في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (16)

إن بروز قوة الإسلام وتقريرها ليستهوي قلوبا كثيرة تصد عن الإسلام الضعيف ، أو الإسلام المجهول القوة والنفوذ . وإن الدعوة إلى الإسلام لتختصر نصف الطريق حين تكون الجماعة المسلمة بادية القوة ، مرهوبة الجانب ، عزيزة الجناب .

على أن الله سبحانه وهو يربي الجماعة المسلمة بالمنهج القرآني الفريد لم يكن يعدها وهي في مكة قلة قليلة مستضعفة مطاردة ، إلا وعدا واحدا : هو الجنة . ولم يكن يأمرها إلا أمرا واحدا : هو الصبر . . فلما أن صبرت وطلبت الجنة وحدها دون الغلب ، آتاها الله النصر ؛ وجعل يحرضها عليه ويشفي صدورها به . ذلك أن الغلب والنصر عندئذ لم يكن لها ولكن لدينه وكلمته . وإن هي إلا ستار لقدرته . .

ثم إنه لم يكن بد أن يجاهد المسلمون المشركين كافة ، وأن تنبذ عهود المشركين كافة ؛ وأن يقف المسلمون إزاءهم صفا . . لم يكن بد من ذلك لكشف النوايا و الخبايا ، ولإزالة الأستار التي يقف خلفها من لم يتجرد للعقيدة ، والأعذار التي يحتج بها من يتعاملون مع المشركين للكسب ، ومن يوادونهم لآصرة من قربى أو مصلحة . . لم يكن بد من إزالة هذه الأستار والمعاذير ، وإعلان المفاصلة للجميع ، لينكشف الذين يخبئون في قلوبهم خبيئة ، ويتخذون من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة ، يلجون منها إلى مصالحهم وروابطهم مع المشركين ، في ظل العلاقات غير المتميزة أو الواضحة بين المعسكرات المختلفة : ( أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ، والله خبير بما تعملون ) .

لقد كان في المجتمع المسلم - كما هو الحال عادة - فئة تجيد المداورة ، وتنفذ من الأسوار . وتتقن استخدام الأعذار . وتدور من خلف الجماعة ، وتتصل بخصومها استجلابا للمصلحة ولو على حساب الجماعة ، مرتكنة إلى ميوعة العلاقات ووجود ثغرات في المفاصلة بين المعسكرات . فإذا وضحت المفاصلة وأعلنت قطعت الطريق على تلك الفئة ، وكشفت المداخل والمسارب للأنظار .

وإنه لمن مصلحة الجماعة ، ومن مصلحة العقيدة ، أن تهتك الأستار وتكشف الولائج ، وتعرف المداخل ، فيمتاز المكافحون المخلصون ، ويكشف المداورون الملتوون ، ويعرف الناس كلا الفريقين على حقيقته ، وإن كان الله يعلمهم من قبل :

( والله خبير بما تعملون ) . .

ولكنه سبحانه يحاسب الناس على ما يتكشف من حقيقتهم بفعلهم وسلوكهم . وكذلك جرت سنته بالابتلاء لينكشف الخبيء وتتميز الصفوف ، وتتمحص القلوب . ولا يكون ذلك كما يكون بالشدائد والتكاليف والمحن والابتلاءات .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (16)

قوله تعالى : { أم حسبتم } ، أظننتم .

قوله تعالى : { أن تتركوا } ، قيل : هذا خطاب للمنافقين . وقيل : للمؤمنين الذين شق عليهم القتال . فقال : { أم حسبتم أن تتركوا } فلا تؤمروا بالجهاد ، ولا تمتحنوا ، ليظهر الصادق من الكاذب .

قوله تعالى : { ولما يعلم الله } ، ولم ير الله .

قوله تعالى : { الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجةً } ، بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم . وقال قتادة : وليجة خيانة . وقال الضحاك : خديعة . وقال عطاء : أولياء . وقال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة ، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة . الرجل من يختص بدخيلة أمره دون الناس ، الرجل : من يختص بدخيلة أمره دون الناس ، يقال : هو وليجتي ، وهم وليجتي ، للواحد والجمع .

قوله تعالى : { والله خبير بما تعملون } .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ} (16)

ولما كان التقدير - لما أرشد إليه تقاعدهم عن القتال وإدخال " أم{[35757]} " المرشد إلى أن مدخوله وسط الكلام فإن الابتداء له الألف وحدها : وهل حسبتم أنه تعالى لا يعلم ذلك أو لا يقدر على نصركم ؟ بنى عليه قوله موبخاً لمن تثاقل عن ذلك بنوع تثاقل : { أم حسبتم } أي لنقص في العقل{[35758]} أنه يبني الأمر فيه على غير الحكمة ، وذلك هو المراد بقوله : { أن تتركوا } أي قارين على ما أنتم عليه من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن من المنافق { ولما } عبر بها لدلالتها - مع استغراق الزمان الماضي - على أن يتبين ما بعدها متوقع كائن{[35759]} { يعلم الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { الذين جاهدوا منكم } أي علماً ظاهراً تقوم به الحجة عليكم في مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم بأن يقع الجهاد في الواقع بالفعل .

ولما كان المعنى : جاهدوا مخلصين{[35760]} ، ترجمه وبسطه بقوله { ولم } أي ولما{[35761]} يعلم الذين لم { يتخذوا } ويجوز أن يكون حالاً ، {[35762]}ودل{[35763]} على تراخي الرتب عن مكانته سبحانه بقوله : { من دون الله } أي الذي لا يعدل عنه ويرغب في غيره من له أدنى بصيرة - كما دل عليه الافتعال - لأنه المنفرد بالكمال ، وأكد النفي بتكرير { لا } فقال : { ولا رسوله } أي الذي هو خلاصة خلقه { ولا المؤمنين } أي الذين{[35764]} اصطفاهم من عباده { وليجة } أي بطانة تباطنونها وتسكنون إليها فتلج أسراركم إليها وأسرارها إليكم ، فإن الوليجة كل شيء أدخلته{[35765]} في شيء ليس منه ، والرجل يكون في قوم وليس منهم وليجة ، فوليجة الرجل من يختصه بدخيلة{[35766]} أمره دون الناس ، يقال : هو وليجتي{[35767]} وهم وليجتي - للواحد والجمع - نقل ذلك البغوي عن أبي عبيدة{[35768]} ، و{[35769]} قال ابن هشام وليجة{[35770]} : دخيلاً وجمعها ولائج ، يقول : لم يتخذوا دخيلاً{[35771]} من دونه يسرون{[35772]} إليه غير ما يظهرون{[35773]} نحو ما يصنع المنافقون ، {[35774]}يظهرون الإيمان للذين آمنوا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم .

والحاصل أنه لا يكون الترك بدون علم الأمرين حاصلين ، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم ، فالمعنى : ولما يكن مجاهدون مخلصون .

ولما كان ظاهر ذلك مظنة أن يتمسك به من لم يرسخ قدمه في المعارف ، ختم بقوله : { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { خبير بما تعملون* } أي سواء برز إلى الخارج أو لا .


[35757]:في الأصل وظ: الميم.
[35758]:من ظ، وفي الأصل: القتل.
[35759]:في ظ: كان، وراجع أيضا الكشاف 2/388.
[35760]:من ظ، وفي الأصل: مخاصمين.
[35761]:زيد من ظ.
[35762]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35763]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[35764]:في الأصل وظ: الذي.
[35765]:في ظ: أدخله.
[35766]:من معالم التنزيل ـ راجع لباب التأويل 3/54، وفي الأصل وظ: بمداخلة.
[35767]:في ظ: وليجة.
[35768]:من المعالم، وفي الأصل وظ: أبي عبيد.
[35769]:سقط من ظ.
[35770]:سقط من ظ.
[35771]:من سيرة ابن هشام 3/51، وفي الأصل وظ: دخلا.
[35772]:من السيرة، وفي الأصل وظ: تسرون.
[35773]:من السيرة، وفي الأصل وظ: تظهرون.
[35774]:زيدت الواو بعده في الأصل، ولم تكن في ظ ولا في السيرة فحذفناها.