( مالك يوم الدين ) . . وهذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها كلية الاعتقاد بالآخرة . . والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة . ويوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة . . وكثيرا ما اعتقد الناس بألوهية الله ، وخلقه للكون أول مرة ؛ ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء . . والقرآن يقول عن بعض هؤلاء : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : الله ) . . ثم يحكي عنهم في موضع آخر : بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون : هذا شيء عجيب . أئذا متنا وكنا ترابا ؟ ذلك رجع بعيد !
والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض ؛ فلا تستبد بهم ضرورات الأرض . وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات . ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود ، وفي مجال الأرض المحصور . وعندئذ يملكون العمل لوجه الله وانتظار الجزاء حيث يقدره الله ، في الأرض أو في الدار الآخرة سواء ، في طمأنينة لله ، وفي ثقة بالخير ، وفي إصرار على الحق ، وفي سعة وسماحة ويقين . . ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب ، والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان . بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية . مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أرادها الله الرب لعباده ، والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال .
وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر . وما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير . وما لم يثق الفرد المحدود العمر بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها ، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمدا على العوض الذي يلقاه فيها . .
وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور ولا خلق ولا سلوك ولا عمل . فهما صنفان مختلفان من الخلق . وطبيعتان متميزتان لا تلتقيان في الأرض في عمل ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء . . وهذا هو مفرق الطريق . .
ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكاً وكانت الربوبية لا تتم إلا بالمِلك المفيد لتمام التصرف ، وكان المالك قد لا يكون ملكا{[171]} ولا يتم ملكه إلا بالملك المفيد للعزة المقرون بالهيبة{[172]} المثمرة{[173]} للبطش والقهر المنتج لنفوذ{[174]} الأمر اتبع ذلك بقوله : { مالِك يوم الدين } ترهيباً من سطوات مجده{[175]} . قال الحرالّي : واليوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر{[176]} ، ثم قال : و { يوم الدين } في الظاهر هو يوم ظهور انفراد الحق بإمضاء المجازاة حيث تسقط دعوى المدعين ، وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فالأبد ، وهو في الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارفة{[177]} الذنب في باطن العامل أثر العمل إلى أشد{[178]} انتهائه في ظاهره ، لأن الجزاء لا يتأخر عن الذنب وإنما يخفى لوقوعه في الباطن وتأخره{[179]} عن معرفة ظهوره في الظاهر ، ولذلك يؤثر عنه عليه الصلاة والسلام : " إن العبد إذا أذنب نكت{[180]} في قلبه{[181]} نكتة سوداء " وأيضاً فكل عقاب يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو جزاء من الله وإن كان أصحاب الغفلة ينسبونه{[182]} للعوائد ، كما قالوا : { مس آباءنا الضراء والسراء{[183]} } [ الأعراف :95 ] ويضيفونه للمعتدين عليهم بزعمهم ، وإنما هو كما قال{[184]} تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم{[185]} } [ الشورى :30 ] وكما{[186]} ورد عنه عليه الصلاة والسلام : " الحمى من فيح جهنم ، وإن شدة{[187]} الحر والقر من نفسها " وهي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم مضروبون به ، ومنهل التجهّم{[188]} الذي أجمعهم{[189]} واردوه{[190]} من حيث لا يشعر به أكثرهم ، قال عليه الصلاة والسلام : " المرض سوط الله في الأرض يؤدب الله به عباده " وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوع الغم والهم والقلق والحرص وغير ذلك ، وهو تعالى مَلِك ذلك كله ومالكه ، سواء ادعى فيه مدع أو لم يدع ، فهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملِك{[191]} يوم الدين ومالكه مطلقاً في الدنيا والآخرة وإلى الملك أنهى{[192]} الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع الأمر عوداً على بدء{[193]} بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا{[194]} عليه من الأوصاف تظهر{[195]} عليهم من الأفعال{[196]} كما قال تعالى :
( وسيجزيهم وصفهم{[197]} }[ الأنعام :193 ] وجزاء بما كانوا يعملون{[198]} }[ السجدة : 17 ] . [ الأحقاف : 4 ] ، [ الواقعة : 24 ] وبه تم انتهاء{[199]} الشرف العلي{[200]} وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى : " مجدني عبدي " انتهى ، ولما لم يكن فرق هنا في الدلالة على الملك بين قراءة " مَلِك " وقراءة " مالك " جاءت الرواية بهما ، وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهرة وعرض ، فلا يكون لأحد معه أمر ولا معنى للمَلِك سوى هذا ، ولما لم تُفد{[201]} إضافته إلى الناس هذا المعنى لم يكن خلاف في
قوله : ( ملك يوم الدين( يوم الدين أي يوم القيامة حيث الحساب والعقاب ، والدين يعني الجزاء ، دانه يدينه أي جازاه ، ومنه ، كما تدين تدان . {[10]}
ويوم القيامة وغيره من مضامين هذا الوجود الهائل مملوك لله الخالق ، فالله عز وعلا مالك الدنيا والآخرة ومالك الحياة والحياء والعالمين ، بل إنه مالك كل شيء .
وتخصيص يوم الدين بالإضافة يحتمل وجهين : أحدهما : تعظيم هذا اليوم المشهود الذي يناقش فيه العباد الحساب ، ويوم القيامة عصيب وحافل بالقوارع والأحداث الفوادح ، لا جرم أن داهية القيامة أمر داهم ومزلزل لا يتصور مداه ذهن أو خيال لهول ما فيه من نوازل وبلايا .
ثانيهما : تعظيم الله سبحانه ، فهو الذي يملك هذا اليوم العصيب وما فيه من أمور وأحداث ومخاليق ، هذا اليوم الذي تنحبس فيه الأنفاس فرقا ورعبا ، وتنحشر فيه الأصوات في الصدور فلا يسمع منها إلا ما كان همسا ، وتغشى العالمين إذ ذاك غواش من الصمت الواجم والتربص الحسير ، وحينئذ يقف العالمون بين يدي الله ضعافا ذاخرين حيارى ، فالله بذلك حقيق بالحمد والعبادة والخضوع له من الخلائق والعالمين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.