسوة أو الحيف وهي أن الله لا يكلف أحدا من الناس إلا في حدود الطاقة والوسع ، وأن لكل نفس ما كسبت من الخير وصالح العمل ، وأن عليها ما اكتسبت من الإثم والخطيئة .
هذه السورة مدنية كلها باستثناء قوله تعالى ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ( فإن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن كما قبل ، وقد نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى .
وقيل في سورة البقرة : إنها من أوائل ما نزل من السماء على النبي في المدينة بعد الهجرة ، وثمة قول آخر بأنها أول ما نزل من القرآن في المدينة وهي سورة لا جرم أن تكون عظيمة في شأنها وقدرها ، عظيمة في مضامينها وما تتدفق به من روائع وأسرار سوف نقف منها على ما أمكن خلال التوضيح المفصل التالي مستعينين بالله مستمدين منه العون والقوة وهو حسبنا ونعم الوكيل .
( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( ثمة أقوال للمفسرين في الحروف المقطعة الواردة في أوائل بعض السور ، إلا أننا نعرض للحديث عنها هنا بإيجاز لنعاود الحديث عنها ثانية في سورة آل عمران .
فقد ذهب بعض أهل العلم من المفسرين واللغويين إلى أن المقصود بهذه الفواتح من الحروف المقطعة هو التحدي على نحو آكد في الكشف عن إعجاز القرآن وعن عجز العرب دونه وهم الراسخون في الفصاحة والبيان ، فقد تحدى الله في قرآنه العاجزين من أجل أن يأتوا بمثل هذا الكلام فنكصوا جميعا ، ويريد الله أن يبين للعرب على أعقابكم والذي عز عليكم أن تأتوا بمثل بعضه ، لهو كلام من جنس ما تتخاطبون به مما تتألف من حروف في مثل ( آلم ( وغيرها من حروف أخرى مقطعة تأتي فواتح للسور ، يوضح ذلك ويرجحه قوله بعد هذه الحروف المقطعة ( ذلك الكتاب ( أي أن هذه الحروف هي التي تؤلف هذا الكتاب ، أو أن هذا الكتاب من جنس كلام العرب ، وهو كلام أساسه الحرف المقطع المنفصل كالألف أو اللام أو الميم ، وذلك آكد في التحدي وأشد في إظهار الدلالة على أن هذا القرآن الكريم معجز وأنه لا تقوى مدارك الإنسان على أن تصطنع مثله .
وقيل : إن المشركين لما تواصوا فيما بينهم أن يعرضوا عن سماع القرآن ، وقالوا ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ( أراد الله أن يفاجئهم بما يثير فيهم الدهش ويحملهم على الانتباه والإصغاء ليسمعوا القرآن ، فأنزل الله هذه الحروف الفواتح لبعض السور .
وقيل إن هذه الحروف الفواتح لهي من أسرار الكتاب الحكيم ولا يقف على المراد منها أحد من الناس ، فهي علم مستور استأثر الله به وحده ، وهو قول الصحابة وغيرهم وهم في ذلك يحدوهم التورع والحيطة خشية التكلف أو الزلل .
فكانوا يؤثرون أن لا يخوضوا في تأويل هذه الحروف ، بل كانوا ينسبون حقيقة المراد بذلك الى الله فهو أعلم بالسر والمقصود .