نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} (77)

{ فانطلقا } بعد قتله { حتى إذا أتيا أهل قرية } {[47062]}عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة {[47063]}لأنه أدل على الذم ، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليه السلام{[47064]} ؛ ثم وصفها {[47065]}ليبين أن{[47066]} لها مدخلاً في لؤم أهلها بقوله تعالى : { استطعما } وأظهر ولم يضمر في قوله : { أهلها } لأن {[47067]}الاستطعام لبعض من أتوه ، أوكل{[47068]} من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد ، وهذا هو{[47069]} الظاهر ، لأنه هو الموافق للعادة .

قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل : ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين{[47070]} الأفهام في{[47071]} القرآن : اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين : أحدهما يتقدم فيه الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو خطاب الخلق{[47072]} بعضهم لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا ، والثاني يتقدم فيه الإضمار وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس ، ولم يصل إليه تخاطب الخلق . فإذا كان البيان عن إحاطة ، تقدم الإضمار { قل هو الله أحد } وإذا كان عن اختصاص ، تقدم الإظهار{[47073]} { الله الصمد } وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد{[47074]} } {[47075]}أي هذا الذي عم بأحديته وخص بصمديته{[47076]} ، وإذا أحاط البيان بعد اختصاص استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط أو بإضمار ، أو بجمع المضمر والمظهر{[47077]}

{ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم{[47078]} }[ الحجرات : 1 ]

{ إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدىء ويعيد{[47079]} }[ البروج : 12 ] { هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة{[47080]} }[ الحشر : 22 ] والتفطن لما اختص به بيان القرآن{[47081]} عن بيان الإنسان من هذا النحو من مفاتيح أبواب الفهم ، ومن نحوه { أتيا أهل قرية استطعما أهلها } استأنف للمستطعمين{[47082]} إظهاراً{[47083]} غير إظهارعموم المأتيين{[47084]} - انتهى . وجعل السبكي الإتيان للبعض ، والاستطعام للكل ، لأنه أشد ذماً لأهل القرية وأدل على شر طبعها ، ومن قال بالأول مؤيد بقول الشافعي في كتاب الرسالة{[47085]} في باب ما نزل من الكتاب عاماً{[47086]} يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول الله عز وجل { حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها } : وفي هذه الآية أدل{[47087]} دلالة على أنه{[47088]} لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى ، وبيان ذلك أن نكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى ، وإذا أعيدت معرفة كانت عيناً في الأغلب .

ولما أسند الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع ، فلو قيل : استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتيين ، فلما عدل عنه - مع أنه أخصر - إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول فائدة ، وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض ، وإلا لم يكن غيره ولا كان للعدول فائدة{[47089]} . { فأبوا{[47090]} } أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون {[47091]}من أهل القرية { أن يضيفوهما } {[47092]}أي ينزلوهما ويطعموهما{[47093]} فانصرفا عنهم { فوجدا فيها } أي القرية ، {[47094]}ولم يقل : فيهم ، إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع{[47095]} { جداراً } مشرفاً على السقوط ، وكذا{[47096]} قال مستعيراً لما لا يعقل صفة ما{[47097]} يعقل : { يريد أن ينقض } {[47098]}أي يسقط سريعاً{[47099]} فمسحه الخضر{[47100]} بيده { فأقامه } .

{[47101]}ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب " إذا " بقوله{[47102]} : { قال } {[47103]}أي له موسى عليه السلام : { لو شئت لتخذت } لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء { عليه } {[47104]}أي على إقامة الجدار{[47105]} { أجراً * } نأكل به ، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها ، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال


[47062]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47063]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47064]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47065]:العبارة من هنا إلى "لؤم أهلها" ساقطة من ظ.
[47066]:زيد من مد.
[47067]:العبارة من هنا إلى "الموافق للعادة" ساقطة من ظ.
[47068]:من مد، وفي الأصل: لكل.
[47069]:سقط من مد.
[47070]:من مد وفي الأصل وظ: متين.
[47071]:من ظ ومد وفي الأصل: من.
[47072]:في ظ: الاظهار.
[47073]:زيد من مد، وموضعه في ظ: الاضمار.
[47074]:زيد من ظ ومد والقرآن.
[47075]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47076]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47077]:من ظ ومد وفي الأصل: المضمر.
[47078]:سورة 49 آية 1.
[47079]:سورة 85 آية 12 و 13.
[47080]:سورة 59 آية 22.
[47081]:زيد بعده في الأصل: أي المحش المذكور ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[47082]:من مد، وفي الأصل وظ: المستطعمين.
[47083]:من ظ ومد، وفي الأصل: اظهار.
[47084]:العبارة من هنا إلى "المستطعمون" ص 116 ص 6 ساقطة من ظ.
[47085]:ص 11.
[47086]:من الرسالة وفي مد: على ما.
[47087]:ليس في الرسالة.
[47088]:من الرسالة، وفي مد: أن.
[47089]:زيد ما بين الحاجزين من مد.
[47090]:تأخر في الأصل عن "المستطعمون" والترتيب من ظ ومد.
[47091]:زيد في الأصل: أي ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها، والعبارة من هنا – بما فيها هذه الكلمة – إلى "أهل القرية" ساقطة من ظ.
[47092]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47093]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47094]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47095]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47096]:في ظ: لذا والعبارة فيه من بعده إلى "ما يعقل" ساقطة.
[47097]:زيد في مد:لا.
[47098]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47099]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47100]:سقط من مد.
[47101]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47102]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47103]:سقط من مد.
[47104]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47105]:سقط ما بين الرقمين من مد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} (77)

قوله تعالى : { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ( 77 ) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ( 78 ) } خرج موسى والخضر بعد المرتين الأوليين حتى أتيا أهل قرية ، أشحّة لئام ، فطافا في مجالسهم طالبين منهم الطعام والضيافة ( فأبوا أن يضيفوهما ) وذلك لفرط لؤمهم وشدة بخلهم . ولم يذكر في الآية اسم القرية . فاختلفت في ذلك أقوال العلماء على عدة أقوال ولا حاجة لتبيان ما ذكر في ذلك من أسماء مظنونة . والمهم هنا مضمون القصة عن أهل هذه القرية اللئام وعن تشريع الضيافة وحق الضيافة في التكريم .

وفي ذلك روى الشيخان عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن النبي ( ص ) قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " .

وروى الشيخان كذلك عن أبي شريح الخزاعي ( رضي الله عنه ) قال : سمعت رسول الله ( ص ) يقول : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته " قالوا : وما جائزته يا رسول الله ؟ قال " يومه وليلته ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة " ويستفاد من ذلك وجوب إتحاف{[2855]} الضيف وذلك بإطعامه وإيوائه مدته المستحقة وهي يوم وليلة . وما بعد ذلك من أيام فإنه يكرم فيها استحبابا .

قوله : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ) ( ينقض ) من الانقضاض وهو السقوط{[2856]} . وقد أسند الإرادة إلى الجدار من باب الاستعارة ؛ فقد كان الجدار مائلا يوشك أن يقسط ( فأقامه ) أي بناه فأعاده قائما . وقيل : هدمه ثم أخذ يبنيه من جديد ليرده قويا مستقيما ، وقيل : مسحه بيده وأقامه فقام . وهذا وجه الكرامات الخارقة للعادة التي يجريها الله على أيدي أنبيائه أو أوليائه . ثم لم يصبر موسى عن الاعتراض على إقامة هذا الجدار الآيل للسقوط فقال له : ( لو شئت لتخذت عليه أجرا ) أي ما كان ينبغي أن تعمل مجانا لهؤلاء البخلاء الأشحة فتبني لهم الجدار الآيل للسقوط ؛ بل كان أجدر أن تطلب الجعل منهم في مقابلة عملك لكي نرد عن أنفسنا الضرورة .


[2855]:- الإتحاف والتحفة، ما أتحفت به الرجل من البر واللطف. انظر مختار الصحاح ص 76.
[2856]:- مختار الصحاح ص 540.