فلننظر بعد هذا الإجمال في استعراض النص القرآني :
( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون . وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ، ولا تكونوا أول كافر به ، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ، وإياي فاتقون . ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون . وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين . أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ؟ أفلا تعقلون ؟ واستعينوا بالصبر والصلاة ، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين . الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ، وأنهم إليه راجعون ) .
إن المستعرض لتاريخ بني إسرائيل ليأخذه العجب من فيض الآلاء التي أفاضها الله عليهم ، ومن الجحود المنكر المتكرر الذي قابلوا به هذا الفيض المدرار . . وهنا يذكرهم الله بنعمته التي انعمها عليهم إجمالا ، قبل البدء في تفصيل بعضها في الفقر التالية . يذكرهم بها ليدعوهم بعدها إلى الوفاء بعهدهم معه - سبحانه - كي يتم عليهم النعمة ويمد لهم في الآلاء :
( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ، وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) . .
فأي عهد هذا الذي يشار إليه في هذا المقام ؟ أهو العهد الأول ، عهد الله لآدم : ( فإما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) . . ؟ أم هو العهد الكوني السابق على عهد الله هذا مع آدم . العهد المعقود بين فطرة الإنسان وبارئه : أن يعرفه ويعبده وحده لا شريك له . وهو العهد الذي لا يحتاج إلى بيان ، ولا يحتاج إلى برهان ، لأن فطرة الإنسان بذاتها تتجه إليه بأشواقها اللدنية ، ولا يصدها عنه إلا الغواية والانحراف ؟ أم هو العهدالخاص الذي قطعه الله لإبراهيم جد إسرائيل . والذي سيجيء في سياق السورة : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ، قال : إني جاعلك للناس إماما ، قال : ومن ذريتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين ) . . ؟ أم هو العهد الخاص الذي قطعه الله على بني إسرائيل وقد رفع فوقهم الطور ، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة والذي سيأتي ذكره في هذه الجولة ؟ .
إن هذه العهود جميعا إن هي إلا عهد واحد في صميمها . إنه العهد بين الباريء وعباده أن يصغوا قلوبهم إليه ، وأن يسلموا أنفسهم كلها له . وهذا هو الدين الواحد . وهذا هو الإسلام الذي جاء به الرسل جميعا ؛ وسار موكب الإيمان يحمله شعارا له على مدار القرون .
ووفاء بهذا العهد يدعو الله بني إسرائيل أن يخافوه وحده وأن يفردوه بالخشية :
{ يا بني إسرائيل } لما قدم دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم : دعا بني إسرائيل خصوصا وهم اليهود ، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء ، فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم ، وتارة بالتخويف ، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم ، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها .
فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء ، وهي :
1-{ وإذ نجيناكم من آل فرعون }[ البقرة :49 ] .
2-{ وإذا فرقنا بكم البحر }[ البقرة :50 ] .
3-{ وبعثناكم من بعد موتكم }[ البقرة :56 ] .
4-{ وظللنا عليكم الغمام }[ البقرة :57 ]
5-{ وأنزلنا عليكم المن والسلوى }[ البقرة :57 ] .
6-و{ وعفونا عنكم }[ البقرة :52 ] .
7-{ وتاب عليكم }[ البقرة :54 ] .
8-{ ويغفر لكم خطاياكم }[ البقرة :58 ] .
9-{ وآتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون }[ البقرة :53 ] .
10-{ وانفجرت منه اثنتا عشرة عينا }[ البقرة :60 ] .
وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء :
1-قولهم :{ سمعنا وعصينا }[ البقرة :93 ] .
2-{ واتخذتم العجل }[ البقرة :51 ] .
3-وقالوا :{ أرنا الله جهرة }[ النساء :153 ] .
4- { فبدل الذين ظلموا }[ البقرة :59 ]
5-و{ لن نصبر على طعام واحد }[ البقرة :61 ] .
6-و{ يحرفونه }[ البقرة :75 ] .
7-و{ توليتم من بعد ذلك }[ البقرة :64 ]
8-و{ قست قلوبكم }[ البقرة :74 ] .
9-{ وكفرهم بآيات الله }[ النساء :155 ] .
10-{ وقتلهم الأنبياء بغير حق } [ آل عمران :181 ] .
1-{ وضربت عليهم الذلة }[ آل عمران :112 ] .
2-{ عليهم }[ آل عمران :112 ] .
3-{ وباءوا بغضب من الله }[ آل عمران :112 ] .
4-{ ويعطوا الجزية }[ التوبة :29 ] .
5-و{ فاقتلوا أنفسكم }[ النساء :66 ] .
6-و{ كونوا قردة }[ الأعراف :166 ] .
7-{ فأسلنا عليهم رجزا من السماء }[ الأعراف :162 ] .
8-{ فأخذتكم الصاعقة }[ البقرة :55 ] .
9-{ وجعلنا قلوبهم قاسية }[ المائدة :13 ] .
10-{ وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم }[ المائدة :160 ] .
وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين ، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر ، وهي :
1-كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، مع معرفتهم به .
2-{ ويحرفون الكلم }[ النساء :46 ] . و{ يقولون هذا من عند الله }[ البقرة :79 ] . 3-و{ تقتلون أنفسكم }[ البقرة :85 ] .
4-{ وتخرجون فريقا منكم من ديارهم }[ البقرة : 85 ] .
{ نعمتي } اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع ، ومعناه عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل ، مما اشترك فيه معهم غيرهم ، أو اختصهم به كالمن والسلوى ، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة ، واللفظ يعم النعم جميعا .
{ بعهدي } مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل : الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوي لأنه مقصود الكلام .
{ وإياي } مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير ، وليفيد الحصر يفسره فارهبون ، ولا يصح أن يعمل فيه فارهبون ؛ لأنه قد أخذ معموله ، وكذلك { إياي فاتقون } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.