في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ} (195)

180

ثم . . طال بالرد عليه والاستجابة له كذلك :

( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى - بعضكم من بعض - فالذين هاجروا ، وأخرجوا من ديارهم ، وأوذوا في سبيلي ، وقاتلوا وقتلوا ، لأكفرن عنهم سيئاتهم ، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار . . ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب . . لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد . متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، نزلا من عند الله . وما عند الله خير للأبرار ) . .

وهي استجابة مفصلة ، وتعبير مطول ، يتناسق مع السمة الفنية للتعبير القرآني ؛ وفق مقتضى الحال ، ومتطلبات الموقف ، من الجانب النفسي والشعوري .

ثم نخلص لمحتويات هذه الاستجابة الإلهية ، ودلالتها على طبيعة هذا المنهج الإلهي ومقوماته ، ثم على طبيعة منهج التربية الإسلامية وخصائصه . .

إن أولي الألباب هؤلاء ، تفكروا في خلق السماوات والأرض ، وتدبروا اختلاف الليل والنهار ، وتلقوا من كتاب الكون المفتوح ، واستجابت فطرتهم لإيحاء الحق المستكن فيه ، فاتجهوا إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع الواجف الطويل العميق . . ثم تلقوا الاستجابة من ربهم الكريم الرحيم ، على دعائهم المخلص الودود . . فماذا كانت الاستجابة ؟

لقد كانت قبولا للدعاء ، وتوجيها إلى مقومات هذا المنهج الإلهي وتكاليفه في آن :

( استجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم . . من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ) . .

إنه ليس مجرد التفكر ومجرد التدبر . وليس مجرد الخشوع والارتجاف . وليس مجرد الاتجاه إلى الله لتكفير السيئات والنجاة من الخزي ومن النار . . إنما هو " العمل " . العمل الإيجابي ، الذي ينشأ عن هذا التلقي ، وعن هذه الاستجابة ، وعن هذه الحساسية الممثلة في هذه الارتجافة . العمل الذي يعتبره الإسلام عبادة كعبادة التفكر والتدبر ، والذكر والاستغفار ، والخوف من الله ، والتوجه إليه بالرجاء . بل العمل الذي يعتبره الإسلام الثمرة الواقعية المرجوة لهذه العبادة ، والذي يقبل من الجميع : ذكرانا وإناثا بلا تفرقة ناشئة من اختلاف الجنس . فكلهم سواء في الإنسانية - بعضهم من بعض - وكلهم سواء في الميزان . .

ثم تفصيل للعمل ، تتبين منه تكاليف هذه العقيدة في النفس والمال ؛ كما تتبين منه طبيعة المنهج ، وطبيعة الأرض التي يقوم عليها ، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك ، وضرورة مغالبة العوائق ، وتكسيرالأشواك ، وتمهيد التربة للنبتة الطيبة ، والتمكين لها في الأرض ، أيا كانت التضحيات ، وأيا كانت العقبات :

( فالذين هاجروا ، وأخرجوا من ديارهم ، وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا . لأكفرن عنهم سيئاتهم ، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار . ثوابا من عند الله ، والله عنده حسن الثواب ) .

وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أول مرة . الذين هاجروا من مكة ، وأخرجوا من ديارهم ، في سبيل العقيدة ، وأوذوا في سبيل الله لا في أي غاية سواه ، وقاتلوا وقتلوا . . ولكنها صورة أصحاب هذه العقيدة في صميمها . . في كل أرض وفي كل زمان . . صورتها وهي تنشأ في الجاهلية - أية جاهلية - في الأرض المعادية لها - أية أرض - وبين القوم المعادين - أي قوم - فتضيق بها الصدور ، وتتأذى بها الأطماع والشهوات ، وتتعرض للأذى والمطاردة ، وأصحابها - في أول الأمر - قلة مستضعفة . . ثم تنمو النبتة الطيبة - كما لا بد أن تنمو - على الرغم من الأذى ، وعلى الرغم من المطاردة ، ثم تملك الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسها . فيكون القتال ، ويكون القتل . . وعلى هذا الجهد الشاق المرير يكون تكفير السيئات ، ويكون الجزاء ويكون الثواب .

هذا هو الطريق . . طريق هذا المنهج الرباني ، الذي قدر الله أن يكون تحققه في واقع الحياة بالجهد البشري ، وعن طريق هذا الجهد ، وبالقدر الذي يبذله المؤمنون المجاهدون في سبيل الله . ابتغاء وجه الله .

وهذه هي طبيعة هذا المنهج ، ومقوماته ، وتكاليفه . . ثم هذه هي طريقة المنهج في التربية ، وطريقته في التوجيه ، للانتقال من مرحلة التأثر الوجداني بالتفكر والتدبر في خلق الله ؛ إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثر تحقيقا للمنهج الذي أراده الله .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ} (195)

ولما تسبب عن هذا الدعاء الإجابة{[20180]} لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى بعد معرفته بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء عليه سبحانه وتنزيهه والإخلاص في سؤاله{[20181]} قال : { فاستجاب } أي فأوجد الإجابة حتماً { لهم } قال الأصفهاني : وعن جعفر الصادق : من حزبه أمر فقال خمس مرات " ربنا " أنجاه الله مما يخاف ، وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه الآية . وأشار إلى أنها من{[20182]} منّه وفضله بقوله{[20183]} : { ربهم } أي المحسن إليهم المتفضل عليهم { إني لا أضيع عمل عامل منكم } كائناً من كان { من ذكر أو أنثى } وقوله معللاً : { بعضكم من بعض } التفات إلى قوله{[20184]} سبحانه

{ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم }[ آل عمران : 59 ] الناظر إلى قوله{[20185]} { ذرية بعضها من بعض }[ آل عمران : 34 ] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى{ اصطفى آدم ونوحاً }[ آل عمران : 33 ] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء من غير تفاوت في ذلك أصلاً ، والمراد أنهم إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل .

ولما أقر أعينهم بالإجابة ، وكان قد تقدم ذكر الأنصار{[20186]} عموماً في قوله :{ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين{[20187]} }[ آل عمران : 170-171 ] خص المهاجرين بياناً لفضلهم وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه ، لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من أهل ولا مال بقوله مسبباً عن الوعد المذكور ومفصلاً ومعظماً ومبجلاً{[20188]} : { فالذين هاجروا } أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس إليهم في الدين المؤدي إلى المقاطعة{[20189]} وأعز البلاد عليهم .

ولما كان للوطن من القلب منزل{[20190]} ليس لغيره نبه عليه بقوله : { وأخرجوا من ديارهم } أي{[20191]} وهي آثر المواطن عندهم بعد أن باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إليهم ، ولما كان الأذى مكروهاً لنفسه لا بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله : { وأوذوا } أي بغير ذلك من أنواع الأذى { في سبيلي } أي بسبب ديني الذي نهجته{[20192]} ليسلك إليّ فيه ، وحكمت أنه لا وصول إلى رضائي بدونه{[20193]} { وقاتلوا } أي في سبيلي .

ولما كان القتل نفسه هو المكروه{[20194]} ، لا بالنسبة إلى معين ؛ كان المدح على اقتحام موجباته ، فبنى للمفعول قوله : { وقتلوا } أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن أرواحهم بعد النزوح{[20195]} عن منازل أشباحهم ، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أبلغ معنى ، لأنها أشد ترغيباً في الإقدام على الأخصام ، لأن من استقتل{[20196]} أقدم على الغمرات إقدام الأسد فقتل{[20197]} أخص منه{[20198]} ولم يقف أحد أمامه ، فكأنه قيل{[20199]} : وأرادوا{[20200]} القتل ، هذا{[20201]} بالنظر إلى الإنسان نفسه ، ويجوز أن يكون الخطاب للمجموع{[20202]} فيكون المعنى : وقاتلوا بعد أن رأوا كثيراً من أصحابهم قد قتل { لأكفرن عنهم سيئاتهم } كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علماً منهم بأن أحداً لن يقدر على أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد { ولأدخلنهم } أي بفضلي { جنات تجري من تحتها الأنهار } كما سبق به{[20203]} الوعد { ثواباً } وهو وإن كان على أعمالهم فهو فضل منه ، وعظمه بقوله : { من عند الله } أي المنعوت بالأسماء الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا توازي أقل نعمه { والله } أي الذي له{[20204]} الجلال والإكرام{[20205]} ، ونبه على عظمة المحدث عنه بالعندية فقال : { عنده } أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة { حسن الثواب * } أي وهو ما لا شائبة كدر فيه ، لأنه شامل القدرة بخلاف غيره .


[20180]:وقع في ظ: إلا ـ كذا مقطوعا.
[20181]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20182]:سقط من ظ ومد.
[20183]:في ظ: بقولهم.
[20184]:في ظ: التفاوت.
[20185]:سقطت من ظ.
[20186]:في ظ: الانضمار ـ كذا.
[20187]:سورة 3 آية 170 و171.
[20188]:من ظ ومد، وفي الأصل: مجبلا.
[20189]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[20190]:في ظ: لمنزل.
[20191]:سقط من ظ.
[20192]:من مد، وفي الأصل وظ: بهجته.
[20193]:زيد بعده في الأصل: معللا، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20194]:زيدت الواو بعده في ظ ومد.
[20195]:من مد، وفي الأصل: النزول، وفي ظ: البروح.
[20196]:في الأصول: استقل.
[20197]:في ظ: فقيل.
[20198]:سقط من مد.
[20199]:من ظ ومد، وفي الأصل: قتل.
[20200]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالقتل بدا.
[20201]:من ظ ومد، وفي الأصل: بالقتل بدا.
[20202]:من ظ ومد، وفي الأصل: لمجموع.
[20203]:في ظ: فيه.
[20204]:زيد بعده في الأصل: ذو، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[20205]:في ظ ومد: الجمال.