في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ} (227)

192

ومن ثم يستثني القرآن الكريم من ذلك الوصف العام للشعراء :

( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وذكروا الله كثيرا ، وانتصروا من بعد ما ظلموا ) . .

فهؤلاء ليسوا داخلين في ذلك الوصف العام . هؤلاء آمنوا فامتلأت قلوبهم بعقيدة ، واستقامت حياتهم على منهج . وعملوا الصالحات فاتجهت طاقاتهم إلى العمل الخير الجميل ، ولم يكتفوا بالتصورات والأحلام . وانتصروا من بعد ما ظلموا فكان لهم كفاح ينفثون فيه طاقتهم ليصلوا إلى نصرة الحق الذي اعتنقوه .

ومن هؤلاء الشعراء الذين نافحوا عن العقيدة وصاحبها في إبان المعركة مع الشرك والمشركين على عهد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة - رضي الله عنهم - من شعراء الأنصار ، ومنهم عبد الله بن الزبعرى ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد كانا يهجوان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في جاهليتهما ، فلما أسلما حسن إسلامهما ومدحا رسول الله ونافحا عن الإسلام .

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال لحسان : " اهجهم - أو قال هاجهم - وجبريل معك " . . وعن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه أنه قال للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] إن الله عز وجل قد أنزل في الشعراء ما أنزل . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل " [ رواه الإمام أحمد ]

والصور التي يتحقق بها الشعر الإسلامي والفن الإسلامي كثيرة غير هذه الصورة التي وجدت وفق مقتضياتها . وحسب الشعر أو الفن أن ينبع من تصور إسلامي للحياة في أي جانب من جوانبها ، ليكون شعرا أو فنا يرضاه الإسلام .

وليس من الضروري أن يكون دفاعا ولا دفعا ؛ ولا أن يكون دعوة مباشرة للإسلام ولا تمجيدا له أو لأيام الإسلام ورجاله . . ليس من الضروري أن يكون في هذه الموضوعات ليكون شعرا إسلاميا . وإن نظرة إلى سريان الليل وتنفس الصبح ، ممزوجة بشعور المسلم الذي يربط هذه المشاهد بالله في حسه لهي الشعر الإسلاميفي صميمه . وإن لحظة إشراق واتصال بالله ، أو بهذا الوجود الذي أبدعه الله ، لكفيلة أن تنشئ شعرا يرضاه الإسلام .

ومفرق الطريق أن للإسلام تصورا خاصا للحياة كلها ، وللعلاقات والروابط فيها . فأيما شعر نشأ من هذا التصور فهو الشعر الذي يرضاه الإسلام .

وتختم السورة بهذا التهديد الخفي المجمل :

( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) . .

السورة التي اشتملت على تصوير عناد المشركين ومكابرتهم ، واستهتارهم بالوعيد واستعجالهم بالعذاب . كما اشتملت على مصارع المكذبين على مدار الرسالات والقرون .

تنتهي بهذا التهديد المخيف . الذي يلخص موضوع السورة . وكأنه الإيقاع الأخير المرهوب ؛ يتمثل في صور شتى ، يتمثلها الخيال ويتوقعها . وتزلزل كيان الظالمين زلزالا شديدا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ} (227)

قوله : { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } روي أن عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل { وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } وقالوا : هلكنا يا رسول الله فأنزل الله { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } يعني ذكروا الله كثيرا في كلامهم وانتصروا في رد المشركين عن هجائهم . وقد روى الترمذي وصححه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء ، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول :

خلوا بني الكفار عن سبيله *** اليوم نضربكم على تنزيله

ضربا يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله

فقال عمر : يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول الشعر ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " خل عنه يا عمر فإنه أسرع فيهم من نضح النبل " .

فقد استثنى الله من الشعراء ، شعراء المؤمنين الذين وصفهم بعمل الصالحات وأنهم يذكرون الله كثيرا في كل أحوالهم { وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } أي انتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلما بشعرهم وهجائهم إياهم وإجابتهم عما هجوهم به .

قوله : { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } { أَيَّ } ، منصوب بقوله يَنقَلِبُونَ } وتقديره أي انقلاب ينقلبون . فأَيَّ ، منصوب على المصدر{[3415]} والمنقلب معناه المصير والمرجع . وذلك تهديد مخوف ومروع يتوعد الله به الظالمين الذين يحادون الله ورسوله ، والذين يؤذون المؤمنين وينكلون بهم . فأولئك يتوعدهم الله بقوله : أي مصير بئيس يصير إليه هؤلاء المجرمون ، وأي معاد يعودون إليه بعد موتهم . لا جرم أنهم صائرون إلى نار لا ينطفئ سعيرها ولا يسكن لهيبها{[3416]} .


[3415]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 217.
[3416]:تفسير الطبري جـ 19 ص 78-80 وتفسير الرازي جـ 24 ص 175 وأحكام القرآن جـ 3 ص 1427-1429.