ومن قيادة الجماعة إلى السلم كانت الفتوى التالية في أمر القتال في الشهر الحرام :
( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ؟ قل : قتال فيه كبير . وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ؛ وإخراج أهله منه أكبر عند الله ؛ والفتنة أكبر من القتل ، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة . وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ، والله غفور رحيم ) . .
وقد جاء في روايات متعددة أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش - رضي الله عنه - وكان رسول الله [ ص ] قد بعثه مع ثمانية من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار ومعه كتاب مغلق وكلفه ألا يفتحه حتى يمضي ليلتين . فلما فتحه وجد به : " إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بطن نخلة - بين مكة والطائف - ترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم . . ولا تكرهن أحدا على المسير معك من أصحابك " - وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى . فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعا وطاعة . ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول الله [ ص ] أن أمضي إلى بطن نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منها بخبر . وقد نهى أن استكره أحدا منكم . فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع ، فأنا ماض لأمر رسول الله [ ص ] فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف أحد منهم . فسلك الطريق على الحجاز حتى إذا كان ببعض الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - رضي الله عنهما - فتخلفا عن رهط عبد الله بن جحش ليبحثا عن البعير ومضى الستة الباقون . حتى إذا كانت السرية ببطن نخلة مرت عير لقريش تحمل تجارة ، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون ، فقتلت السرية عمرا ابن الحضرمي وأسرت اثنين وفر الرابع وغنمت العير . وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة . فإذا هي في اليوم الأول من رجب - وقد دخلت الأشهر الحرم - التي تعظمها العرب . وقد عظمها الإسلام وأقر حرمتها . . فلما قدمت السرية بالعير والأسيرين على رسول الله [ ص ] قال : " ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام " . فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا . فلما قال ذلك رسول الله [ ص ] سقط في أيدي القوم ، وظنوا أنهم قد هلكوا ؛ وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا . وقالت قريش : قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال . وقالت اليهود تفاءلوا بذلك على محمد . . عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله . .
عمرو : عمرت الحرب . والحضرمي : حضرت الحرب . وواقد بن عبد الله : وقدت الحرب !
وانطلقت الدعاية المضللة على هذا النحو بشتى الأساليب الماكرة التي تروج في البيئة العربية ، وتظهر محمدا وأصحابه بمظهر المعتدي الذي يدوس مقدسات العرب ، وينكر مقدساته هو كذلك عند بروز المصلحة ! حتى نزلت هذه النصوص القرآنية . فقطعت كل قول . وفصلت في الموقف بالحق . فقبض الرسول [ ص ] الأسيرين والغنيمة .
( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ؟ قل قتال فيه كبير ) . .
نزلت تقرر حرمة الشهر الحرام ، وتقرر أن القتال فيه كبيرة ، نعم ! ولكن
( وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله . والفتنة أكبر من القتل ) . . إن المسلمين لم يبدأوا القتال ، ولم يبدأوا العدوان . إنما هم المشركون . هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل الله ، والكفر به وبالمسجد الحرام . لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل الله . ولقد كفروا بالله وجعلوا الناس يكفرون . ولقد كفروا بالمسجد الحرام . انتهكوا حرمته ؛ فآذوا المسلمين فيه ، وفتنوهم عن دينهم طوال ثلاثة عشر عاما قبل الهجرة . وأخرجوا أهله منه ، وهو الحرم الذي جعله الله آمنا ، فلم يأخذوا بحرمته ولم يحترموا قدسيته . .
وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام . . وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند الله من القتل . وقد ارتكب المشركون هاتين الكبيرتين فسقطت حجتهم في التحرز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام . ووضح موقف المسلمين في دفع هؤلاء المعتدين على الحرمات ؛ الذي يتخذون منها ستارا حين يريدون ، وينتهكون قداستها حين يريدون ! وكان على المسلمين أن يقاتلوهم أنى وجدوهم ، لأنهم عادون باغون أشرار ، لا يرقبون حرمة ، ولا يتحرجون أمام قداسة . وكان على المسلمين ألا يدعوهم يحتمون بستار زائف من الحرمات التي لا احترام لها في نفوسهم ولا قداسة !
لقد كانت كلمة حق يراد بها باطل . وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرد ستار يحتمون خلفه ، لتشويه موقف الجماعة المسلمة ، وإظهارها بمظهر المعتدي . . وهم المعتدون ابتداء . وهم الذين انتهكوا حرمة البيت ابتداء .
إن الإسلام منهج واقعي للحياة ، لا يقوم على مثاليات خيالية جامدة في قوالب نظرية . إنه يواجه الحياة البشرية - كما هي - بعوائقها وجواذبها وملابساتها الواقعية . يواجهها ليقودها قيادة واقعية إلى السير وإلى الارتقاء في آن واحد . يواجهها بحلول عملية تكافىء واقعياتها ، ولا ترفرف في خيال حالم ، ورؤى مجنحة : لا تجدي على واقع الحياة شيئا
هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون . لا يقيمون للمقدسات وزنا ، ولا يتحرجون أمام الحرمات ، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة . يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه ، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء ، ويخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام ! . . ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام ، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحرمات والمقدسات ، ويرفعون أصواتهم : انظروا ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام !
فكيف يواجههم الإسلام ؟ يواجههم بحلول مثالية نظرية طائرة ؟ إنه إن يفعل يجرد المسلمين الأخيار منالسلاح ، بينما خصومهم البغاة الأشرار يستخدمون كل سلاح ، ولا يتورعون عن سلاح . . ! كلا إن الإسلام لا يصنع هذا ، لأنه يريد مواجهة الواقع ، لدفعه ورفعه . يريد أن يزيل البغي والشر ، وأن يقلم أظافر الباطل والضلال . ويريد أن يسلم الأرض للقوة الخيرة ، ويسلم القيادة للجماعة الطيبة . ومن ثم لا يجعل الحرمات متاريس يقف خلفها المفسدون البغاة الطغاة ليرموا الطيبين الصالحين البناة ، وهم في مأمن من رد الهجمات ومن نبل الرماة !
إن الإسلام يرعى حرمات من يرعون الحرمات ، ويشدد في هذا المبدأ ويصونه . ولكنه لا يسمح بأن تتخذ الحرمات متاريس لمن ينتهكون الحرمات ، ويؤذون الطيبين ، ويقتلون الصالحين ، ويفتنون المؤمنين ، ويرتكبون كل منكر وهم في منجاة من القصاص تحت ستار الحرمات التي يجب أن تصان !
وهو يمضي في هذا المبدأ على اطراد . . إنه يحرم الغيبة . . ولكن لا غيبة لفاسق . . فالفاسق الذي يشتهر بفسقه لا حرمة له يعف عنها الذين يكتوون بفسقه . وهو يحرم الجهر بالسوء من القول . ولكنه يستثني ( إلا من ظلم ) . . فله أن يجهر في حق ظالمه بالسوء من القول ، لأنه حق . ولأن السكوت عن الجهر به يطمع الظالم في الاحتماء بالمبدأ الكريم الذي لا يستحقه !
ومع هذا يبقى الإسلام في مستواه الرفيع لا يتدنى إلا مستوى الأشرار البغاة . ولا إلى أسلحتهم الخبيثة ووسائلهم الخسيسة . . إنه فقط يدفع الجماعة المسلمة إلى الضرب على أيديهم ، وإلى قتالهم وقتلهم ، وإلى تطهير جو الحياة منهم . . هكذا جهرة وفي وضح النهار . .
وحين تكون القيادة في الأيدي النظيفة الطيبة المؤمنة المستقيمة ، وحين يتطهر وجه الأرض ممن ينتهكون الحرمات ويدوسون المقدسات . . حينئذ تصان للمقدسات حرمتها كاملة كما أرادها الله .
هذا هو الإسلام . . صريحا واضحا قويا دامغا ، لا يلف ولا يدور ؛ ولا يدع الفرصة كذلك لمن يريد أن يلف من حوله وأن يدور .
وهذا هو القرآن يقف المسلمين على أرض صلبة ، لا تتأرجح فيها أقدامهم ، وهم يمضون في سبيل الله ، لتطهير الأرض من الشر والفساد ، ولا يدع ضمائرهم قلقة متحرجة تأكلها الهواجس وتؤذيها الوساوس . . هذا شر وفساد وبغي وباطل . . فلا حرمة له إذن ، ولا يجوز أن يتترس بالحرمات ، ليضرب من ورائها الحرمات ! وعلى المسلمين أن يمضوا في طريقهم في يقين وثقة ؛ في سلام مع ضمائرهم ، وفي سلام من الله . .
ويمضي السياق بعد بيان هذه الحقيقة ، وتمكين هذه القاعدة ، وإقرار قلوب المسلمين وأقدامهم . . يمضي فيكشف لهم عن عمق الشر في نفوس أعدائهم ، وأصالة العدوان في نيتهم وخطتهم :
( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) . .
وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر ؛ وعلى فتنة المسلمين عن دينهم ؛ بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم . وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل . . إن وجود الإسلام في الأرض هو بذاته غيظ ورعب لأعداء هذا الدين ؛ ولأعداء الجماعة المسلمة في كل حين إن الإسلام بذاته يؤذيهم ويغيظهم ويخيفهم . فهو من القوة ومن المتانة بحيث يخشاه كل مبطل ، ويرهبه كل باغ ، ويكرهه كل مفسد . إنه حرب بذاته وبما فيه من حق أبلج ، ومن منهج قويم ، ومن نظام سليم . . إنه بهذا كله حرب على الباطل والبغي والفساد . ومن ثم لا يطيقه المبطلون البغاة المفسدون . ومن ثم يرصدون لأهله ليفتنوهم عنه ، ويردوهم كفارا في صورة من صور الكفر الكثيرة . ذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم وبغيهم وفسادهم ، وفي الأرض جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين ، وتتبع هذا المنهج ، وتعيش بهذا النظام .
وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته ، ولكن الهدف يظل ثابتا . . أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا . وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحا غيره ، وكلما كلت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها . . والخبر الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام ، وينبهها إلى الخطر ؛ ويدعوها إلى الصبر على الكيد ، والصبر على الحرب ، وإلا فهي خسارة الدنيا والآخرة ؛ والعذاب الذي لا يدفعه عذر ولا مبرر :
ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . .
والحبوط مأخوذ من حبطت الناقة إذا رعت مرعى خبيثا فانتفخت ثم نفقت . . والقرآن يعبر بهذا عن حبوط العمل ، فيتطابق المدلول الحسي والمدلول المعنوي . . يتطابق تضخم العمل الباطل وانتفاخ مظهره ، وهلاكه في النهاية وبواره . . مع تضخم حجم الناقة وانتفاخها ثم هلاكها في النهاية بهذا الانتفاخ ّ !
ومن يرتدد عن الإسلام وقد ذاقه وعرفه ؛ تحت مطارق الأذى والفتنة - مهما بلغت - هذا مصيره الذي قرره الله له . . حبوط العمل في الدنيا والآخرة . ثم ملازمة العذاب في النار خلودا .
إن القلب الذي يذوق الإسلام ويعرفه ، لا يمكن أن يرتد عنه ارتدادا حقيقيا أبدا . إلا إذا فسد فسادا لا صلاح له . وهذا أمر غير التقية من الأذى البالغ الذي يتجاوز الطاقة . فالله رحيم . رخص للمسلم - حين يتجاوز العذاب طاقته - أن يقي نفسه بالتظاهر ، مع بقاء قلبه ثابتا على الإسلام مطمئنا بالإيمان . ولكنه لم يرخص له في الكفر الحقيقي ، وفي الارتداد الحقيقي ، بحيث يموت وهو كافر . . والعياذ بالله . .
وهذا التحذير من الله قائم إلى آخر الزمان . . ليس لمسلم عذر في أن يخنع للعذاب والفتنة فيترك دينه ويقينه ، ويرتد عن إيمانه وإسلامه ، ويرجع عن الحق الذي ذاقه وعرفه . . وهناك المجاهدة والمجالدة والصبر والثبات حتى يأذن الله . والله لا يترك عباده الذين يؤمنون به ، ويصبرون على الأذى في سبيله . فهو معوضهم خيرا : إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة .
ولما أخبرهم سبحانه وتعالى بإيجاب القتال عليهم مرسلاً في جميع الأوقات وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث تقفوهم ثم قيد عليهم في القتال{[9713]} في المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا : هل{[9714]} الأمر في الحرم والحرام{[9715]} كما مضى أم{[9716]} لا ؟ وكان المشركون قد نسبوهم{[9717]} في سرية عبد الله بن جحش التي قتلوا فيها من المشركين{[9718]} عمرو بن الحضرمي إلى التعدي بالقتال في الشهر الحرام واشتد تعييرهم لهم{[9719]} به فكان موضع السؤال : هل سألوا عما عيرهم به الكفار من ذلك ؟ فقال مخبراً عن سؤالهم مبينا لحالهم : { يسئلونك{[9720]} } {[9721]}أي أهل الإسلام لا سيما أهل سرية عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنهم{[9722]} { عن الشهر الحرام } {[9723]}فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم ، وسميت الحرم لتعظيم حرمتها حتى حرموا القتال فيها{[9724]} ، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه{[9725]} التفات {[9726]}ثم بينه{[9727]} ببدل الاشتمال في قوله : { قتال فيه } ثم أمر{[9728]} بالجواب{[9729]} في قوله : { قل قتال فيه } أيّ قتال كان فالمسوغ العموم .
ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق{[9730]} القتل وكان في الواقع القتال عدواناً فيه أكبر منه في غيره قال : { كبير } أي في الجملة .
ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل الله فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ هو للكفار{[9731]} وهو قوله : { وصد }{[9732]} أيّ صد كان { عن سبيل الله } {[9733]}الملك الذي له الأمر كله{[9734]} أي{[9735]} الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه ، أو البيت الحرام فإن{[9736]} النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج سبيل الله . قال الحرالي : والصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره{[9737]} ، والسبيل طريق الجادة{[9738]} السابلة عليه الظاهر لكل سالك{[9739]} منهجه { وكفر به } أيّ كفر كان ، أي{[9740]} بالدين ، أو بذلك الصد أي بسببه فإنه كفر إلى كفرهم ، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه{[9741]} دلالة بينة لمن أمعن النظر وهو أكبر أي من القتال في الشهر الحرام ، والتقييد فيما يأتي بقوله : { عند الله } يدل على ما فهمته من أن المراد بقوله : { كبير } في زعمهم وفي الجملة {[9742]}لا أنه{[9743]} من الكبائر .
ولما كان في تقدم الإذن بالقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام بشرط كما مضى{[9744]} كان مما يوجب السؤال عن القتال فيه في الجملة بدون ذلك الشرط أو بغيره توقعاً للإطلاق لا سيما والسرية التي كانت سبباً لنزول هذه الآية وهي سرية عبد الله بن جحش كان الكلام فيها كما رواه ابن إسحاق عن{[9745]} الأمرين كليهما فإنه قال : إنهم لقوا الكفار الذين قتلوا منهم وأسروا وأخذوا{[9746]} عيرهم{[9747]} في آخر يوم من رجب فهابوهم فلطفوا لهم حتى سكنوا فتشاوروا في أمرهم وقالوا : لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم{[9748]} في الشهر الحرام ، {[9749]}فترددوا ثم {[9750]}شجعوا أنفسهم ففعلوا ما فعلوا{[9751]} فعيرهم{[9752]} المشركون بذلك فاشتد تعييرهم لهم واشتد قلق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا سيما أهل السرية{[9753]} من ذلك ولا شك أنهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بكل ذلك فإخبارهم له على هذه الصورة كاف{[9754]} في عدة سؤالاتهم فضلاً عن دلالة ما{[9755]} مضى على{[9756]} التشوف إلى{[9757]} السؤال عنه لما كان ذلك قال تعالى : { والمسجد } أي ويسألونك عن المسجد { الحرام{[9758]} } أي{[9759]} الحرم الذي هو للصلاة والعبادة بالخضوع لا لغير ذلك " قتال فيه قل قتال فيه كبير " عندكم على نحو ما مضى ثم ابتدأ{[9760]} قائلاً : { وإخراج } كما ابتدأ قوله : { وصد عن سبيل الله } وقال : { أهله } أي {[9761]}المسجد الذي{[9762]} كتبه الله لهم في القدم وهم أولى الناس به { منه{[9763]} أكبر }{[9764]} أي من القتال في الشهر الحرام خطأ وبناء على الظن والقتل فيه{[9765]} { عند الله } {[9766]}أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً{[9767]} فقد حذف{[9768]} من كل جملة ما دل عليه ما ثبت في الأخرى فهو من وادي الاحتباك ، وسر{[9769]} ما صنع في هذا الموضع من الاحتباك أنه لما كان القتال في الشهر الحرام{[9770]} قد وقع من المسلمين حين هذا السؤال في سرية عبد الله بن جحش أبرز{[9771]} السؤال{[9772]} عنه والجواب ، ولما كان القتال في المسجد الحرام لم يقع بعد وسيقع من{[9773]} المسلمين أيضاً عام الفتح طواه وأضمره ، ولما كان الصد عن سبيل الله الذي هو البيت والكفر الواقع بسببه لم يقع وسيقع من الكفار عام الحديبية أخفى خبره وقدّره ، ولما كان الإخراج{[9774]} قد وقع منهم ذكر خبره وأظهره{[9775]} ؛ فأظهر سبحانه وتعالى ما أبرزه على يد الحدثان ، وأضمر ما أضمره في صدر الزمان ، وصرح بما صرح به لسان الواقع ، ولوح إلى ما لوح{[9776]} إليه صارم الفتح القاطع - والله الهادي .
والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله ، قال{[9777]} الماوردي من أصحابنا : كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا قوله تعالى :{ فول وجهك شطر المسجد الحرام{[9778]} }[ البقرة : 149 ] فإن المراد به الكعبة{[9779]} - نقله عن ابن الملقن{[9780]} . وقال غيره : إنه يطلق أيضاً على نفس مكة مثل{ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام{[9781]} }[ الإسراء : 1 ] فإن{[9782]} في بعض طرق البخاري : " فُرج{[9783]} سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج{[9784]} صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست{[9785]} - إلى أن قال : ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى{[9786]} السماء " ويطلق أيضاً على نفس المسجد نحو قوله تعالى :{ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس{[9787]} سواء العاكف فيه والباد{[9788]} }[ الحج : 25 ] .
ولما كان كل ما تقدم{[9789]} من أمر الكفار فتنة{[9790]} كان كأنه قيل : أكبر ، لأن ذلك فتنة{[9791]} { والفتنة } أي بالكفر والتكفير بالصد{[9792]} والإخراج وسائر أنواع الأذى التي ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم { أكبر من القتل } ولو كان في الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول{[9793]} .
ولما كان التقدير : وقد فتنوكم{[9794]} وقاتلوكم وكان الله سبحانه وتعالى عالماً بأنهم إن تراخوا في قتالهم{[9795]} ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم ليتركوا الإسلام وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفاً على ما قدرته{[9796]} : { ولا يزالون }{[9797]} أي الكفار{[9798]} { يقاتلونكم } أي يجددون{[9799]} قتالكم كلما لاحت لهم فرصة .
ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله{[9800]} تعالى بقوله : { حتى } ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هيّن عليهم لقلة المسلمين وضعفهم تصوروه{[9801]} غاية لا بد من انتهائهم إليها ، فدل على ذلك بالتعبير بأداة الغاية ، { يردوكم } أي كافة ما بقي منكم واحد { عن دينكم } الحق ، ونبه على أن " حتى " تعليلية بقوله مخوفاً من التواني{[9802]} عنهم فيستحكم{[9803]} كيدهم ملهباً للأخذ في الجد في حربهم{[9804]} وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون{[9805]} : { إن استطاعوا } أي إلى ذلك سبيلاً ، فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك ، لأنكم قاطعون بأنكم على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون ؛ ولا بد وإن طال المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم ، ومن وكل إلى نفسه ضاع ؛ فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي{[9806]} الاستعداد له بعدته والتأهب له بأهبته فضلاً عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين طعناً في الدين وصداً عن السبيل وشبههم التي أصَلوا عليهم دينهم ولا أصل لها ، وفي الآية إشارة إلى ما وقع من الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن القتال على الدين لم ينقض{[9807]} إلا بعد الفروغ{[9808]} من أمرهم . قال الحرالي {[9809]}الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها الانقياد فيه ، ثم قال{[9810]} : {[9811]}فيه إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت ، لأن كلام الله لا يخرج في بته واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله : { ومن يرتدد } إلى آخره{[9812]} ؛ وهو من الردة ومنه الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال بوفق - انتهى . وكان صيغة الافتعال المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في مفارقة الإلف من الألم{[9813]} ؛ {[9814]}وإجماع القراء على الفك هنا للإشارة إلى أن الحبوط مشروط بالكفر ظاهراً باللسان وباطناً بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب ، وأشارت{[9815]} قراءة الإدغام في المائدة{[9816]} إلى أن الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن كان القلب مطمئناً .
ولما حماهم{[9817]} سبحانه وتعالى بإضافة الدين إليهم بأنهم يريدون سلبهم ما اختاروه لأنفسهم لحقيته{[9818]} وردهم قهراً إلى ما رغبوا عنه لبطلانه{[9819]} خوفهم من التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال : { ومن يرتدد منكم } أي يفعل ما يقصدونه من الردة { عن دينه } {[9820]}وعطف على الشرط قوله{[9821]} : { فيمت }{[9822]} أي فيتعقب ردته أنه يموت { وهو } أي والحال أنه { كافر }{[9823]} .
ولما أفرد الضمير على اللفظ نصاً على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع{[9824]} إخزاء لكل{[9825]} فرد منهم ولا عكس ، وقرنه بفاء السبب إعلاماً بأن سوء أعمالهم هو السبب في وبالهم فقال : { فأولئك } البعداء البغضاء { حبطت أعمالهم } أي بطلت معانيها وبقيت صورها ؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي{[9826]} أثره . وقال الحرالي : من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي{[9827]} يقعده عن قيامه كذلك الحبط{[9828]} في الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه { في الدنيا } بزوال ما فيها من روح الأنس بالله سبحانه وتعالى ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة{[9829]} ببيان حبوطها{[9830]} فقط بطل ما كان لها من الإقبال من الحق والتعظيم من الخلق { والآخرة } بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد . ولما كانت الردة{[9831]} أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها فقال : { وأولئك أصحاب النار } فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها{[9832]} فهم غير منفكين منها .
ولما كانوا كذلك كانوا{[9833]} كأنهم{[9834]} المختصون بها دون غيرهم لبلوغ ما لهم فيها من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ{[9835]} لهم بالأيام من غيرهم فقال تقريراً للجملة التي قبلها : { هم فيها خالدون * } أي مقيمون إقامة لا آخر لها ، وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من الردة لأن الله سبحانه وتعالى إذا ساق شيئاً مساق الشرط اقتضى أنه سيقع شيء{[9836]} منه فيكون المعنى : ومن يرتد فيتب عن{[9837]} ردته يتب الله عليه كما وقع لأكثرهم ، {[9838]}وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر .