تأويلات أهل السنة للماتريدي - الماتريدي  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ} (227)

[ الآية 224 ] وقوله تعالى : { والشعراء يتبعهم الغاوون } قال بعضهم : رجلان شاعران ، كانا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار ، والآخر من قوم آخرين ، فهجوا رسول الله وأصحابه ، ومع كل واحد منهما غواة من قومه . فذلك قوله : { والشعراء يتبعهم الغاوون } . قال : فاستأذن شعراء المسلمين النبي أن يقتصوا من المشركين ، فأذن لهم النبي ، فهجوا المشركين ، ومدحوا النبي . فذلك قوله : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [ الشعراء : 227 ] . أخبر في الأول : { والشعراء يتبعهم الغاوون } فاستثنى شعراء المسلمين [ منهم ]{[14881]} بقوله : { إلا الذين آمنوا } .

وقال بعضهم : الشعراء عصاة الجن ، يتبعهم غواة الإنس كقوله : { شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض } [ الأنعام : 112 ] .

وقال بعضهم : هم الكفار يتبعون ضلال الجن والإنس ، وهو مثل الأول .

[ الآية 227 ] وقوله تعالى : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا } هذا الاستثناء يحتمل أن يكون من قوله : { والشعراء يتبعهم الغاوون } وهو ما ذكرنا . كأنه{[14882]} قال : أولئك الشعراء ، وهم{[14883]} القادة منهم : نحن نقول بمثل ما أتى محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا الشعر ، وأنشدوه ، واجتمع إليهم غواة من قومهم ، يستمعون أشعارهم ، ويروون عنهم ، حين يهجون النبي وأصحابه .

فاستثنى شعراء المسلمين الذين قالوا الشعر ، وأنشدوه ، في انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنهم لا يتبعهم الغاوون .

ويحتمل{[14884]} أن يكون الاستثناء من قوله : { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنهم لا يهيمون في كل واد ، ويقولون ما يفعلون ، و لا يقولون ما لا يفعلون . بل يذكرون الله كثيرا وينصرون{[14885]} رسوله وأنفسهم من بعد ما ظلموا .

فيكون الاستثناء في أحد التأويل من الاتباع في الآخرة من الأئمة والقادة ، فكان منهم قول سبق في ذلك حتى قال : { والشعراء يتبعهم الغاوون } على آخر ما ذكر ؛ إذ لا يحتمل على الابتداء دون قول كان منهم على ما ذكرنا في قوله : { وما تنزلت به الشياطين } [ الشعراء : 210 ] وقوله : { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين } [ الشعراء : 221 ] .

قد كان من أولئك الكفرة قول وطعن بأن الشياطين هم الذين يتنزلون به عليه حتى خرج جوابا لهم : { وما تنزلت به الشياطين } { وما ينبغي لهم وما يستطيعون } [ الشعراء : 210و211 ] وإن لم يذكر ذلك يظهر ذلك في الجواب ، إن كان منهم قول وطعن ، وإن لم يذكر .

ثم أوعدهم ، وقال : { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } . ويحتمل في الآخرة في منقلب الظلمة ، وهي النار ، أي يعلمون علم عيان يومئذ ، وإن لم يعلموا ذلك في الدنيا علم الاستدلال لما تركوا النظر فيه ، أو يعلمون ذلك علم عيان في الآخرة ، وإن علموا في الدنيا علم استدلال ، لكنهم تعاندوا ، وكابروا ، فلم يؤمنوا ، والله أعلم بالصواب .


[14881]:- ساقطة من الأصل وم.

[14882]:- في الأصل وم: كأنهم.
[14883]:- من م، في الأصل: وهو.
[14884]:- في الأصل وم: أو.
[14885]:- في م: وينتصرون.