( إياك نعبد وإياك نستعين ) . . وهذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة . فلا عبادة إلا لله ، ولا استعانة إلا بالله .
وهنا كذلك مفرق طريق . . مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية ، وبين العبودية المطلقة للعبيد ! وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل . التحرر من عبودية الأوهام . والتحرر من عبودية النظم ، والتحرر من عبودية الأوضاع . وإذا كان الله وحده هو الذي يعبد ، والله وحده هو الذي يستعان ، فقد تخلص الضمير البشري من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص ، كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات . .
وهنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية ، ومن القوى الطبيعية . .
فأما القوى الإنسانية - بالقياس إلى المسلم - فهي نوعان : قوة مهتدية ، تؤمن بالله ، وتتبع منهج الله . . . وهذه يجب أن يؤازرها ، ويتعاون معها على الخير والحق والصلاح . . وقوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه . وهذه يجب أن يحاربها ويكافحها ويغير عليها .
ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية . فهي بضلالها عن مصدرها الأول - قوة الله - تفقد قوتها الحقيقة . تفقد الغذاء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها . وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب ، فما يلبث أن ينطفيء ويبرد ويفقد ناره ونوره ، مهما كانت كتلته من الضخامة . على حين تبقى لأية ذرة متصلة بمصدرها المشع قوتها وحرارتها ونورها : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) . . غلبتها باتصالها بمصدر القوة الأول ، وباستمدادها من النبع الواحد للقوة وللعزة جميعا .
وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها هو موقف التعرف والصداقة ، لا موقف التخوف والعداء . ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله ومشيئته ، محكومتان بإرادة الله ومشيئته ، متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه .
إن عقيدة المسلم توحي إليه أن الله ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقا مساعدا متعاونا ؛ وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها . ويتعرف إليها ، ويتعاون وإياها ، ويتجه معها إلى الله ربه وربها . وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحيانا ، فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها ولم يتعرف إليها ، ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها .
ولقد درج الغربيون - ورثة الجاهلية الرومانية - على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم : " قهر الطبيعة " . . ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة بالله ، وبروح الكون المستجيب لله . فأما المسلم الموصول القلب بربه الرحمن الرحيم ، الموصول الروح بروح هذا الوجود المسبحة لله رب العالمين .
فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غير علاقة القهر والجفوة . أنه يعتقد أن الله هو مبدع هذه القوى جميعا . خلقها كلها وفق ناموس واحد ، لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس . وأنه سخرها للإنسان ابتداء ويسر له كشف أسرارها ومعرفة قوانينها . وأن على الإنسان أن يشكر الله كلما هيأ له أن يظفر بمعونة من إحداها . فالله هو الذي يسخرها له ، وليس هو الذي يقهرها : سخر لكم ما في الأرض جميعا . .
وإذن فإن الأوهام لن تملأ حسه تجاه قوى الطبيعة ؛ ولن تقوم بينه وبينها المخاوف . . إنه يؤمن بالله وحده ، ويعبد الله وحده ، ويستعين بالله وحده . وهذه القوى من خلق ربه . وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها ، فتبذل له معونتها ، وتكشف له عن أسرارها . فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود . . وما أروع قول الرسول [ ص ] وهو ينظر إلى جبل أحد : " هذا جبل يحبنا ونحبه " . . ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد [ ص ] من ود وألفة وتجاوب بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مجاليها .
فلما استجمع الأمر استحقاقاً{[202]} وتحبيباً{[203]} وترغيباً{[204]} وترهيباً{[205]} كان من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال{[206]} عادلاً عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب لهذا{[207]} مقدماً{[208]} للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجدر بالإجابة{[209]} { إياك } أي يا من هذه الصفات صفاته ! { نعبد } إرشاداً{[210]} لهم إلى ذلك ؛ ومعنى { نعبد } كما قال الحرالي : تبلغ الغاية في أنحاء التذلل ، وأعقبه بقوله مكرراً للضمير حثاً{[211]} على المبالغة{[212]} في طلب العون { وإياك نستعين } إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك{[213]} الهداية بيده : فانظر كيف ابتدأ سبحانه{[214]} بالذات ، ثم دل عليه بالأفعال ، ثم رقي إلى الصفات ، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى{[215]} أنه الأول و-{[216]}الآخر المحيط ، فلما حصل{[217]} الوصول إلى شعبة{[218]} من علم الأفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة فعلم العجز عن الوفاء بالحق{[219]} فطلبت الإعانة ، فهو كقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وأبو داود في الصلاة والترمذي وابن ماجه في الدعاء والنسائي وهذا لفظه في التعوذ عن عائشة رضى الله عنها : " أعوذ بعفوك{[220]} من عقوبتك ، وبرضاك{[221]} من سخطك ، وبك{[222]} منك " ثم أتبعه فيما زاد{[223]} عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " وفي آخر سورة اقرأ شرح بديع لهذا الحديث{[224]} .
قال الحرالي : وهذه الآيات أي هذه وما بعدها مما جاء كلام الله فيه جارياً على لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن منه ما هو كلام الله عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطق به الخلق على اختلاف ألسنتهم وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما لا يمكنهم البلوغ إلى كنهه{[225]} لقصورهم وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شيء الإنباء{[226]} عنهم بما كان يجب عليهم مما لا يبلغ إليه وُسع خلقه وجعل تلاوتهم{[227]} لما أنبأ به على ألسنتهم نازلاً لهم منزلة أن لو كان ذلك النطق ظاهراً منهم لطفاً بهم وإتماماً للنعمة عليهم{[228]} ، لأنه تعالى لو وكلهم في ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشيء تصلح{[229]} به{[230]} أحوالهم في دينهم ودنياهم ، ولذلك لا يستطيعون شكر هذه النعمة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم{[231]} من كلامه مما{[232]} يكون{[233]} أداء لحق{[234]} فضله عليهم بذلك ، وإذا كانوا لا يستطيعون الإنباء عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله وتمجيده ، فإذاً{[235]} ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان ذلك أو{[236]} بغير فهم{[237]} ، وتلك هي صلاتهم المقسمة التي ) عبر-{[238]} ) عنها فيما صح عنه عليه الصلاة و{[239]}السلام من قوله تعالى : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين " ثم تلا هذه السورة ؛ فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد{[240]} الله تعالى نفسه ، فإذا تلاها العبد قبل الله منه تلاوة عبده كلامه وجعلها منه حمداً وثناء وتمجيداًَ ، وجاءت هذه الآيات على لسان خلقه فكان ظاهرها التزام عُهَد العبادة وهو ما{[241]} يرجع إلى العبد{[242]} وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهو ما{[243]} يرجع إلى الحق ، فكانت بينه وبين عبده وتقدمت بينيّته{[244]} تعالى ، لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة ، فمن كانت عليه مؤنة شىء فاستعان الله فيها على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته ، فلا يقع لمن اعتمد مقتضى هذه الآية عجز عن مرام أبداً وإنما يقع العجز ببخس{[245]} الحظ من الله تعالى والجهل{[246]} بمقتضى ما أحكمته هذه الآية والغفلة عن النعمة بها ، وفي قوله : { نعبد } بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع . انتهى . وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته ، فاقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال :{ اهدنا الصراط المستقيم }
قوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين ( إياك مفعول نعبد ، وقد قدم المفعول على الفعل اهتماما ، والعرب تقدم في الكلام الأهم ، أي لا نعبد إلا إياك ، ونعبد يعني نطيع ، من العبادة أي الطاعة والتذلل ، والخضوع والامتثال لأوامر الله .
قوله : ( وإياك نستعين( الاستعانة تعني طلب المعونة والتوفيق في كل الأقوال والأعمال ، لا جرم أن الله خير معين لمن يستعينه وخير مجير لمن يستجير به .
وهو وحده حقيق بالرجاء والتضرع إليه داعين متوسلين عسى أن يكتب الخير والعون في الدين والدنيا وأن يدفع الشر والبلايا في الدنيا والآخرة .