في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّـٰٓئِمِينَ وَٱلصَّـٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّـٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّـٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا} (35)

28

وفي صدد تطهير الجماعة الإسلامية ، وإقامة حياتها على القيم التي جاء بها الإسلام . الرجال والنساء في هذا سواء . لأنهم في هذ المجال سواء . . يذكر الصفات التي تحقق تلك القيم في دقة وإسهاب وتفصيل :

( إن المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، والقانتين والقانتات ، والصادقين والصادقات ، والصابرين والصابرات ، والخاشعين والخاشعات ، والمتصدقين والمتصدقات ، والصائمين والصائمات ، والحافظين فروجهم والحافظات ، والذاكرين الله كثيرا والذاكرات . . أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) . . .

وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة . فهي الإسلام ، والإيمان ، والقنوت ، والصدق ، والصبر ، والخشوع ، والتصدق ، والصوم ، وحفظ الفروج ، وذكر الله كثيرا . . ولكل منها قيمته في بناء الشخصية المسلمة .

والإسلام : الاستسلام ، والإيمان التصديق . وبينهما صلة وثيقة أو أن أحدهما هو الوجه الثاني للآخر . فالاستسلام إنما هو مقتضى التصديق . والتصديق الحق ينشأ عنه الاستسلام .

والقنوت : الطاعة الناشئة من الإسلام والإيمان ، عن رضى داخلي لا عن إكراه خارجي .

والصدق : هو الصفة التي يخرج من لا يتصف بها من صفوف الأمة المسلمة لقوله تعالى : ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله )فالكاذب مطرود من الصف . صف هذه الأمة الصادقة .

والصبر : هو الصفة التي لا يستطيع المسلم حمل عقيدته والقيام بتكاليفها إلا بها . وهي تحتاج إلى الصبر في كل خطوة من خطواتها . الصبر على شهوات النفس ، وعلى مشاق الدعوة ، وعلى أذى الناس . وعلى التواء النفوس وضعفها وانحرافها وتلونها . وعلى الابتلاء والامتحان والفتنة . وعلى السراء والضراء ، والصبر على كلتيهما شاق عسير .

والخشوع : صفة القلب والجوارح ، الدالة على تأثر القلب بجلال الله ، واستشعار هيبته وتقواه .

والتصدق : وهو دلالة التطهر من شح النفس ، والشعور بمرحمة الناس ، والتكافل في الجماعة المسلمة . والوفاء بحق المال . وشكر المنعم على العطاء .

والصوم : والنص يجعله صفة من الصفات إشارة إلى اطراده وانتظامه . وهو استعلاء على الضرورات ، وصبر عن الحاجات الأولية للحياة . وتقرير للإرادة ، وتوكيد لغلبة الإنسان في هذا الكائن البشري على الحيوان .

وحفظ الفرج : وما فيه من تطهر ، وضبط لأعنف ميل وأعمقه في تركيب كيان الإنسان ، وسيطرة على الدفعة التي لا يسيطر عليها إلا تقي يدركه عون الله . وتنظيم للعلاقات ، واستهداف لما هو أرفع من فورة اللحم والدم في التقاء الرجل والمرأة ، وإخضاع هذا الالتقاء لشريعة الله ، وللحكمة العليا من خلق الجنسين في عمارة الأرض وترقية الحياة .

وذكر الله كثيرا : وهو حلقة الاتصال بين نشاط الإنسان كله وعقيدته في الله . واستشعار القلب لله في كل لحظة ؛ فلا ينفصل بخاطر ولا حركة عن العروة الوثقى . وإشراق القلب ببشاشة الذكر ، الذي يسكب فيه النور والحياة .

هؤلاء الذين تتجمع فيهم هذه الصفات ، المتعاونة في بناء الشخصية المسلمة الكاملة . . هؤلاء ( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) . .

وهكذا يعمم النص في الحديث عن صفة المسلم والمسلمة ومقومات شخصيتهما ، بعدما خصص نساء النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في أول هذا الشوط من السورة . وتذكر المرأة في الآية بجانب الرجل كطرف من عمل الإسلام في رفع قيمة المرأة ، وترقية النظرة إليها في المجتمع ، وإعطائها مكانها إلى جانب الرجل فيما هما فيه سواء من العلاقة بالله ؛ ومن تكاليف هذه العقيدة في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّـٰٓئِمِينَ وَٱلصَّـٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّـٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّـٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا} (35)

شرح الكلمات :

{ إن المسلمين والمسلمات } : إن الذين أسلموا لله وجوههم فانقادوا لله ظاهراً وباطناً والمسلمات أيضاً .

{ والمؤمنين والمؤمنات } : أي المصدقين بالله رباً وإلهاً والنبي محمد نبياً ورسولاً والإِسلام دينا وشرعاً والمصدقات .

{ والقانتين والقانتات } : أي المطيعين لله ورسوله من الرجال والمطيعات من النساء .

{ والصادقين والصادقات } : أي الصادقين في أقوالهم وأفعالهم والصادقات .

{ والصابرين والصابرات } : أي الحابسين نفوسهم على الطاعات فلا يتركوها وعن المعاصي فلا يقربوها وعلى البلاء فلا يسخطوه ولا يشتكوا الله إلى عباده والحابسات .

{ والخاشعين والخاشعات } : أي المتذللين لله المخبتين له والخاشعات من النساء كذلك .

{ والمتصدقين والمتصدقات } : أي المؤدين الزكاة والفضل من أموالهم عند الحاجة إليه والمؤديات كذلك .

{ والحافظين فروجهم } : أي عن الحرام والحافظات كذلك إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم بالنسبة للرجال أما النساء فالحافظات فروجهن إلا على أزواجهن فقط .

{ والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } : أي بالألسن والقلوب فعلى أقل تقدير يذكرن الله ثلاثمائة مرة في اليوم والليلة زيادة على ذكر الله في الصلوات الخمس .

{ أعد الله لهم مغفرة } : أي لذنوبهم وذنوبهن .

{ وأجراً عظيماً } : أي الجنة دار الأبرار .

المعنى :

هذه الآية وإن نزلت جواباً عن تساؤل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إذ قلن للنبي صلى الله عليه وسلم : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال فأنزل الله تعالى هذه الآية المباركة إن المسلمين والمسلمات ، فإن مناسبتها لما قبلها ظاهرة وهي أنه لما أثنى على آل البيت بخير فإن نفوس المسلمين والمسلمات تتشوق لخير لهم كالذي حصل لآل البيت الطاهرين فذكر تعالى أن المسلمين والمسلمات الذين انقادوا لأمر الله ورسوله وأسلموا وجوههم لله فلا يلتفتون إلى غيره ، كالمؤمنين والمؤمنات بالله رباً وإلهاً ومحمداً نبياً ورسولاً والإِسلام ديناً وشرعا ، كالقانتين أي المطيعين لله ورسوله والمطيعات في السراء والضراء والمنشط والمكره في حدود الطاقة البشرية ، كالصادقين في أقوالهم وأفعالهم والصادقات كالصابرين أي الحابسين نفوسهم على الطاعات فعلا ، وعن المحرمات تركا ، وعلى البلاء رضاً وتسليماً والصابرات كالخاشعين في صلاتهم وسائر طاعاتهم والخاشعات لله تعالى كالمتصدقين بأداء زكاة أموالهم وبفضولها عند الحاجة إليها والمتصدقات كالصائمين رمضان والنوافل كعاشوراء والصائمات ، كالحافظين فروجهم عما حرم الله عليهم من المناكح وعن كشفها لغير الأزواج والحافظات ، كالذاكرين الله كثيراً بالليل والنهار ذكر القلب واللسان والذاكرات الكل الجميع أعد الله تعالى لهم مغفرة لذنوبهم إذ كانت لهم ذنوب ، وأجراً عظيماً أي جزاء عظيماً على طاعاتهم بعد إِيمانهم وهو الجنة دار السلام جعلنا الله منهم ومن أهل الجنة .

الهداية :

من الهداية :

* بشرى المسلمين والمسلمات بمغفرة ذنوبهم ودخول الجنة إن اتصفوا بتلك الصفات المذكورة في هذه الآية وهي عشر صفات أولها الإِسلام وآخرها ذكر الله تعالى .

* فضل الصفات المذكورة إذ كانت سبباً في دخول الجنة بعد مغفرة الذنوب .

* تقرير مبدأ التساوي بين الرجال والنساء في العمل والجزاء في العمل الذي كلف الله تعالى به النساء والرجال معاً ، وأما ما خص به الرجال أو النساء فهو على خصوصيته للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ، والله يقول الحق ويهدي السبيل .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّـٰٓئِمِينَ وَٱلصَّـٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّـٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّـٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا} (35)

قوله تعالى : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } .

في سبب نزول هذه الآية روى النسائي وغيره من أصحاب السنن عن أم سلمة ( رضي الله عنها ) أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : يا نبي الله مالي أسمع الرجال يُذكرون في القرآن ؛ والنساء لا يُذكرن ؟ فأنزل الله : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ . . . } الآية . وكل هذه الأسماء منصوب بالعطف على { إنّ } وخبرها قوله : { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً } {[3743]}

وقد بدأ في هذه الآية بذكر الإسلام ، وهو الدخول في دين الله والتزام شرعه وأحكامه . ثم الإيمان ، وهو التصديق بأركان العقيدة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر ، تصديقا قاطعا لا ريب فيه . ويستدل من ذلك على أن الإسلام علانية وأنه عام . فهو يعمّ الإيمان المستكن في القلب وكذا عمل الجوارح . وقد ذكر الإيمان على سبيل التخصيص له .

قوله : { وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ } من القنوت وهو الطاعة . والمراد أنهم العابدون لله المطيعون له فيما أمر .

قوله : { وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ } من الصدق . وهذه شيمة كبرى من شيم المسلمين وهي أنهم يصْدُقون الحديث إن تكلموا أو خاطبوا غيرهم ؛ لأن قلوبهم وجلة من الله ، صادقة معه بعد أن استقر فيها الإيمان به سبحانه . أما الكذب فإنه ذميمة مقبوحة شدّد عليها الإسلام النكير ووصم الذين يتلبسون بالكذب بأنهم على شعبة من النفاق .

قوله : { وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ } هم الذين يصبرون على الطاعات ، وعن المعاصي على اختلافها . ويصبرون على المصائب والمحن التي يلاقونها في حياتهم الدنيا . وهم في ذلك ثابتون لا يتزعزعون ولا يترددون .

قوله : { وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ } من الخشوع وهو الخضوع لله والانقياد لأمره وسلطانه والخوف من حسابه وعقابه . وتلك هي حال المؤمنين والمؤمنات فإنهم يخشون الله في السر والعلن فيبادرون الطاعة لله والإذعان له والاستسلام .

قوله : { وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ } الذين يبذلون للفقراء والمحاويج صدقات أموالهم سواء منها المفروضة أو المندوبة . أولئك طيبون رحماء ، يرحمهم الله ويصلح حالهم .

قوله : { وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ } سواء في الصوم ما كان مفروضا أو كان مندوبا . وذلك خلق المؤمنين الصادقين فإنهم يمسكون عن الطعام والشراب والشهوة ، يبتغون بذلك مرضاة الله ربهم وحُسن جزائه .

قوله : { وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ } أي عما لا يحل من السفاح . وإنما يأتون من الوطء أو الوقاع ما كان حلالا .

قوله : { وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ } أي يذكرون الله بقلوبهم وألسنتهم غدوًّا وعشيًّا وفي أدبار الصلوات وفي المضاجع وعند اليقظة من النوم . وقيل : قراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر .

قوله : { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } أي غفر الله لهؤلاء المذكورين من الرجال والنساء فستر عليهم ذنوبهم وسيئاتهم وأثابهم منه خير الجزاء في الجنة حيث النعيم المقيم{[3744]}


[3743]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 269
[3744]:الكشاف ج 3 ص 261 وتفسير القرطبي ج 14 ص 185.