اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ} (227)

ثم إنه تعالى لما وصف شعراء الكفار بهذه الأوصاف استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية ، ويهجون الكفار ويكافحون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه منهم حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، فقال :

{ إِلاَّ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات }{[38115]} .

روي عن كعب بن مالك أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّ اللَّهَ قد أنزل في الشعراء ما أنزل ، فقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إِنَّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل » وفي رواية قال له : «اهْجُهُمْ فوالذي نفسي بيده هو أشد عليهم من النبل »{[38116]} .

وكان يقول لحسان : «قُلْ فإنَّ روح القدس معك »{[38117]} .

واعلم أن الله تعالى وصفهم بأمور :

الأول : الإيمان ، وهو قوله : { إِلاَّ الذين آمَنُوا } .

وثانيها : العمل الصالح ، وهو قوله : «وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ » .

وثالثها : أن يكون شعرهم في التوحيد والنبوة ، ودعوة الحق ، وهو قوله : [ { وذكروا الله كثيراً } ] .

ورابعها : أنْ لا يذكروا هجواً إلا على سبيل الانتصار ممن يهجوهم وهو ]{[38118]} { وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا }{[38119]} قال الله تعالى : { لاَ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ } [ النساء : 148 ] . وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً »{[38120]} وقالت عائشة{[38121]} : الشعر كلام فمنه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح . وقال الشعبي : كان أبو بكر يقول الشعر ، [ وكان عمر يقول الشعر ]{[38122]} ، وكان عليٌّ أشعر الثلاثة . وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده{[38123]} .

وقوله : { وَذَكَرُوا الله كَثِيراً } أي{[38124]} : لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله ، { وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } أي : انتصروا من المشركين ، لأنهم بدأوا بالهجاء ، ثم أوعد شعراء المشركين فقال : { وَسَيَعْلَمُ الذين ظلموا } أشركوا وهجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } أيّ مرجع يرجعون بعد الموت .

قال ابن عباس : إلى جهنم والسعير{[38125]} .

قوله : «أَيَّ مُنْقَلَبٍ » منصوب على المصدر ، والناصب له «يَنْقَلِبُونَ » وقُدِّم ، لتضمنه معنى الاستفهام ، وهو معلق ل «سَيَعْلَمُ » سادّاً مسدّ مفعوليها{[38126]} .

وقال أبو البقاء : «أيَّ مُنْقَلَبٍ » صفة لمصدر محذوف ، أي : ينقلبون انقلاباً أي منقلب ، ولا يعمل فيه «سَيَعْلَمُ » لأنَّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله{[38127]} .

وهذا مردود بأن أيّاً الواقعة صفة لا تكون استفهامية ، وكذلك الاستفهامية لا تكون صفة لشيء بل كل منهما قسم برأسه .

و «أي » تنقسم إلى أقسام كثيرة ، وهي : الشرطية{[38128]} ، والاستفهامية{[38129]} . والموصولة{[38130]} ، والصفة{[38131]} ، والموصوفة عند الأخفش خاصة{[38132]} ، والمناداة نحو : يا أيهذا{[38133]} والمُوصّلة لنداء ما فيه ( أل ) نحو : يا أيُّهَا الرجلُ . عند غير الأخفش{[38134]} ، والأخفش يجعلها في النداء موصولة{[38135]} .

وقرأ ابن عباس والحسن { أَيَّ مُنْفَلَتٍ يَنْفَلِتُونَ } بالفاء والتاء من فوق من الانفلات{[38136]} .

ختام السورة:

روى الثعلبي في تفسيره عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : «أُعْطيتُ السورة التي يذكر فيها البقرة من الذكر الأول ، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى ، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي يذكر فيها البقرة من تحت العرش ، وأعطيت المفصل نافلة »{[1]} .

وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : «إنَّ اللَّه تعالى أعطاني السبع مكان التوراة ، وأعطاني الطواسين مكان الزبور ، وفضلني بالحواميم والمفصل ، ما قرأهن نبي قبلي » .

وعن أبي أمامة عن أُبيّ بن كعب قال : «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به ، وهود{[2]} ، وشعيب ، وصالح ، وإبراهيم ، وبعدد من كذب بعيسى ، وصدق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - »{[3]} .


[1]:في النسختين تقدم. وندم تصحيح من الرازي. وانظر تصحيح ذلك وغيره في تفسير الإمام 28/117.
[2]:ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (6/605) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
[3]:أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/612، 613) عن ابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي والضحاك. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (/605) عن أبي عبد الرحمن السلمي وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
[38115]:انظر البغوي 6/252.
[38116]:أخرجه أحمد 3/456، 46، 6/387.
[38117]:أخرجه أحمد 4/298، 301.
[38118]:ما بين القوسين سقط من الأصل، والانتصار في ب: الاقتصار. وما ذكرته أصوب.
[38119]:انظر الفخر الرازي 24/176.
[38120]:أخرجه البخاري (أدب) 4/73، أبو داود (أدب) 5/277، الترمذي (أدب) 4/216، ابن ماجه (أدب) 2/1235، والدارمي (استئذان) 2/297، أحمد 3/456، 5/125.
[38121]:من هنا نقله ابن عادل عن البغوي 6/256-257.
[38122]:ما بين القوسين سقط من الأصل.
[38123]:آخر ما نقله هنا عن البغوي 6/256-257.
[38124]:من هنا نقله ابن عادل عن البغوي 6/257-258.
[38125]:آخر ما نقله هنا عن البغوي 6/247-258.
[38126]:انظر البيان 2/217، البحر المحيط 7/49-50.
[38127]:التبيان 2/1002.
[38128]:قال سيبويه: ( فما يجازى به من الأسماء غير الظروف: من، وما، وأيهم) الكتاب 3/56. وانظر المغني 1/77.
[38129]:قال سيبويه: ( وسألته - يعني أبا الخطاب الأخفش- عن أيِّهم، لم لم يقولوا: أَيَّهم مررتَ به؟ وإنما تُرِكت الألف استغناء فصارت بمنزلة الابتداء، ألا ترى أن حد الكلام أن تؤخِّر الفعل فتقول: أيَّهم رأيت، كما تفعل ذلك بالألف، فهي نفسها منزلة الابتداء) الكتاب 1/126. وانظر المغني 1/77.
[38130]:قال سيبويه: ( وتقول: أيُّهَا تشاء لك، فـ (تشاءُ) صلةٌ لـ (أيُّهَا) حتى كمل اسماً، ثم بنيت (لك) على (أيها)، كأنك قلت: الذي تشاء لك) الكتاب 2/398.
[38131]:قال سيبويه: (ومن النعت أيضاً: مررت برجل أيِّما رجل، فأيِّما نعت للرجل في كماله وَبذِّه غيره، كأنه قال: مررت برجل كامل) الكتاب 1/422 وقال ابن هشام: (أن تكون دالة على معنى الكمال، فتقع صفة للنكرة نحو: زيد رجل أيّ رجل. أي: كامل في صفات الرجال، وحالاً للمعرفة كمررت بعبد الله أيَّ رجل) المغني 1/78، ولا يوصف بـ (أي) إلا أن تكون مضافة، قال سيبويه: (... وكذلك أي، لا تقول: هذا رجل أي) الكتاب 3/25.
[38132]:قال أبو حيان: (... فأي تكون شرطية واستفهامية وموصولة ووصفاً على مذهب الأخفش موصوفة بنكرة نحو: مررت بأي معجب لك) البحر المحيط 7/50. وقال ابن هشام بعد أن ذكر أن الأخفش زعم أن أيًّا في (يا أيّها الرجل) لا تكون وصلَة إلى نداء ما فيه (ال) وإنما هي موصول: (.... وزاد قسماً، وهو: أن تكون نكرة موصوفة نحو: مررت بأي معجب لك، كما يقال: بمن معجب لك، وهذا غير مسموع) المغني 1/79.
[38133]:في ب: يا هذا.
[38134]:ظاهر عبارة ابن عادل أن (أي) في النداء قسمان: مناداة وتوصف اسم الإشارة، ووصلة لنداء ما فيه (ال) وهما عند النحاة قسم واحد، قال سيبويه: (وأما قولك: يا أيها ذا الرجل، فإن (ذا) وصف لـ (أي) كما الألف واللام وصف، لأنه مبهم مثله، فصار صفةً له كما صار الألف واللام وما أضيف إليها صفة للألف واللام) الكتاب 2/193.
[38135]:وعبارة الأخفش صريحة في أنَّ (أيّ) في النداء موصوفة لا موصولة، قال في معرض حديثه عن قوله تعالى: {إنّ الله نِعمّاً يَعظُكُمْ به} [النساء: 58]: (فإن قيل: كيف تكون (ما) اسماً وحدها وهي لا يتكلم بها وحدها؟ قلت: هي بمنزلة (يا أيها الرجل)، لأن (أيا) ههنا اسم ولا يتكلم به وحده حتى يوصف فصار (ما) مثل الموصوف ههنا، لأنك إذا قلت: غَسلتُهُ غَسْلاً نعما. فإنك تريد المبالغة والجودة) معاني القرآن 1/192.
[38136]:المختصر (108)، البحر المحيط 7/49.