فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة . . الأخوة في الله ، على منهج الله ، لتحقيق منهج الله :
( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم ، إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا . وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) . .
فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام . . من الركيزة الأولى . . أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ، ولا على أي هدف آخر ، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة !
( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) . .
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى . وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما . وهو هنا يذكرهم هذه النعمة . يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية " أعداء " . . وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد . وهما الحيان العربيان في يثرب . يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعا . ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه ، ولا تعيش إلا معه . فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام . . وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة . وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا .
وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله ، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية ، والثارات القبلية ، والأطماع الشخصية والرايات العنصرية . ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال . .
( واذكروا نعمة الله عليكم ، إذ كنتم أعداء ، فألف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخوانا )
ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها ، إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله - الركيزة الأولى - وبالتأليف بين قلوبهم ، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا - الركيزة الثانية - :
( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) .
والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط : " القلب " . . فلا يقول : فألف بينكم . إنما ينفذ إلى المكمن العميق : ( فألف بين قلوبكم ) فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه . كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه . بل مشهدا حيا متحركا تتحرك معه القلوب : ( وكنتم على شفا حفرة من النار ) . . وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة ، إذا بالقلوب ترى يد الله ، وهي تدرك وتنقذ ! وحبل الله وهو يمتد ويعصم . وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب ! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة ، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال !
وقد ذكر محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج . وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج ، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة ، فبعث رجلا معه ، وأمره أن يجلس بينهم ، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم " بعاث " ! وتلك الحروب . ففعل . فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم ، وغضب بعضهم على بعض ، وتثاوروا ، ونادوا بشعارهم . وطلبوا أسلحتهم . وتوعدوا إلى " الحرة " . . فبلغ ذلك النبي [ ص ] فأتاهم ، فجعل يسكنهم ، ويقول : " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم " وتلا عليهم هذه الآية ، فندموا على ما كان منهم ، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم .
وكذلك بين الله لهم فاهتدوا ، وحق فيهم قول الله سبحانه في التعقيب في الآية :
( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) .
فهذه صورة من جهد يهود لتقطيع حبل الله بين المتحابين فيه ، القائمين على منهجه ، لقيادة البشرية في طريقه . . هذه صورة من ذلك الكيد الذي تكيده يهود دائما للجماعة المسلمة ، كلما تجمعت على منهج الله واعتصمت بحبله . وهذه ثمرة من ثمار طاعة أهل الكتاب . كادت ترد المسلمين الأولين كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض . وتقطع بينهم حبل الله المتين ، الذي يتآخون فيه مجتمعين . وهذه صلة هذه الآية بالآيات قبلها في هذا السياق .
على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة . فهي تشي - مع ما قبلها في السياق وما بعدها - بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة ، وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل . والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب ، ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم ، ومن التفرق كما تفرقوا . . هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة ، ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار . . وهو دأب يهود في كل زمان . وهو عملها اليوم وغدا في الصف المسلم ، في كل مكان !
ولما كان عزم الإنسان فاتراً وعقله{[18449]} قاصراً ، دلهم{[18450]} - بعد أن أوقفتهم{[18451]} التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ من جميع الزلات فقال : { واعتصموا } أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد والانضباط العظيم { بحبل الله } أي طريق دين{[18452]} الملك الذي لا كفوء له التي نهجها{[18453]} لكم ومهدها{[18454]} ، وأصل الحبل السبب الذي يوصف به إلى البغية والحاجة ، وكل{[18455]} من يمشي على طريق دقيق يخاف{[18456]} أن تزلق{[18457]} رجله عنه{[18458]} إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف ، ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به النقل الصحيح ، وهذا الدين{[18459]} مثاله ، فصعوبته وشدته على النفوس بما لها من النوازع والحظوظ مثال دقته ، فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط عما هو مثاله .
ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم{[18460]} الجامع إحاطة الأمر بالكل أكده بقوله : { جميعاً } لا تدعوا أحداً منكم يشذ{[18461]} عنها ، بل كلما عثرتم{[18462]} على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره ، ولا تغفلوا عنه فيختل{[18463]} النظام ، وتتعبوا{[18464]} على الدوام ، بل تزالوا{[18465]} كالرابط ربطاً{[18466]} شديداً حزمة{[18467]} نبل{[18468]} بحبل ، لا يدع واحدة منها تنفرد{[18469]} عن الأخرى ، ثم أكد ذلك{[18470]} بقوله : { ولا تفرقوا } ثم ذكرهم{[18471]} نعمة الاجتماع ، لأن{[18472]} ذلك باعث على شكرها ، وهو باعث على إدامة الاعتصام والتقوى ، وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس الأخروية فقال : { واذكروا نعمة الله } الذي له الكمال كله { عليكم } يا من اعتصم{[18473]} بعصام الدين ! { إذا كنتم أعداء } متنافرين أشد تنافر { فألف بين قلوبكم } بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم { فأصبحتم بنعمته إخواناً } قد نزع ما في قلوبكم من الإحن{[18474]} ، وأزال{[18475]} تلك{[18476]} الفتن والمحن .
ولما ذكر النعمة التي أنقذتهم من هلاك الدنيا{[18477]} ثنى بما تبع{[18478]} ذلك من نعمة الدين التي عصمت من الهلاك الأبدي فقال : { وكنتم على شفا } أي حرف وطرف { حفرة من النار } بما كنتم فيه من الجاهلية { فأنقذكم منها } .
ولما تم هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جواباً لمن يقول : لله در{[18479]} هذا البيان ! ما أغربه من بيان ! - { كذلك } أي مثل هذا البيان البعيد المنال{[18480]} البديع{[18481]} المثال { يبين الله } المحيط علمه الشاملة{[18482]} قدرته بعظمته{[18483]} { لكم آياته } وعظم الأمر بتخصيصهم به{[18484]} وإضافة الآي إليه . {[18485]}ولما كان السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله{[18486]} : { لعلكم تهتدون * } أي ليكون{[18487]} حالكم عند من ينظركم حال من ترجى{[18488]} وتتوقع هدايته ، هذا الترجي حالكم فيما بينكم ، وأما هو سبحانه وتعالى فقد أحاط علمه بالسعيد والشقي ، ثم الأمر إليه ، فمن شاء هداه ، ومن أراد أرداه{[18489]} .