ثم يعقب السياق بومضة أخرى مكملة للومضة الأولى :
( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ؛ ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ؛ وهو بكل شيء عليم ) . .
ويكثر المفسرون والمتكلمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسماء ، يتحدثون عن القبلية والبعدية . ويتحدثون عن الاستواء والتسوية . . وينسون أن " قبل وبعد " اصطلاحان بشريان لا مدلول لهما بالقياس إلى الله تعالى ؛ وينسون أن الاستواء والتسوية اصطلاحان لغويان يقربان إلى التصور البشري المحدود صورة غير المحدود . . ولا يزيدان . . وما كان الجدل الكلامي الذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التعبيرات القرآنية ، إلا آفة من آفات الفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية عند اليهود والنصارى ، عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية ، وللعقلية الإسلامية الناصعة . . وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة ، فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام ! !
فلنخلص إذن إلى ما وراء هذه التعبيرات من حقائق موحية عن خلق ما في الأرض جميعا للإنسان ، ودلالة هذه الحقيقة على غاية الوجود الإنساني ، وعلى دوره العظيم في الأرض ، وعلى قيمته في ميزان الله ، وما وراء هذا كله من تقرير قيمة الإنسان في التصور الإسلامي ؛ وفي نظام المجتمع الإسلامي . .
( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) . .
إن كلمة( لكم )هنا ذات مدلول عميق وذات إيحاء كذلك عميق . إنها قاطعة في أن الله خلق هذا الإنسان لأمر عظيم . خلقه ليكون مستخلفا في الأرض ، مالكا لما فيها ، فاعلا مؤثرا فيها . إنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض ؛ والسيد الأول في هذا الميراث الواسع . ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور الأول ؛ إنه سيد الأرض وسيد الآلة ! إنه ليس عبدا للآلة كما هو في العالم المادي اليوم . وليس تابعا للتطورات التي تحدثها الآلة في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدعي أنصار المادية المطموسون ، الذين يحقرون دور الإنسان ووضعه ، فيجعلونه تابعا للآلة الصماء وهو السيد الكريم ! وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان ، ولا أن تستذله أو تخضعه أو تستعلي عليه ؛ وكل هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان ، مهما يحقق من مزايا مادية ، هو هدف مخالف لغاية الوجود الإنساني . فكرامة الإنسان أولا ، واستعلاء الإنسان أولا ، ثم تجيء القيم المادية تابعة مسخرة .
والنعمة التي يمتن الله بها على الناس هنا - وهو يستنكر كفرهم به - ليست مجرد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعا ، ولكنها - إلى ذلك - سيادتهم على ما في الأرض جميعا ، ومنحهم قيمة أعلى من قيم الماديات التي تحويها الأرض جميعا . هي نعمة الاستخلاف والتكريم فوق نعمة الملك والانتفاع العظيم .
( ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ) . .
ولا مجال للخوض في معنى الاستواء إلا بأنه رمز السيطرة ، والقصد بإرادة الخلق والتكوين . كذلك لا مجال للخوض في معنى السماوات السبع المقصودة هنا وتحديد أشكالها وأبعادها . اكتفاء بالقصد الكلي من هذا النص ، وهو التسوية للكون أرضه وسمائه في معرض استنكار كفر الناس بالخالق المهيمن المسيطر على الكون ، الذي سخر لهم الأرض بما فيها ، ونسق السماوات بما يجعل الحياة على الأرض ممكنة مريحة .
بما أنه الخالق لكل شيء ، المدبر لكل شيء . وشمول العلم في هذا المقام كشمول التدبير . حافز من حوافز الإيمان بالخالق الواحد ، والتوجه بالعبادة للمدبر الواحد ، وإفراد الرازق المنعم بالعبادة اعترافا بالجميل .
وهكذا تنتهي الجولة الأولى في السورة . . وكلها تركيز على الإيمان ، والدعوة إلى اختيار موكب المؤمنين المتقين . .
ولما أجمل سبحانه في أول{[1465]} هذه الآية أول أمرهم وأوسطه وآخره{[1466]} على الوجه الذي تقدم أنه منبه على أن الكفر ينبغي أن يكون من قبيل الممتنع{[1467]} لما عليه من باهر{[1468]} الأدلة شرع{[1469]} يفصله على وجه داع لهم إلى جنابه{[1470]} بالامتنان بأنواع الإحسان{[1471]} بأمر أعلى في إفادة المقصود مما قبله على عادة القرآن في الترقي من العالي إلى الأعلى فساق{[1472]} سبحانه ابتداء الخلق الذي هو من أعظم الأدلة على وحدانيته مساق الإنعام على عباده بما فيه من منافعهم ليكون داعياً إلى توحيده من وجهين : كونه دالاً على عظمة مؤثرة وكمال قدرته ، وكونه إحساناً إلى عباده ولطفاً بهم ، وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فقال{[1473]} : { هو }{[1474]} ، قال الحرالي : وهي كلمة مدلولها العلي{[1475]} غيب الإلهية القائم بكل شيء الذي لا يظهر لشيء ، فذاته أبداً غيب ، وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم الله إلى تنزل اسم الملك ، فما بينهما من الأسماء المظهرة ، ثم قال : لما انتهى الخطاب بذكر إرجاعهم إلى الله وكان هذا خطاباً خاصاً مع المتمادي على كفره اتبع عند إعراضه وإدباره بهذا الحتم{[1476]} تهديداً رمى به بين أكتافهم{[1477]} وتسبيباً نيط بهم ومُدّ لهم كالمرخى له في السبب{[1478]} الذي يراد أن يجذب به ، إما بأن يتداركه لطف فيرجع عليه طوعاً ، أو يراد به قسراً عند انتهاء مدى إدباره ، وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها ، إلا أن هذه على نهاية الاقتطاع بين طرفيها وتلك على أظهر الاتساق ؛ فأبعدوا في هذه كل البعد بإسناد الأمر إلى اسم هو الذي هو غيب اسم الله وأسند إليه خلق ما خلق لهم في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى .
الذي خلق لكم{[1479]} } {[1480]}ديناً ودنيا{[1481]} لطفاً بكم { ما في الأرض } أي{[1482]} بعد أن سواهن سبعاً ، قال الحرالي : وقوله : { جميعاً } إعلام بأن حاجة الإنسان لا تقوم بشيء دون شيء وإنما تقوم بكلية ما في الأرض حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها - انتهى . {[1483]}والآية دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة ، فلا يمنع شيء إلا بدليل{[1484]} .
ولما كانت السماء{[1485]} أشرف من جهة العلو الذي لا يرام ، والجوهر البالغ في{[1486]} الأحكام ، والزينة{[1487]} البديعة النظام ، المبنية على المصالح الجسام ، وكثرة المنافع والأعلام ، عبر في أمرها بثم فقال{[1488]} : { ثم استوى إلى السماء } أي {[1489]}وشرف على ذلك جهة العلو بنفس الجهة والحسن والطهارة وكثرة المنافع ، ثم علق إرادته ومشيئته بتسويتها من غير أدنى عدول ونظر إلى غيرها ، وفخم أمرها بالإبهام ثم التفسير ، والإفراد{[1490]} الصالح لجهة العلو تنبيهاً على الشرف ، وللجنس الصالح للكثرة ، ولذلك أعاد الضمير جمعاً ، فكان خلق الأرض وتهيئتها لما يراد منها قبل خلق السماء ، ودحوها{[1491]} بعد خلق السماء ؛ على {[1492]}أن ثم للتعظيم لا للترتيب فلا إشكال ، وتقديم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة . و{[1493]}قال الحرالي : أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى السماء الذي هو موضع التخوف لهم لنزول{[1494]} المخوفات منه عليهم فقيل لهم : هذا المحل الذي تخافون{[1495]} منه هو استوى إليه ، ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة والمكانة أحق بمعناه من موقعه في المكان والشهادة ؛ وبالجملة فالأحق بمجرى الكلِم وقوعها{[1496]} نبأ عن{[1497]} الأول الحق ، ثم وقوعها نبأ{[1498]} عما في أمره وملكوته ، ثم وقوعها نبأ{[1499]} عما في ملكه وإشهاده ؛ فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح{[1500]} أن تختص بالمحسوسات البادية في الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت ، وما به ظهر الملك والملكوت من نبأ الله عن نفسه{[1501]} من الاستواء{[1502]} ونحوه{[1503]} في نبأ الله عن نفسه أحق حقيقة ، ثم النبأ به عن الروح مثلاً واستوائها على الجسم ثم على الرأس مثلاً واستوائه على الجثة فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ على بواطنها بل كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ ؛ وبذلك يندفع كثير من لبس الخطاب على المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم { فسوَّاهُنَّ }{[1504]} التسوية إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء { سبع سماوات } أعطى لكل واحدة منهن حظها
وأوحى في كل سماء أمرها{[1505]} }[ فصلت : 12 ] انتهى . وخلق جميع ما فيها لكم ، فالآية من الاحتباك ؛ حذف{[1506]} أولاً كون الأراضي سبعاً لدلالة الثاني عليه ، وثانياً كون ما في السماء لنا لدلالة الأول عليه ؛ وهو فن عزيز نفيس وقد جمعت فيه كتاباً حسناً ذكرت فيه تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني{[1507]} من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام الفقهاء وسميته " الإدراك لفن الاحتباك " .
ولما كان الخلق على هذه الكيفية دالاً بالبديهة على أتم قدرة لصانعه وكان العلم بأن مبنى ذلك على العلم محتاجاً إلى تأمل اغتنى في مقطع الآية بقوله : { وهو بكل شيء عليم } أي فهو على كل شيء قدير .
قوله : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم ( الله جل جلاله قد أنشأ الأرض وما فيها من العدم ، إذ لا يتصف شيء في الحياة أو الوجود بالأزلية ، وتلك صفة أساسية وكبرى ليست لغير الله الخالق المبدع الذي أوجد الحياة والكائنات والأشياء ، أوجد الأرض وما عليها وما في باطنها من خلائق كثيرة كالمياه والمعادن وأصناف الأتربة .
وفي قوله : ( لكم ( تذكير بالمنة من الله على الناس ، فقد أوجد لهم الأرض بما يركم في جوفها وعلى متنها من أسباب الحياة والعيش الآمن الميسور وذلك كالهواء والغذاء والماء وغير ذلك من خليقة مبثوثة في كل مناحي الأرض مما يحقق للإنسان عيشه الآمن .
قوله : ( ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ( الكلمة ( ثم ( تتعلق بالخلق لا بالإرادة أي تفيد الترتيب من حيث الإنشاء والإبداع لا من حيث الإرادة المقترنة بعلم الله الأزلي .
ذلك أن إرادة الله القاضية بخلق الأشياء لم تأت على مراحل فإن ذلك لا يتحقق إلا بالنسبة للخلق والإيجاد ، أما إرادة الله القاضية بالخلق فإنها قديمة قدم الذات العلية نفسها . والله سبحانه من صفاته الإرادة فلم تكن هذه لتأتي على مراحل تعالى الله ذلك .
وقوله : ( استوى إلى السماء ( فإن أقوال المفسرين تكاد تجمع على أن ( استوى ( بمعنى قصد ، فبعد أن خلق الله الأرض قصد إلى السماء ليخلقها ، وقيل : ( استوى إلى السماء ( أي صعد إليها ، والقول الأول هو الراجح والله أعلم .
على أن ظاهر الآية يفيد أن خلق الأرض كان سابقا لخلق السماء ، يعزز ذلك قوله تعالى : ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداد ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض اثنيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين( .
واستدل آخرون على أن خلق السماء كان أسبق من خلق الأرض بقوله تعالى بعد ذكر خلق السماء : ( والأرض بعد ذلك دحاها( لكن التأويل المناسب لمدلول النصين خروجا من التعارض بينهما هو أن الأرض إذ خلقت قبل السماء لم يكن خلقها على الشكل الأولى الذي تصلح معه الحياة ، بل كان ذلك على سبيل الإيجاد البدائي المجرد أو التخليق الذي لم يكن متبلورا بعد ، وإنما حصل التبلور والاكتمال في خلق الأرض بما تصلح معه للحياة بعد أن خلقت السماء ، ويمكن إدراك هذا المعنى من المفهوم الوارد في الآية ، فدحي الأرض يعني جعلها صالحة للحياة والعيش بإيجاد الأسباب لذلك من إخراج للمياه ، وإنبات للزرع والشجر ، وإيجاد للهواء وغير ذلك مما ييسر للخلائق أن تعيش .
قوله : ( فسواهن سبع سماوات ( أي جعلهن وصيرهن سبع سماوات ، والفعل سواهن من الاستواء وهو الاعتدال والاستقامة ، وبذلك فإنه يقهم من ظاهر العبارة أن الله خلق السماوات السبع على نحو سوي معتدل ليس فيه اعوجاج أو خلل ، بل خلق متوازن مترابط لا يعتوره أدنى ضعف أو تعارض أو فوضى ، يقول سبحانه في كلمات كريمة أخرى : ( الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ( .
قوله : ( وهو بكل شيء عليم ( ( هو ( ضمير في محل رفع مبتدأ ، وخبره ( عليم ( وذلك تعظيم لقدر الله ، وإظهار لشأنه الأجل وعلمه الذي وسع كل شيء فهو سبحانه محيط علمه بالأشياء والحوادث جميعا وعالم بالأسرار والخفايا والأستار والخبايا وبكل ما استكن في هذا الوجود . {[33]}