وينطلق السياق فإذا نحن أمام المشهد الثالث :
( فانطلقا . حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ) .
إنهما جائعان ، وهما في قرية أهلها بخلاء ، لا يطعمون جائعا ، ولا يستضيفون ضيفا . ثم يجد أن جدارا مائلا يهم أن ينقض . والتعبير يخلع على الجدار حياة وإرادة كالأحياء فيقول : ( يريد أن ينقض )فإذا الرجل الغريب يشغل نفسه بإقامة الجدار دون مقابل ! ! !
وهنا يشعر موسى بالتناقض في الموقف . ما الذي يدفع هذا الرجل أن يجهد نفسه ويقيم جدارا يهم بالانقضاض في قرية لم يقدم لهما أهلها الطعام وهما جائعان ، وقد أبوا أن يستضيفوهما ? أفلا أقل من أن يطلب عليه أجرا يأكلان منه ?
{ فانطلقا } بعد قتله { حتى إذا أتيا أهل قرية } {[47062]}عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة {[47063]}لأنه أدل على الذم ، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليه السلام{[47064]} ؛ ثم وصفها {[47065]}ليبين أن{[47066]} لها مدخلاً في لؤم أهلها بقوله تعالى : { استطعما } وأظهر ولم يضمر في قوله : { أهلها } لأن {[47067]}الاستطعام لبعض من أتوه ، أوكل{[47068]} من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد ، وهذا هو{[47069]} الظاهر ، لأنه هو الموافق للعادة .
قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل : ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين{[47070]} الأفهام في{[47071]} القرآن : اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين : أحدهما يتقدم فيه الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق{[47072]} بعضهم لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا ، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس ، ولم يصل إليه تخاطب الخلق . فإذا كان البيان عن إحاطة ، تقدم الإضمار { قل هو الله أحد } وإذا كان عن اختصاص ، تقدم الإظهار{[47073]} { الله الصمد } وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد{[47074]} } {[47075]}أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته{[47076]} ، وإذا أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار ، أو بجمع المضمر والمظهر{[47077]}
{ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم{[47078]} }[ الحجرات : 1 ]
{ إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد{[47079]} }[ البروج : 12 ] { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة{[47080]} }[ الحشر : 22 ] والتفطن لما اختص به بيان القرآن{[47081]} عن بيان الإنسان من هذا النحو من مفاتيح أبواب الفهم ، ومن نحوه { أتيا أهل قرية استطعما أهلها } استأنف للمستطعمين{[47082]} إظهاراً{[47083]} غير إظهارعموم المأتيين{[47084]} - انتهى . وجعل السبكي الإتيان للبعض ، والاستطعام للكل ، لأنه أشد ذماً لأهل القرية وأدل على شر طبعها ، ومن قال بالأول مؤيد بقول الشافعي في كتاب الرسالة{[47085]} في باب ما نزل من الكتاب عاماً{[47086]} يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول الله عز وجل { حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها } : وفي هذه الآية أدل{[47087]} دلالة على أنه{[47088]} لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى ، وبيان ذلك أن نكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى ، وإذا أعيدت معرفة كانت عيناً في الأغلب .
ولما أسند الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع ، فلو قيل : استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتيين ، فلما عدل عنه - مع أنه أخصر - إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول فائدة ، وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض ، وإلا لم يكن غيره ولا كان للعدول فائدة{[47089]} . { فأبوا{[47090]} } أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون {[47091]}من أهل القرية { أن يضيفوهما } {[47092]}أي ينزلوهما ويطعموهما{[47093]} فانصرفا عنهم { فوجدا فيها } أي القرية ، {[47094]}ولم يقل : فيهم ، إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع{[47095]} { جداراً } مشرفاً على السقوط ، وكذا{[47096]} قال مستعيراً لما لا يعقل صفة ما{[47097]} يعقل : { يريد أن ينقض } {[47098]}أي يسقط سريعاً{[47099]} فمسحه الخضر{[47100]} بيده { فأقامه } .
{[47101]}ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب " إذا " بقوله{[47102]} : { قال } {[47103]}أي له موسى عليه السلام : { لو شئت لتخذت } لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء { عليه } {[47104]}أي على إقامة الجدار{[47105]} { أجراً * } نأكل به ، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها ، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال
قوله تعالى : { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ( 77 ) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ( 78 ) } خرج موسى والخضر بعد المرتين الأوليين حتى أتيا أهل قرية ، أشحّة لئام ، فطافا في مجالسهم طالبين منهم الطعام والضيافة ( فأبوا أن يضيفوهما ) وذلك لفرط لؤمهم وشدة بخلهم . ولم يذكر في الآية اسم القرية . فاختلفت في ذلك أقوال العلماء على عدة أقوال ولا حاجة لتبيان ما ذكر في ذلك من أسماء مظنونة . والمهم هنا مضمون القصة عن أهل هذه القرية اللئام وعن تشريع الضيافة وحق الضيافة في التكريم .
وفي ذلك روى الشيخان عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن النبي ( ص ) قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " .
وروى الشيخان كذلك عن أبي شريح الخزاعي ( رضي الله عنه ) قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته " قالوا : وما جائزته يا رسول الله ؟ قال " يومه وليلته ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة " ويستفاد من ذلك وجوب إتحاف{[2855]} الضيف وذلك بإطعامه وإيوائه مدته المستحقة وهي يوم وليلة . وما بعد ذلك من أيام فإنه يكرم فيها استحبابا .
قوله : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ) ( ينقض ) من الانقضاض وهو السقوط{[2856]} . وقد أسند الإرادة إلى الجدار من باب الاستعارة ؛ فقد كان الجدار مائلا يوشك أن يقسط ( فأقامه ) أي بناه فأعاده قائما . وقيل : هدمه ثم أخذ يبنيه من جديد ليرده قويا مستقيما ، وقيل : مسحه بيده وأقامه فقام . وهذا وجه الكرامات الخارقة للعادة التي يجريها الله على أيدي أنبيائه أو أوليائه . ثم لم يصبر موسى عن الاعتراض على إقامة هذا الجدار الآيل للسقوط فقال له : ( لو شئت لتخذت عليه أجرا ) أي ما كان ينبغي أن تعمل مجانا لهؤلاء البخلاء الأشحة فتبني لهم الجدار الآيل للسقوط ؛ بل كان أجدر أن تطلب الجعل منهم في مقابلة عملك لكي نرد عن أنفسنا الضرورة .