وفي ظل هذا المشهد الذي يتضاءل فيه علم الإنسان ينطلق الإيقاع الثالث والأخير في السورة ، فيرسم أعلى أفق للبشرية - وهو أفق الرسالة الكاملة الشاملة . فإذا هو قريب محدود بالقياس إلى الأفق الأعلى الذي تتقاصر دونه الأبصار ، وتنحسر دونه الأنظار :
( قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد . فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) . .
إنه أفق الإلوهية الأسمى . . فأين هنا آفاق النبوة ، وهي - على كل حال - آفاق بشريته ?
( قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي . . . ) . . بشر يتلقى من ذلك الأفق الأسمى . بشر يستمد من ذلك المعين الذي لا ينضب . بشر لا يتجاوز الهدى الذي يتلقاه من مولاه . بشر يتعلم فيعلم فيعلم . . فمن كان يتطلع إلى القرب من ذلك الجوار الأسنى ، فلينتفع بما يتعلم من الرسول الذي يتلقى ، وليأخذ بالوسيلة التي لا وسيلة سواها :
( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) . .
هذا هو جواز المرور إلى ذلك اللقاء الأثير .
وهكذا تختم السورة - التي بدأت بذكر الوحي والتوحيد - بتلك الإيقاعات المتدرجة في العمق والشمول ، حتى تصل إلى نهايتها فيكون هذا الإيقاع الشامل العميق ، الذي ترتكز عليه سائر الأنغام في لحن العقيدة الكبير . .
{ يرجو لقاء ربه } : يأمل وينتظر البعث والجزاء يوم القيامة حيث يلقى ربه تعالى .
{ ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } : أي لا يرائي بعمله أحداً ولا يشرك في عبادة الله تعالى غيره تعالى .
وقوله تعالى : { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم إله واحد } . يأمر تعالى رسوله بأن يقول للمشركين الذين يطلبون منه المعجزات كالتي أوتى موسى وعيسى : إنما أنا بشر مثلكم لا أقدر على ما لا تقدرون عليه أنتم ، والفرق بيننا هو أنه يوحى إلي الأمر من ربي وأنتم لا يوحى إليكم يوحى إلي أنما إلهكم أي معبودكم الحق وربكم الصدق هو إله واحد الله ربكم ورب آبائكم الأولين .
وقوله { فمن كان يرجو } أي يأمل وينتظر { لقاء ربه } خوفاً منه وطمعاً فيه { فليعمل عملاً صالحاً } وهو مؤمن موقن ، { ولا يشرك بعبادة ربه أحداً } فإن الشرك محبط للعمل مبطل له ، وبهذا يكون رجاء صادقاً وانتظاره صالحاً صائباً .
- تقرير بشرية النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه ليس روحاً ولا نوراً فحسب كما يقول الغلاة الباطنية .
- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك .
- تقرير أن الرياء شرك لما ورد أن الآية نزلت في بيان حكم المرء ويجاهد يريد وجه الله ويرغب أن يرى مكانة بين الناس ، يصلى ويصوم ويجب أن يثنى عليه بذلك .
ولما كانوا ربما قالوا : ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما نسألك عنه حيثما سألناك{[47619]} ؟ وكانوا قد استنكروا{[47620]} كون النبي بشراً ، وجوزوا كون الإله{[47621]} حجراً ، {[47622]}وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد أول مسائلهم ، وهي الروح آخر سبحان ، وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على هذا الوجه أنه رسول{[47623]} ، أمره سبحانه أن{[47624]} يجيبهم عن ذلك كله{[47625]} بما يرد عليهم {[47626]}غلطهم ، ويفضح شبههم{[47627]} ، إرشاداً لهم إلى أهم ما يعنيهم {[47628]}من الحرف الذي النزاع كله دائر عليه وهو التوحيد{[47629]} فقال : { قل إنما أنا } {[47630]}أي في الاستمداد بالقدرة على إيجاد المعدوم والإخبار{[47631]} بالمغيب { بشر مثلكم } {[47632]}أي لا أمر لي ولا قدرة إلا على ما يقدرني عليه ربي ، ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته فيمن قبلي{[47633]} { يوحى إليّ } أي{[47634]} من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى الرسل قبلي ما لا غنى لأحد عن علمه واعتقاده { أنما إلهكم } {[47635]}وأشار إلى أن إلهيته بالإطلاق لا بالنظر إلى{[47636]} جعل جاعل ولا غير ذلك فقال : { إله واحد } أي{[47637]} لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها ، قادر على ما يريد ، لا منازع له ، لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولا{[47638]} هوان بي{[47639]} عليه - هذا هو الذي يعني كلَ أحد علمه ، وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتاً فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله ، وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من أمر الساعة إيماناً بالغيب علم اليقين ، وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين اليقين ، وبالمباشرة حق اليقين ، وإن لم تتبعوني لم ينفعكم علمه { فمن } أي فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من { كان يرجوا } {[47640]}أي يؤمن بمجازاته له على أعماله في الآخرة برؤيته وغيرها{[47641]} ، وإنما قال : { لقاء ربه } تنبيهاً على أنه هو المحسن إلى كل أحد بالتفرد بخلقه ورزقه ، لا شريك له في شيء من ذلك على قياس ما نعلمه من أنه لا مالك إلا وهو قاهر لمملوكه على لقائه ، مصرف له في أوامره في صباحه ومسائه .
{[47642]}ولما كان الجزاء من جنس العمل ، كان الواجب على العبد الإخلاص في عمله ، كما كان عمل ربه في تربيته بالإيجاد وما بعده ، فقال{[47643]} : { فليعمل } {[47644]}وأكده للإعلام بأنه لا بد مع التصديق من الإقرار فقال{[47645]} : { عملاً } أي{[47646]} ولو كان قليلاً { صالحاً } وهو ما {[47647]}يأمره به{[47648]} {[47649]}من أصول الدين وفروعه من التوحيد وغيره من أعمال القلب والبدن والمال{[47650]} ليسلم من عذابه { ولا يشرك } أي وليكن ذلك العمل مبنياً على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء { بعبادة ربه أحداً * } فإذا عمل ذلك{[47651]} فاز فحاز علوم الدنيا والآخرة ، وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ما يوحى إليه ، وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم ، في الطريق الأقوم ، وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره ، والإحسان في العمل ، مع البشارة لمن آمن ، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر ، فبان بذلك أن لله{[47652]} تعالى - بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات - الكمال ، فصح أنه المستحق لجميع الحمد - والله الموفق ، والحمد لله على إتمام سورة الكهف من كتاب نظم الدرر من تناسب الآي والسور .
وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ما يوحى إليه ، وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم ، في الطريق الأقوم ، وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره ، والإحسان في العمل ، مع البشارة لمن آمن ، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر ، فبان بذلك أن لله تعالى - بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات - الكمال ، فصح أنه المستحق لجميع الحمد - والله الموفق ، {[1]}والحمد لله على إتمام سورة الكهف من كتاب نظم الدرر من تناسب الآي والسور{[2]} .