( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم . فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة . إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتًا ) . .
وهكذا يوجههم إلى الاتصال بالله في كل حال ، وفي كل وضع ، إلى جانب الصلاة . . فهذه هي العدة الكبرى ، وهذا هو السلاح الذي لا يبلى . .
فأما حين الاطمئنان ( فأقيموا الصلاة ) . . أقيموها كاملة تامة بلا قصر - قصر الخوف الذي تحدثنا عنه - فهي فريضة ذات وقت محدد لأدائها . ومتى زالت أسباب الرخصة في صفة من صفاتها عادت إلى صفتها المفروضة الدائمة .
ومن قوله تعالى : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتًا ) . . يأخذ الظاهرية رأيهم في عدم قضاء الفائتة من الصلاة لأنها لا تجزي ولا تصح . لأن الصلاة لا تصح إلا في ميقاتها المعين . فمتى فات الميقات ، فلا سبيل لإقامة الصلاة . . والجمهور على صحة قضاء الفوائت . وعلى تحسين التبكير في الأداء ، والكراهية في التأخير . . ولا ندخل بعد هذا في تفصيلات الفروع . .
ولما علمهم بما{[22530]} يفعلون في الصلاة حال الخوف ، أتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر ، فقال مشيراً إلى تعقيبه{[22531]} به : { فإذا قضيتم الصلاة } أي فرغتم من فعلها وأديتموها على حالة الخوف أو غيرها { فاذكروا الله } أي بغير الصلاة لأنه لإحاطته بكل شيء يستحق أن يراقب فلا ينسى { قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم } أي في كل حالة ، فإن ذكره حصنكم في كل حالة من كل عدو ظاهر أو باطن .
ولما كان الذكر أعظم حفيظ للعبد{[22532]} ، وحارس من{[22533]} شياطين الإنس والجن ، ومسكن للقلوب{[22534]}
{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب{[22535]} }[ الرعد : 28 ] ؛ أشار{[22536]} إلى ذلك بالأمر بالصلاة{[22537]} حال الطمأنينة ، تنبيهاً على عظم قدرها{[22538]} ، وبياناً لأنها أوثق عرى الدين وأقوى دعائمه وأفضل مجليات القلوب ومهذبات النفوس ، لأنها مشتملة على مجامع الذكر
{ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر{[22539]} }[ العنكبوت : 48 ] فقال : { فإذا اطمأننتم } أي عما كنتم فيه من الخوف { فأقيموا الصلاة } أي فافعلوها قائمة المعالم{[22540]} كلها على الحالة التي كنتم تفعلونها قبل الخوف ؛ ثم علل الأمر بها في الأمن والخوف{[22541]} والسعة والضيق سفراً أو حضراً بقوله : { إن الصلاة } مظهراً لما كان الأصل فيه الإضمار{[22542]} تنيبهاً على عظيم قدرها بما للعبد فيها من الوصلة بمعبوده { كانت على المؤمنين كتاباً } {[22543]}أي هي - مع كونها فرضاً - جامعة على الله جمعاً لا يقارنها فيه غيره{[22544]} { موقوتاً * } أي وهي - مع كونها محدودة - مضبوطة بأوقات مشهورة ، فلا يجوز إخراجها عنها في أمن ولا خوف فوت - بما أشارت إليه مادة وقت للأبدان{[22545]} بما تسبب من الأرزاق . وللقلوب بما تجلب{[22546]} من المعارف والأنوار{[22547]} .
قوله تعالى : ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما ) .
قضاء الصلاة معناه إتمامها والفراغ منها كقوله : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) . والمؤمنون مطالبون عقيب صلاة الخوف أن يذكروا الله في قلوبهم وعلى ألسنتهم وذلك حال كونهم قائمين أو قاعدين أو مضطجعين على الجنوب . تلك حالات تكون عليها هيئة الإنسان وهو مدعوّ من ربه لكي يديم ذكره والدعاء إليه في توسّل خاشع وضراعة تامّة . ولا يقتصر الذكر أو الدعاء على الفراغ من الصلاة حين الخوف من العدوّ ، ولكن ذلك هنا آكد وأشد تنبيها مما لو كان المسلم في ظروف معتادة لا رهبة فيها ولا وجل . والأصل في ذلك كله أن المسلم لا مندوحة له عن الاعتصام والتشبث بحبل الله المتين أو عن المداومة في دأب لا ينقطع عن ذكر الله والدعاء إليه بالرحمة والإحسان والغفران ، وكذلك بالسلامة والنجاة يكتبها للمرء في هذه العاجلة ويوم التناد . لكن المرء إذ تحيق به النوائب والمخاطر فإنه تزداد لديه أسباب الثواء إلى الله والاستعانة به في دعاء متذلّل لحّاح ليكتب له حسن الجزاء وليؤيده بالثبات والعزيمة والاصطبار .
قوله : ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ) الطمأنينة معناها الأمن وسكون النفس بعد ذهاب الخوف . فإذا اطمأنت النفوس المؤمنة وغمرتها السكينة بعد أن أراحها الله من الخوف وجب أن تقام الصلاة على أكمل هيئة وعلى أتم صفة وأداء من حيث الأركان والصفة والخشوع .
قوله : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) الكتاب الموقوت أي الفرض المؤقت في حينه المتعيّن . وقد قال عبد الله بن مسعود ( رضي الله عنه ) في تفسيرها : إن للصلاة وقتا كوقت الحج ، وذلك تبيين للمقصود على التمام ، فالصلاة قد كتبها الله على المسلمين وجعلها فريضة يمارسونها في أوقاتها المعيّنة المحدودة فكلما مضى وقت فيه فريضة الصلاة جاء وقت آخر فيه فريضة أخرى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.