في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (189)

189

والأن نواجه النصوص القرآنية في هذا الدرس بالتفصيل :

( يسألونك عن الأهلة . قل : هي مواقيت للناس والحج . وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ، ولكن البر من اتقى . وأتوا البيوت من أبوابها ، واتقوا الله لعلكم تفلحون ) . .

تقول بعض الروايات : إن النبي [ ص ] سئل ذلك السؤال الذي أسلفناه عن الأهلة : ظهورها ونموها وتناقصها . . ما بالها تصنع هذا ؟ وتقول بعض الروايات : إنهم قالوا : يا رسول الله لم خلقت الأهلة ؟ وقد يكون هذا السؤال في صيغته الأخيرة أقرب إلى طبيعة الجواب . فقال الله لنبيه [ ص ] : ( قل : هي مواقيت للناس والحج ) . .

دلالة عدول القرآن عن الإجابة العلمية إلى وظيفة الأهلة

مواقيت للناس في حلهم وإحرامهم ، وفي صومهم وفطرهم ، وفي نكاحهم وطلاقهم وعدتهم ، وفي معاملاتهم وتجاراتهم وديونهم . . وفي أمور دينهم وأمور دنياهم على سواء .

وسواء كان هذا الجواب ردا على السؤال الأول أو على السؤال الثاني ، فهو في كلتا الحالتين اتجه إلى واقع حياتهم العملي لا إلى مجرد العلم النظري ؛ وحدثهم عن وظيفة الأهلة في واقعهم وفي حياتهم ولم يحدثهم عنالدورة الفلكية للقمر وكيف تتم وهي داخلة في مدلول السؤال : ما بال القمر يبدو هلالا . . . إلخ . كذلك لم يحدثهم عن وظيفة القمر في المجموعة الشمسية أو في توازن حركة الأجرام السماوية . وهي داخلة في مضمون السؤال : لماذا خلق الله الأهلة ؟ فما هو الإيحاء الذي ينشئه هذا الاتجاه في الإجابة ؟

لقد كان القرآن بصدد إنشاء تصور خاص ، ونظام خاص ، ومجتمع خاص . . كان بصدد إنشاء أمة جديدة في الأرض ، ذات دور خاص في قيادة البشرية ، لتنشىء نموذجا معينا من المجتمعات غير مسبوق ؛ ولتعيش حياة نموذجية خاصة غير مسبوقة ؛ ولتقر قواعد هذه الحياة في الأرض ؛ وتقود إليها الناس .

والإجابة " العلمية " عن هذا السؤال ربما كانت تمنح السائلين علما نظريا في الفلك ؛ إذا هم استطاعوا ، بما كان لديهم من معلومات قليلة في ذلك الحين ، أن يستوعبوا هذا العلم ، ولقد كان ذلك مشكوكا فيه كل الشك ، لأن العلم النظري من هذا الطراز في حاجة إلى مقدمات طويلة ، كانت تعد بالقياس إلى عقلية العالم كله في ذلك الزمان معضلات .

من هنا عدل عن الإجابة التي لم تتهيأ لها البشرية ، ولا تفيدها كثيرا في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها . وليس مجالها على أية حال هو القرآن . إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية . ولم يجيء ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي . . كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم ، أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يتلمسوا مخالفاته لهذه العلوم !

إن كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفته ومجال عمله . إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية . وإن وظيفته أن ينشىء تصورا عاما للوجود وارتباطه بخالقه ، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه ؛ وأن يقيم على أساس هذا التصور نظاما للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته . . ومن بينها طاقته العقلية ، التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة ، وإطلاق المجال لها لتعمل - بالبحث العلمي - في الحدود المتاحة للإنسان - وبالتجريب والتطبيق ، وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج ، ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال .

إن مادة القرآن التي يعمل فيها هي الإنسان ذاته : تصوره واعتقاده ، ومشاعره ومفهوماته ، وسلوكه وأعماله ، وروابطه وعلاقاته . . أما العلوم المادية ، والإبداع في عالم المادة بشتى وسائله وصنوفه ، فهي موكولة إلى عقل الإنسان وتجاربه وكشوفه وفروضه ونظرياته . بما أنها أساس خلافته في الأرض ، وبما أنه مهيأ لها بطبيعة تكوينه . . والقرآن يصحح له فطرته كي لا تنحرف ولا تفسد ، ويصحح له النظام الذي يعيش فيه كي يسمح له باستخدام طاقاته الموهوبة له ؛ ويزوده بالتصور العام لطبيعة الكون وارتباطه بخالقه ، وتناسق تكوينه ، وطبيعة العلاقة القائمة بين أجزائه - وهو أي الإنسان أحد أجزائه - ثم يدع له أن يعمل في إدراك الجزئيات والانتفاع بها في خلافته . . ولا يعطيه تفصيلات لأن معرفة هذه التفصيلات جزء من عمله الذاتي .

وإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن ، الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه ، وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها . . كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه !

إن القرآن كتاب كامل في موضوعه ، وموضوعه أضخم من تلك العلوم كلها . . لأنه هو الإنسان ذاته الذي يكشف هذه المعلومات وينتفع بها . . والبحث والتجريب والتطبيق من خواص العقل في الإنسان . والقرآن يعالج بناء هذا الإنسان نفسه . بناء شخصيته وضميره وعقله وتفكيره . كما يعالج بناء المجتمع الإنساني الذييسمح لهذا الإنسان بأن يحسن استخدام هذه الطاقات المذخورة فيه . وبعد أن يوجد الإنسان السليم التصور والتفكير والشعور ، ويوجد المجتمع الذي يسمح له بالنشاط ، يتركه القرآن يبحث ويجرب ، ويخطيء ويصيب ، في مجال العلم والبحث والتجريب . وقد ضمن له موازين التصور والتدبر والتفكير الصحيح .

كذلك لا يجوز أن نعلق الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن أحيانا عن الكون في طريقه لإنشاء التصور الصحيح لطبيعة الوجود وارتباطه بخالقه ، وطبيعة التناسق بين أجزائه . . لا يجوز أن نعلق هذه الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن ، بفروض العقل البشري ونظرياته ، ولا حتى بما يسميه " حقائق علمية " مما ينتهي إليه بطريق التجربة القاطعة في نظره .

إن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة . أما ما يصل إليه البحث الإنساني - أيا كانت الأدوات المتاحة له - فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة ؛ وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها . . فمن الخطأ المنهجي - بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته - أن نعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية . وهي كل ما يصل إليه العلم البشري !

هذا بالقياس إلى " الحقائق العلمية " . . والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى " علمية " . ومن هذه النظريات والفروض كل النظريات الفلكية ؛ وكل النظريات الخاصة بنشأة الإنسان وأطواره ؛ وكل النظريات الخاصة بنفس الإنسان وسلوكه . . وكل النظريات الخاصة بنشأة المجتمعات وأطوارها . . فهذه كلها ليست " حقائق علمية " حتى بالقياس الإنساني . وإنما هي نظريات وفروض . كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر قدر من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعية . إلى أن يظهر فرض آخر يفسر قدرا أكبر من الظواهر ، أو يفسر تلك الظواهر تفسيرا أدق ! ومن ثم فهي قابلة دائما للتغيير والتعديل والنقص والإضافة ؛ بل قابلة لأن تنقلب رأسا على عقب ، بظهور أداة كشف جديدة ، أو بتفسير جديد لمجموعة الملاحظات القديمة !

وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة - أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا - تحتوي أولا على خطأ منهجي أساسي . كما أنها تنطوي على معان ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم . .

الأولى : هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع . ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم . أو الاستدلال له من العلم . على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ، ونهائي في حقائقه . والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس ، وكل ما يصل إليه غير نهائي ولا مطلق ، لأنه مقيد بوسط الإنسان وعقله وأدواته ، وكلها ليس من طبيعتها أن تعطي حقيقة واحدة نهائية مطلقة .

والثانية : سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته . وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق - بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية - مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي . حتى لا يصطدم الإنسان بالكون من حوله ؛ بل يصادقه ويعرف بعض أسراره ، ويستخدم بعض نواميسه في خلافته . نواميسه التي تكشف له بالنظر والبحث والتجريب والتطبيق ، وفق ما يهديه إليه عقله الموهوب له ليعمل لا ليتسلم المعلومات المادية جاهزة !

والثالثة : هي التأويل المستمر - مع التمحل والتكلف - لنصوص القرآن كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر . وكل يوم يجد فيها جديد .

وكل أولئك لا يتفق وجلال القرآن ، كما أنه يحتوي على خطأ منهجي كما أسلفنا . .

ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات - ومن حقائق - عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن . . كلا ! إن هذا ليس هو الذي عنينا بذلك البيان . ولقد قال الله سبحانه : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق وفي الأنفس من آيات الله . وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا .

فكيف ؟ ودون أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة ؟ هنا ينفع المثال :

يقول القرآن الكريم مثلا : ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) . . ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون . . الأرض بهيئتها هذه وببعد الشمس عنها هذا البعد ، وبعد القمر عنها هذا البعد ، وحجم الشمس والقمر بالنسبة لحجمها ، وبسرعة حركتها هذه ، وبميل محورها هذا ، وبتكوين سطحها هذا . . وبآلاف من الخصائص . . . هي التي تصلح للحياة وتوائمها . . فليس شيء من هذا كله فلتة عارضة ولا مصادفة غير مقصودة . . هذه الملاحظات تفيدنا في توسيع مدلول : ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) وتعميقه في تصورنا . . فلا بأس من تتبع مثل هذه الملاحظات لتوسيع هذا المدلول وتعميقه . . وهكذا . .

هذا جائز ومطلوب . . ولكن الذي لا يجوز ولا يصح علميا ، هذه الأمثلة الأخرى :

يقول القرآن الكريم : خلق الإنسان من سلالة من طين . . ثم توجد نظرية في النشوء والارتقاء لوالاس ودارون تفترض أن الحياة بدأت خلية واحدة ، وأن هذه الخلية نشأت في الماء ، وأنها تطورت حتى انتهت إلى خلق الإنسان . فنحمل نحن هذا النص القرآني ونلهث وراء النظرية . لنقول : هذا هو الذي عناه القرآن ! !

لا . . إن هذه النظرية أولا ليست نهائية . فقد دخل عليها من التعديل في أقل من قرن من الزمان ما يكاد يغيرها نهائيا . وقد ظهر فيها من النقص المبني على معلومات ناقصة عن وحدات الوراثة التي تحتفظ لكل نوع بخصائصه ولا تسمح بانتقال نوع إلى نوع آخر ، ما يكاد يبطلها . وهي معرضة غدا للنقض والبطلان . . بينما الحقيقة القرآنية نهائية . وليس من الضروري أن يكون هذا معناها . فهي تثبت فقط أصل نشأة الإنسان ولا تذكر تفصيلات هذه النشأة . وهي نهائية في النقطة التي تستهدفها وهي أصل النشأة الإنسانية . . وكفى . . ولا زيادة . .

ويقول القرآن الكريم : ( والشمس تجري لمستقر لها ) . . فيثبت حقيقة نهائية عن الشمس وهي أنها تجري . . ويقول العلم : إن الشمس تجري بالنسبة لما حولها من النجوم بسرعة قدرت بنحو 12 ميلا في الثانية . ولكنها في دورانها مع المجرة التي هي واحدة من نجومها تجري جميعا بسرعة 170 ميلا في الثانية . . ولكن هذه الملاحظات الفلكية ليست هي عين مدلول الآية القرآنية . إن هذه تعطينا حقيقة نسبية غير نهائية قابلة للتعديل أو البطلان . . أما الآية القرآنية فتعطينا حقيقة نهائية - في أن الشمس تجري - وكفى . . فلا نعلق هذه بتلك أبدا .

ويقول القرآن الكريم : ( أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ) ثم تظهر نظرية تقول : إن الأرض كانت قطعة من الشمس فانفصلت عنها . . فنحمل النص القرآني ونلهث لندرك هذه النظرية العلمية . ونقول : هذا ما تعنيه الآية القرآنية !

لا . . ليس هذا هو الذي تعنيه ! فهذه نظرية ليست نهائية . وهناك عدة نظريات عن نشأة الأرض في مثل مستواها من ناحية الإثبات العلمي ! أما الحقيقة القرآنية فهي نهائية ومطلقة . وهي تحدد فقط أن الأرض فصلت عن السماء . . كيف ؟ ما هي السماء التي فصلت عنها ؟ هذا ما لا تتعرض له الآية . . ومن ثم لا يجوز أن يقال عن أي فرض من الفروض العلمية في هذا الموضوع : إنه المدلول النهائي المطابق للآية !

وحسبنا هذا الاستطراد بهذه المناسبة ، فقد أردنا به إيضاح المنهج الصحيح في الانتفاع بالكشوف العلمية في توسيع مدلول الآيات القرآنية وتعميقها ، دون تعليقها بنظرية خاصة أو بحقيقة علمية خاصة تعليق تطابق وتصديق . . وفرق بين هذا وذاك .

ثم نعود إلى النص القرآني :

( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها . ولكن البر من اتقى ، وأتوا البيوت من أبوابها ، واتقوا الله لعلكم تفلحون ) . .

والارتباط بين شطري الآية يبدو أنه هو المناسبة بين أن الأهلة هي مواقيت للناس والحج ، وبين عادة جاهلية خاصة بالحج هي التي يشير إليها شطر الآية الثاني . . في الصحيحين - بإسناده - عن البراء - رضي الله عنه - قال : " كان الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب البيوت ، فجاء رجل منهم فدخل من قبل بابه ، فكأنه عير بذلك . فنزلت : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ؛ ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها ) . .

ورواه أبو داود عن شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال : كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم لم يدخل الرجل من قبل بابه . . فنزلت هذه الآية .

وسواء كانت هذه عادتهم في السفر بصفة عامة ، أو في الحج بصفة خاصة وهو الأظهر في السياق ، فقد كانوا يعتقدون أن هذا هو البر - أي الخير أو الإيمان - فجاء القرآن ليبطل هذا التصور الباطل ، وهذا العمل المتكلف الذي لا يستند إلى أصل ، ولا يؤدي إلى شيء . وجاء يصحح التصور الإيماني للبر . . فالبر هو التقوى . هو الشعور بالله ورقابته في السر والعلن . وليس شكلية من الشكليات التي لا ترمز إلى شيء من حقيقة الإيمان . ولا تعني أكثر من عادة جاهلية .

كذلك أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها . وكرر الإشارة إلى التقوى ، بوصفها سبيل الفلاح :

( وأتوا البيوت من أبوابها ، واتقوا الله لعلكم تفلحون ) . .

وبهذا ربط القلوب بحقيقة إيمانية أصيلة - هي التقوى - وربط هذه الحقيقة برجاء الفلاح المطلق في الدنيا والآخرة ؛ وأبطل العادة الجاهلية الفارغة من الرصيد الإيماني ، ووجه المؤمنين إلى إدراك نعمة الله عليهم في الأهلة التي جعلها الله مواقيت للناس والحج . . كل ذلك في آية واحدة قصيرة . .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (189)

ولما أتم سبحانه وتعالى البيان لما أراده{[8080]} مما شرعه في شهر الصوم ليلاً ونهاراً وبعض ما تبع{[8081]} ذلك وكان كثير من الأحكام يدور على الهلال لا سيما أحد قواعد الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم ، وكانت الأهلة كالحكام توجب أشياء وتنفي{[8082]} غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقاً أو باطلاً ، وكان ذكر الشهر وإكمال العدة قد حرك العزم للسؤال عنه بين ذلك بقوله تعالى : { يسئلونك{[8083]} } وجعل ذلك على طريق الاستئناف جواباً لمن كأنه قال : هل سألوا عن الأهلة ؟ فقيل{[8084]} : نعم ، وذلك لتقدم ما يثير العزم إلى السؤال عنها صريحاً فكان سبباً للسؤال عن السؤال عنها ، وكذا ما يأتي من قوله{ يسئلونك ماذا ينفقون{[8085]} }[ البقرة : 215 ] { يسئلونك عن الشهر الحرام{[8086]} }[ البقرة : 217 ] { يسئلونك عن الخمر والميسر{[8087]} }[ البقرة : 219 ] بخلاف ما عطف على ما{[8088]} قبله بالواو كما يأتي ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة{[8089]} الأنعام ما ينبغي من علم النجوم وما لا ينبغي { عن الأهلة } {[8090]}أي التي{[8091]} تقدم أنه ليس البر تولية الوجه قبل{[8092]} مشارقها ومغاربها : ما سبب زيادتها بعد كونها كالخط أو{[8093]} الخيط حتى {[8094]}تتكامل وتستوي{[8095]} ونقصها بعد ذلك حتى تدق وتنمحق{[8096]} ؟ قال الحرالي : وهي جمع هلال{[8097]} وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته فغلب على رؤية الشهر الذي هو الهلال - انتهى .

ولما كان كأنه قيل : ما جوابهم ؟ قيل{[8098]} : { قل } معرضاً عنه لما لهم فيه من الفتنة لأنه ينبني على النظر في حركات الفلك وذلك يجر إلى علم تسيير{[8099]} النجوم وما يتبعه من الآثار التي تقود{[8100]} إلى الكلام في الأحكام المنسوبة إليها فتستدرج{[8101]} إلى الإلحاد{[8102]} وقد ضل بذلك كثير من الأمم السالفة والقرون الماضية فاعتقدوا تأثيرها{[8103]} بذواتها وقد قال عليه الصلاة والسلام ناهياً عن ذلك لذلك : " من اقتبس علماً من النجوم اقتبس باباً من السحر زاد{[8104]} ما زاد " أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ؛ وقال علي رضي الله تعالى عنه : " من طلب{[8105]} علم النجوم تكهن " مرشداً سبحانه وتعالى إلى ما فيه صلاحهم : { هي مواقيت } جمع ميقات من الوقت وهو الحد الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم به لاحق . {[8106]}وقال الأصبهاني{[8107]} : والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها{[8108]} إلى الزمان ، والزمان مدة مقسومة ، والوقت الزمان المفروض لأمر ما{[8109]} . { للناس } في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم {[8110]}ليعلموا عدد السنين والحساب{[8111]} { والحج{[8112]} } صرح به لأنه من أعظم{[8113]} مداخلها . قال الحرالي : وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة ، فهو أمر ديني مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد - انتهى .

ولما كانوا قد اعتادوا في الحج فعلاً منكراً وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس ، ولذلك قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق : ملاك القصد إلى الله تعالى خلع العادات{[8114]} واستجداد{[8115]} قبول الأمور المنزلات{[8116]} من قيوم السماوات والأرض ، وبذلك كان الصحابة {[8117]}رضي الله تعالى عنهم{[8118]} سادات أهل الإسلام ، قال تعالى عاطفاً على { ليس البر } مقبحاً لذلك الفعل عليهم منبهاً على أنهم عكسوا في سؤالهم كما عكسوا في فعالهم ، ويجوز أن يكون معطوفاً على حال دل عليها السياق تقديرها : والحال أنه{[8119]} ليس البر سؤالكم هذا عنها { وليس البر }{[8120]} وأكد النفي بزيادة الباء في قوله : { بأن تأتوا البيوت } أي لا الحسية ولا المعنوية { من ظهورها } عند القدوم من الحج أو غيره كما أنه ليس البر بأن تعكسوا في مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل يعنيكم{[8121]} .

ولما نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال : ولكن البر } قال الحرالي : بالرفع والتخفيف استدراكاً لما هو البر وإعراضاً عن الأول ، وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد{[8122]} طرحه - انتهى . { من اتقى } فجعل المتقي نفس{[8123]} البر إلهاباً له إلى الإقبال على التقوى لما كانت التقوى حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان{[8124]} الماضية اكتفى بها{[8125]} . ولما كان التقدير : فاتقوا{[8126]} فلا تسألوا عما لا يهمكم في دينكم{[8127]} عطف عليه : { وأتوا البيوت من أبوابها } حساً في العمل ومعنى في التلقي ، {[8128]}والباب المدخل للشيء المحاط بحائط يحجزه ويحوطه - قاله الحرالي . وتقدم تعريفه له بغير هذا .

ولما كان الأمر بالتقوى قد تقدم ضمناً وتلويحاً أتى به دالاً على عظيم جدواها ذكراً وتصريحاً دلالة على التأكيد في تركهم تلك العادة لاقتضاء الحال ذلك لأن من اعتاد شيئاً قلّ ما يتركه وإن تركه طرقه خاطره وقتاً ما فقال : { واتقوا الله } {[8129]}أي الملك الأعظم في كل ما تأتون{[8130]} وما تذرون ووطنوا النفوس واربطوا{[8131]} القلوب على أن جميع أفعاله تعالى حكة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه{[8132]} لما في السؤال من الإيهام{[8133]} بمفارقة الشك ، ثم علله بقوله : { لعلكم تفلحون * } أي لتكون{[8134]} حالكم حال{[8135]} من يرجى{[8136]} دوام التجدد{[8137]} لفلاحه وهو ظفره بجميع مطالبه من البر وغيره ، فقد دل سياق الآية على كراهة{[8138]} هذا{[8139]} السؤال ؛ وذكر الحرالي أن أكثر ما يقع فيه{[8140]} سؤال يكون مما ألبس فتنة أو{[8141]}أ شرب محنة أو{[8142]} أعقب بعقوبة ولذلك قال تعالى :{ لا تسألوا عن أشياء{[8143]} }[ المائدة : 101 ] {[8144]}وكره{[8145]} رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل {[8146]}وعابها{[8147]} وقال : " دعوني{[8148]} ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم " الحديث ومنه كره الرأي وتكلف{[8149]} توليد المسائل لأنه {[8150]}شغل عن{[8151]} علم التأصيل وتعرض{[8152]} لوقوعه كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به ، ويقال : كثرة توليد مسائل{[8153]} السهو أوقع فيه .

وقال : وهذه الآية كالجامعة الموطئة لما ذكر بعدها من أمر توقيت القتال الذي كانوا عليه كما{[8154]} كان من أمر الجاهلية حكم التحرج{[8155]} من القتال في الأشهر الحرم والتساهل{[8156]} فيه في{[8157]} أشهر الحل مع كونه عدوى{[8158]} بغير حكم حق فكان فيه عمل بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف . فمحا سبحانه ما أصلوه من ذلك بما شرعه من أمر القتال لكونه جهاداً فيه لحظ{[8159]} من حظوظ الدنيا .


[8080]:في م وظ ومد: أراد.
[8081]:من م وظ ومد، وفي الأصل: يقع.
[8082]:في م وظ: تتقي.
[8083]:ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة وهو أن ما قبلها من الآيات نزلت في الصيام وأن صيام رمضان مقرون برؤية الهلال وكذلك الإفطار في شهر شوال، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وكان أيضا قد تقدم الكلام في شيء من أعمال الحج وهو الطواف والحج أحد الأركان التي بنى الإسلام عليها وكان قد مضى الكلام في توحيد الله تعالى وفي الصلاة والزكاة والصيام فأنى بالكلام على الركن الخامس وهو الحج ليكون قد كملت الأركان التي بنى الإسلام عليها – البحر المحيط 2 / 61.
[8084]:في ظ: فقل.
[8085]:سورة 2 آية 215.
[8086]:سورة 2 آية 217.
[8087]:سورة 2 آية 219.
[8088]:ليس في م وظ ومد.
[8089]:ليس في م وظ ومد.
[8090]:في م: الذي.
[8091]:في م: الذي.
[8092]:في الأصل: قيل والتصحيح من م ومد وظ.
[8093]:من م وظ ومد وفي الأصل: و.
[8094]:من م ومد وظ: وفي الأصل: يتكامل ويستوي.
[8095]:من م ومد وظ: وفي الأصل: يتكامل ويستوي.
[8096]:في ظ: تمحق.
[8097]:والهلال ذكر صاحب كتاب شجر الدر في اللغة أنه مشترك بين هلال السماء وحديدة كالهلال بيد الصائد يعرقب بها الحمار الوحشي وذؤابة النعل وقطعة من الغبار وما أطاق من اللحم بظفر الأصابع وقطعة من رحي وسلخ الحية ومقاولة الأجير على الشهور والمباراة في رقة النسج والمباراة في التهليل. وجمع هلة وهي المفرجة والثعبان بقية الماء في الحوض – انتهى ما ذكره ملخصا ويسمى الذي في السماء هلالا لليلتين وقيل لئلاث، وقال أبو الهيثم: لليلتين من أوله ولليلتين من آخره وما بين ذلك يسمى قمرا، وقال الأصمعي: سمى هلال إلى أن يحجر، وتحجيره أن يستديره له كالخيط الرقيق – البحر المحيط 2 / 59.
[8098]:في م: قال.
[8099]:من ظ وم ومد، وفي الأصل: تسير.
[8100]:في الأصل: لقوة والتصحيح من م ومد وظ.
[8101]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فيستدرج.
[8102]:في م: الاتخاذ.
[8103]:في الأصل: ياتيها، والتصحيح من م ومد وظ.
[8104]:زيد من م وظ ومد.
[8105]:من م وظ ومد/ وفي الأصل: علم.
[8106]:العبارة من هنا إلى "لأمر ما" ليست في ظ.
[8107]:في م: الأصفهاني.
[8108]:من م ومد، وفي الأصل: ميدانها.
[8109]:وقال الرماني: مقدار من الزمان محدد في ذاته، والتوقيت تقدير حده وكلما قدرت له غاية فهو موقت، والميقات منتهى الوقت، والآخرة منتهى الخلق، والإهلال ميقات الشهور، ومواضع الإحرام مواقيت الحج لأنها مقادير ينتهي إليها، والميقات مقدار جعل علما لما يقدر من العمل – انتهى كلامه. وفي تغيير الهلال بالنقص والنماء رد على الفلاسفة في قولهم إن الأجرام الفلكية لا يمكن تطرق التغيير إلى أحوالها، فأظهر تعالى الاختلاف في القمر ولم يظهر في الشمس ليعلم أن ذلك بقدرة منه تعالى – البحر المحيط 2 / 62.
[8110]:ليست في ظ: راجع سورة 10 آية 5.
[8111]:ليست في ظ: راجع سورة 10 آية 5
[8112]:قال القفال: إفراد الحج بالذكر لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرض الحج، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر لأشهر أخر إنما كانت العرب تفعل ذلك في النسئ – انتهى كلامه.
[8113]:زيد في م ومد وظ: أو أعظم.
[8114]:في الأصل: العبادات والتصحيح من م وظ ومد.
[8115]:من م ومد وظ، وفي الأصل: استحداد.
[8116]:في مد: المزلات.
[8117]:في مد وظ: رضوان الله عليهم.
[8118]:في مد وظ: رضوان الله عليهم.
[8119]:زيد من م وظ ومد.
[8120]:ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر أن الأهلة مواقيت للحج استطرد إلى ذكر شيء كانوا يفعلونه في الحج زاعمين أنه من البر فبين لهم أن ذلك ليس من البر وإنما جرت العادة به قبل الحج أن يفعلوه في الحج، ولما ذكر سؤالهم عن الأهلة بسبب النقصان والزيادة وما حكمة ذلك وكان من المعلوم أنه تعالى حكيم فأفعاله جارية على الحكمة رد عليهم بأن ما يفعلونه من إتيان البيوت – البحر المحيط 2 / 63.
[8121]:زيد من م ومد وظ.
[8122]:في الأصل وم: لقصد، والتصحيح من ظ ومد.
[8123]:في الأصل: نفى، والتصحيح من م وظ ومد.
[8124]:في م: الأعيان.
[8125]:وفي البحر المحيط 2 /64: "ولكن البر من اتقى" التأويلات التي في قوله "ولكن البر من آمن" سائغة هنا من أنه أطلق البر وهو المصدر على من وقع منه على سبيل المبالغة، أو فيه حذف من الأول أي ذا البر، ومن الثاني أي بر من آمن، وتقدم الترجيح في ذلك، وهذه الآية كأنها مختصرة من تلك لأن هناك عد أوصافا كثيرة من الإيمان بالله إلى سائر تلك الأوصاف وقال في آخرها "أولئك هم المتقون" وقال هنا "ولكن البر من اتقى" والتقوى لا تحصل إلا بحصول تلك الأوصاف فأحال هنا على تلك الأوصاف ضمنا إذ جاء معها هو المتقي.
[8126]:ليس في ظ.
[8127]:زيد من م ومد وظ.
[8128]:في الأصل: في، والتصحيح من م وظ ومد.
[8129]:العبارة من هنا إلى "بمفارقة الشك" ليست في ظ.
[8130]:من م ومد وفي الأصل: ياتون.
[8131]:من م ومد، وفي الأصل: رابطوا.
[8132]:سقط من م.
[8133]:في م ومد: الاتهام.
[8134]:في ظ: ليكون.
[8135]:زيد ما بين الحاجزين من م وظ ومد.
[8136]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ترجى.
[8137]:من م ومد وظ، وفي الأصل: التحدد.
[8138]:في الأصل: كرامة والتصحيح من م وظ ومد.
[8139]:زيد ما بين الحاجزين من م وظ ومد.
[8140]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد وظ.
[8141]:من م وظ ومد، وفي الأصل: و.
[8142]:في ظ: إذ.
[8143]:سورة 5 آية 101.
[8144]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ذكره.
[8145]:من م ومد وظ، وفي الأصل: ذكره.
[8146]:من م ومد وظ وفي م: وغابها وفي الأصل: دعامها.
[8147]:من م ومد وظ وفي م: وغابها وفي الأصل: دعامها.
[8148]:من الصحيحين وغيرهما، وفي الأصول: ذروني.
[8149]:في ظ: تكليف.
[8150]:في الأصل: سعل من، والتصحيح من م وظ ومد.
[8151]:في الأصل: سعل من، والتصحيح من م وظ ومد.
[8152]:من مد وفي الأصل وم وظ: يعرض.
[8153]:في ظ: المسائل.
[8154]:من م ومد وفي الأصل وظ: لما.
[8155]:في الأصل: التخرج، والتصحيح من م ومد وظ.
[8156]:من م ومد، وفي الأصل: التساحل، وفي ظ: التاهل.
[8157]:في الأصل: و، والتصحيح من م وظ ومد.
[8158]:في الأصل: عدى، والتصحيح من م وظ ومد.
[8159]:من م وظ ومد، وفي الأصل: لاحظ.