لقد أرادوا صلب عيسى - عليه السلام - وقتله . وأراد الله أن يتوفاه ، وأن يرفعه إليه ، وأن يطره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس ، وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . . وكان ما أراده الله . وأبطل الله مكر الماكرين :
( إذ قال الله : يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ) .
فأما كيف كانت وفاته ، وكيف كان رفعه . . فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله . ولا طائل وراء البحث فيها . لا في عقيدة ولا في شريعة . والذين يجرون وراءها ، ويجعلونها مادة للجدل ، ينتهي بهم الحال إلى المراء ، وإلى التخليط ، وإلى التعقيد . دون ما جزم بحقيقة ، ودون ما راحة بال في أمر موكول إلى علم الله .
وأما أن الله جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة . . فلا يصعب القول فيه . فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين الله الصحيح . . الإسلام . . الذي عرف حقيقته كل نبي ، وجاء به كل رسول ، وآمن به كل من آمن حقا بدين الله . . وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان الله . . كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان ، وحقيقة الأتباع . . ودين الله واحد . وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول . والذين يتبعون محمدا [ ص ] هم في الوقت ذاته اتبعوا موكب الرسل كلهم . من لدن آدم - عليه السلام - إلى آخر الزمان .
وهذا المفهوم الشامل هو الذي يتفق مع سياق السورة ، ومع حقيقة الدين كما يركز عليها هذا السياق .
فأما نهاية المطاف للمؤمنين والكافرين ، فيقررها السياق في صدد إخبار الله لعيسى عليه السلام :
{ إني متوفيك ورافعك إلي } أي آخذك وافيا بروحك وجسمك ، ورافعك إلى محل كرامتي ، فالعطف للتفسير . يقال : وفيت فلانا حقه ، أي أعطيته إياه وافيا ، فاستوفاه وتوفاه ، أي أخذه وافيا . أو قابضك ومستوفي شخصك من الأرض ، من توفى المال بمعنى استوفاه وقبضه .
واعلم أن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب ، كما قال تعالى : { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } {[90]} وقال : { وما قتلوه يقينا } {[91]} . فاعتقاد النصارى القتل والصلب كفر لا ريب فيه . وقد أخبر الله تعالى أنه رفع إليه عيسى ، كما قال : { ورافعك إلي } وقال : { بل رفعه الله إليه } {[92]}فيجب الإيمان به .
والجمهور على أنه رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء . والخصوصية له عليه السلام هي في رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمد المقدر له ، أما التوفي المذكور في هذه الآية ، وفي قوله تعالى { فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } فالمراد منه ما ذكرنا على الرواية الصحيحة عن ابن عباس والصحيح من الأقوال ، كما قاله القرطبي ، وهو اختيار الطبري وغيره . وكما كان عليه السلام في مبدء خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة ، كان في نهاية أمره آية ومعجزة باهرة . والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشر ومدارك العقول ، وهي من متعلقات القدرة الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل عليهم السلام .
{ ومطهرك من الذين كفروا } بتبعيدك منهم برفعك ، وبنجاتك مما قصدوا بك .
{ وجاعل الذين اتبعوك . . } هم كل من آمن بأنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وآمن بما جاء به من التوحيد الذي به جميع الرسل . ويندرج فيهم المسلمون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الذين آمنوا برسل الله جميعا ، ولم يفرقوا بين أحد منهم ، وهم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان إلى يوم القيامة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.