( قل للمؤمنين : يغضوا من أبصارهم ، ويحفظوا فروجهم . ذلك أزكى لهم . إن الله خبير بما يصنعون ) . .
وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي ، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام . كما أن فيه إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية . ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم !
وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر . أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة ، ويقظة الرقابة ، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى . ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة ؛ بوصفهما سببا ونتيجة ؛ أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع . كلتاهما قريب من قريب .
( ذلك أزكى لهم ) . . فهو أطهر لمشاعرهم ؛ وأضمن لعدم تلوثها بالانفعالات الشهوية في غير موضعها المشروع النظيف ، وعدم ارتكاسها إلى الدرك الحيواني الهابط . وهو أطهر للجماعة وأصون لحرماتها وأعراضها ، وجوها الذي تتنفس فيه .
والله هو الذي يأخذهم بهذه الوقاية ؛ وهو العلم بتركيبهم النفسي وتكوينهم الفطري ، الخبير بحركات نفوسهم وحركات جوارحهم : ( إن الله خبير بما يصنعون ) . .
فإنه وإن وقع الاحتراز من الخونة بالحجاب فلا بد من الخلطة لما بني عليه الإنسان من الحاجة إلى العشرة ، ولذلك اتصل به على طريق الاستئناف قوله تعالى ؛ مقبلاً على أعلى خلقه فهماً وأشدهم لنفسه ضبطاً دون بقيتهم ، إشارة إلى صعوبة الأمر وخطر المقام ، مخوفاً لهم بالإعراض عنهم ، بالتردي برداء الكبر ، والاحتجاب في مقام القهر : { قل للمؤمنين } فعبر بالوصف إشارة إلى عدم القدرة على الاحتراز من المخالط بعد الخلطة ، وأنه لا يعف فيها إلا من رسخ الإيمان في قلبه لخفاء الخيانة حينئذ بخلاف ما سبق في المنع من الدخول حيث كان التعبير ب " الذين آمنوا " { يغضوا } أي يخفضوا ولا يرفعوا ، بل يكفوا عما نهوا عنه .
ولما كان الأمر في غاية العسر ، قال : { من أبصارهم } بإثبات من التبعيضية إشارة إلى العفو عن النظرة الأولى ، وأن المأخوذ به إنما هو التمادي ، ولما كان البصر يريد الزنا قدمه .
ولما كان حفظ الفرج لخطر المواقعة أسهل من حفظ البصر ، ولأنه لا يفعل به من غير اختبار ، حذف " من " لقصد العموم فقال : { ويحفظوا فروجهم } أي عن كل حرام من كشف وغيره ولم يستثن الزوجة وملك اليمين استغناء عنه بما سبق في المؤمنون ، ولأن المقام للتهويل في أمر للحفظ والتشديد ، ورغب في ذلك بتعليله بقوله : { ذلك } أي الأمر العالي العظيم من كل من الغض والحفظ الذي أمرتهم به { أزكى لهم } أي أقرب إلى أن ينموا ويكثروا ويطهروا حساً ومعنى ، ويبارك لهم ، أما الحسي فهو أن الزنا مجلبة للموت بالطاعون ، ويورث الفقر وغيرهما من البلايا " ما من قوم ظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالسنة "
رواه أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، ورواه عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في كتاب الفتوح ولفظه " ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالفنا وما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة ، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب الزنا يورث الفقر " رواه البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما وإذا ظهر الزنا ظهر الفقر والمسكنة وراه ابن ماجة والبزار وهذا لفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما - والبيهقي ولفظه : " الزنا يورث الفقر " وفي رواية له " ما ظهرت الفاحشة في قوم قط يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم " ورواه عنه ابن إسحاق في السيرة في سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى دومة الجندل ولفظه : " إنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقضوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجورالسلطان ، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، فلولا البهائم ما مطروا ، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم ، فأخذ بعض ما كان في أيديهم ، وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله وتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم " وفي الترغيب للمنذري عن ابن ماجة والبزار والبيهقي عنه رضي الله عنه نحو هذا اللفظ ، وفي آخر السيرة عن أبي بكر رضي الله عنه في خطبته عندما ولي الخلافة : لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء . وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال " ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقى في قلوبهم الرعب ، ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت ، ولا نقص قوم قط المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق ، ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم ، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط عليهم العدو " وروى الطبراني في الأوسط عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كثرت الفاحشة كثر النساء ، وجار السلطان " وفيه : " أمثلهم في ذلك الزمان المداهن . إذا ظهر الربا والزنا في قرية آذن الله في هلاكها " رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وأما المعنوي فروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : " ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها "
قال ابن كثير : وروي هذا مرفوعاً عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم ولكن في أسانيدها ضعف . وساق له شاهداً من الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ : " إن النظرة سهم من سهام إبليس مسموم ، من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه " فعلم من ذلك أن من تخلق بما أمره الله هنا كان قلبه موضعاً للحكمة ، وفعله أهلاً للنجح ، وذكره مقروناً بالقبول .
ولما كان الزكاء يتضمن التكثير والتطهير ، وكان الكلام هنا في غض البصر ، وكان ظاهراً جداً في الطهارة ، لم يدع داع إلى التأكيد بالتصريح بالطهارة ، وأما آية البقرة فلما كانت في العضل ، وكان لا يكون إلا عن ضغائن وإحن فكان الولي ربما ظن أن منعها عمن عضلها عنه أطهر له ولها . أكد العبارة بفعل الزكاء بالتصريح بما أفهمه من الطهارة .
ولما كان المقام صعباً لميل النفوس إلى الدنايا واتباعها للشهوات ، علل هذا الأمر مرغباً ومرهباً بقوله : { إن الله } أي الذي لا يخفى عليه شيء لما له من الإحاطة الكاملة { خبير } ولما كان وازع الحياء مع ذلك مانعاً عظيماً فلا يخالف إلا بمعالجة وتدرب ، عبر بالصنعة فقال : { بما يصنعون* } أي وإن تناهوا في إخفائه ، ودققوا في تدبير المكر فيه .
قوله تعالى : { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ( 30 ) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين لعلكم تفلحون ( 31 ) } .
هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بأن يكفوا أبصارهم عما حُرم النظر إليه فلا ينظروا إلا إلى ما أبيح النظر إليه .
ومن الحقائق البديهية أن البصر لهو أعظم سبيل يفضي إلى تحريك النفس من الداخل . فما تفتأ النفس ساكنة راقدة هادئة غير مفتونة حتى تؤزها فتنة الجسد المنظور . وطريق ذلك وسببه البصر . فإنه ينقل بوساطة الأعصاب الموصولة بالداخل ، حقيقة المنظر المؤثر لتفتتن به النفس وتميد . فلا جرم أن يكون الكف من البصر عن النظر إلى المحرمات سببا عظيما في انتفاء الفتنة أو التخفيف من شدتها وغلوائها .
ومن هنا يأتي تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات لمجرد التلذذ والشهوة . وفي ذلك جاء في الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله ( ص ) : " إياكم والجلوس على الطرقات " قالوا : يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها . فقال رسول الله ( ص ) : " إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه " قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : " غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " . فقد أمر بغض البصر من غير لزوم ولا حاجة تدعو للنظر إلا التلذذ والتشهي . فإن مثل هذا النظر مدعاة لتحريك الشهوة والافتتان من الداخل مع ما يصحب ذلك من تلهف القلب وشدة انشغاله ، ومن اضطراب الأعصاب وبالغ احترارها ، وفي هذه الغمرة من الفتنة تغيب عن النفس نعمة الراحة والسكون فتظل مفتتنة مشبوبة ، فضلا عما يفضي إليه ذلك من الرغبة اللحاحة في قضاء الوطر الأخير وهو الزنا .
وفي الصحيح عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله ( ص ) : " كتب على بن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ؛ فزنا العينين النظر ، وزنا اللسان النطق ، وزنا الأذنين الاستماع ، وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين الخطى . والنفس تمنى وتشتهي . والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .
ولقد كان كثير من علماء السلف ينهون عن إدامة النظر إلى الأمرد لاحتمال الفتنة والغواية . فما ينبغي للمؤمن أن يديم النظر لوجه الأمرد دون حاجة ، دفعا للشيطان أن ينفخ في عروق الناظر فيحرك فيه كوامن الغريزة المستنيمة .
على أنه من خصائص الإسلام المميزة حرصه على الوقاية قبل العلاج ؛ فإن الوقاية لهي الأهم ؛ لأنها تحول دون التلبس بالفواحش والمنكرات . وعلى هذا فإن الإسلام ؛ إذ يهيمن بعقيدته وتشريعه على أمة ، يبادر في تبديد بواعث الفتنة والغواية والفساد من بين الناس . فما من سبب يفضي إلى المعصية أو الفاحشة إلا منعه الإسلام وحرمه تحريما قبل أن تقع المعصية أو الفاحشة نفسها . وفاحشة الزنا لا تقع بغتة إلا عقب أسباب ومقدمات وبواعث تؤول إلى الزنا نفسه . فكان من مسلمات المنطق حظر هذه الأسباب والمقدمات كيلا يقع الزنا نفسه . على أن الأسباب والمؤديات إلى الزنا كثيرة : أولها وأهونها وأيسرها النظر ؛ فهو السبب البسيط الأول الذي يطرق المشاعر والأعصاب لتأخذ الشهوة بعد ذلك في التحرك والاضطراب والتململ . ومن هنا جاء الأمر بغض البصر عن المحارم .
على أن النظر إلى النساء ، إن كان لغرض لا فتنة فيه فهو جائز ووجوه ذلك كثير ، منها : إذا أراد النكاح فله أن ينظر إلى وجه المرأة وكفيها . وذلك للخبر : " إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة " وقال المغيرة بن شعبة : خطبت امرأة فقال عليه السلام : " نظرت إليها ؟ " فقلت : لا . قال " فانظر فإنها أحرى أن يؤدم بينكما " .
ومنها : النظر إليها عند تحمل الشهادة . ولا ينظر حينئذ إلى غير الوجه لحصول المعرفة به .
ومنها : نظر الطبيب الأمين إليها من أجل المعالجة كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون .
ومنها : لو وقعت المرأة في غرق أو حرق ؛ فله أن ينظر إلى بدنها كي يخلصها .
قوله : ( من أبصارهم ) من ، لتبيين الجنس . والمقصود بها التبعيض وهو قول أكثر أهل العلم . وقيل : زائدة . وهو قول ضعيف{[3250]} .
قوله : ( ويحفظوا فروجهم ) وذلك بصونها من التهتك وسترها لئلا يراها من لا يحل له النظر إليها . والمراد حفظ الفروج عن سائر ما حرم الله ، من الزنا والمس والنظر . أما الوطء فهو أغلظ في النهي والتحريم .
قوله : ( ذلك أزكى لهم ) الإشارة عائدة إلى غض البصر وحفظ الفروج ؛ فإن ذلك أطهر للقلوب ، وأبعد من التدنس بالآثام أو الوقوع في الريبة .
قوله : ( إن الله خبير بما يصنعون ) ذلك تهديد من الله ووعيد للذين يقعون في المحظورات ، المخالفين عن أمر الله ، والمتلبسين فيما نهى عنه من النظر إلى الأجنبيات أو الاعتداء على أعراض المسلمين بمختلف الوجوه المحرمة . فإن الله عليم بذلك كله ، خبير بما يصنعون الآثمون والعصاة .