واستجاب الله دعاء عبده الصالح عيسى بن مريم ؛ ولكن بالجد اللائق بجلاله سبحانه . . لقد طلبوا خارقة . واستجاب الله . على أن يعذب من يكفر منهم بعد هذه الخارقة عذابا شديدا بالغا في شدته لا يعذبه أحدا من العالمين :
( قال الله : إني منزلها عليكم ، فمن يكفر بعد منكم ، فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) . .
فهذا هو الجد اللائق بجلال الله ؛ حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهوا . وحتى لا يمضي الذين يكفرون بعد البرهان المفحم دون جزاء رادع !
وقد مضت سنة الله من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة . . فأما هنا فإن النص يحتمل أن يكون هذا العذاب في الدنيا ، أو أن يكون في الآخرة .
قوله تعالى " قال الله إني منزلها عليكم " هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤاله عيسى إجابة للحواريين ، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير . قال ابن عمر : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون . قال الله تعالى " فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين " واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا ؟ فالذي عليه الجمهور وهو الحق نزولها لقوله تعالى : " إني منزلها عليكم " وقال مجاهد : ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله تعالى لخلقه فنهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه وقيل : وعدهم بالإجابة فلما قال لهم : " فمن يكفر بعد منكم " الآية استعفوا منها ، واستغفروا الله وقالوا : لا نريد هذا . قاله الحسن . وهذا القول الذي قبله خطأ والصواب أنها نزلت .
قال ابن عباس : إن عيسى ابن مريم قال لبني إسرائيل : [ صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكم ] فصاموا ثلاثين يوما وقالوا : يا عيسى لو عملنا لأحد فقضينا عملنا لأطعمنا{[6166]} وإنا صمنا وجعنا ، فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء ، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات{[6167]} فوضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم ، وذكر أبو عبدالله محمد بن علي الترمذي الحكيم{[6168]} في " نوادر الأصول " له : حدثنا عمر بن أبي عمر قال حدثنا عمار بن هارون الثقفي عن زكرياء بن حكيم الحنظلي عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : لما سألت الحواريون عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه المائدة قام فوضع ثياب الصوف ولبس ثياب المسوح ، وهو سربال من مسوح أسود ولِحاف أسود ، فقام فألزق القدم بالقدم وألصق العقب بالعقب والإبهام بالإبهام ، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى ، ثم طأطأ رأسه خاشعا لله ، ثم أرسل عينيه يبكى حتى جرى الدمع على لحيته وجعل يقطر على صدره ثم قال : " اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم " الآية . فنزلت سفرة حمراء مدورة بين غمامتين من فوقها وغمامة من تحتها والناس ينظرون إليها ، فقال عيسى : [ اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة إلهي أسألك من العجائب فتعطى ] فهبطت بين يدي عيسى عليه السلام وعليها منديل مغطى فخر عيسى ساجدا والحواريون معه ، وهم يجدون لها رائحة طيبة ولم يكونوا يجدون مثلها{[6169]} قبل ذلك فقال عيسى : [ أيكم أعبد لله وأجرأ على الله وأوثق بالله فليكشف عن هذه السفرة حتى نأكل منها ونذكر اسم الله عليها ونحمد الله عليها ] فقال الحواريون : يا روح الله أنت أحق بذلك ، فقام عيسى صلوات الله عليه فتوضأ وضوءا حسنا وصلى صلاة جديدة ودعا دعاء كثيرا ، ثم جلس إلى السفرة فكشف عنها فإذا عليها سمكة مشوية ليس فيها شوك تسيل سيلان الدسم ، وقد نضد حولها من كل البقول ما عدا الكراث ، وعند رأسها ملح وخل وعند ذنبها خمسة أرغفة على واحد منها خمس رمانات وعلى الآخر تمرات وعلى الآخر زيتون قال الثعلبي : على واحد منها زيتون ، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث بيض وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد ، فبلغ ذلك اليهود فجاؤوا غما وكمدا ينظرون إليه فرأوا عجبا فقال شمعون وهو رأس الحواريين : يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنة ؟ فقال عيسى صلوات الله عليه : [ أما افترقتم{[6170]} بعد عن هذه المسائل ما أخوفني أن تعذبوا ] فقال شمعون : وإله بني{[6171]} إسرائيل ما أردت بذلك سوءا فقالوا : يا روح الله لو كان مع هذه الآية آية أخرى قال عيسى عليه السلام : [ يا سمكة احيي بإذن الله ] فاضطربت السمكة طرية تَبِصُّ{[6172]} عيناها ، ففزع الحواريون فقال عيسى : [ ما لي أراكم تسألون عن الشيء فإذا أعطيتموه كرهتموه ما أخوفني أن تعذبوا ] وقال : [ لقد نزلت من السماء وما عليها طعام من الدنيا ولا من طعام الجنة ، ولكنه شيء ابتدعه الله بالقدرة البالغة فقال لها كوني فكانت ] فقال عيسى : [ يا سمكة عودي كما كنت ] فعادت مشوية كما كانت فقال الحواريون : يا روح الله كن أول من يأكل منها ، فقال عيسى : [ معاذ الله إنما يأكل منها من طلبها وسألها ] فأبت الحواريون أن يأكلوا منها خشية أن تكون مَثُلَة{[6173]} وفتنة ، فلما رأى عيسى ذلك دعا عليها الفقراء والمساكين والمرضى والزمنى والمجذمين والمقعدين والعميان وأهل الماء الأصفر ، وقال : [ كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واحمدوا الله عليه ] وقال : [ يكون المهنأ لكم والعذاب على غيركم ] فأكلوا حتى صدروا عن سبعة آلاف وثلاثمائة يتجشؤون{[6174]} فبرئ كل سقيم أكل منه واستغنى كل فقير أكل منه حتى الممات ، فلما رأى ذلك الناس ازدحموا عليه فما بقي صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب ولا غني ولا فقير إلا جاؤوا يأكلون منه فضغط بعضهم بعضا ، فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبا بينهم ، فكانت تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود ترعى يوما وتشرب يوما ، فنزلت أربعين يوما تنزل ضحا فلا تزال حتى يفيء الفيء موضعه ، وقال الثعلبي : فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صعدا فيأكل منها الناس ، ثم ترجع إلى السماء والناس ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم ، فلما تم أربعون يوما أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام [ يا عيسى اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء ] فتمارى{[6175]} الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء وشكوا{[6176]} وشككوا الناس فقال الله يا عيسى : [ إني آخذ بشرطي ] فأصبح منهم ثلاثة وثلاثون خنزيرا يأكلون العذرة يطلبونها بالأكباء ، والأكباء هي الكناسة واحدها كبا{[6177]} بعدما كانوا يأكلون الطعام الطيب وينامون على الفرش اللينة فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا على عيسى يبكون ، وجاءت الخنازير فجثوا على ركبهم قدام عيسى ، فجعلوا يبكون وتقطر دموعهم فعرفهم عيسى فجعل يقول : [ ألست بفلان ] ؟ فيومئ برأسه ولا يستطيع الكلام فلبثوا كذلك سبعة أيام ومنهم من يقول : أربعة أيام ، ثم دعا الله عيسى أن يقبض أرواحهم فأصبحوا لا يدرى أين ذهبوا ؟ الأرض ابتلعتهم أو ما صنعوا ؟ ! .
قلت : في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده ، وعن ابن عباس وأبي عبدالرحمن السلمي كان طعام المائدة خبزا وسمكا وقال ابن عطية : كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام ، وذكره الثعلبي وقال عمار بن ياسر وقتادة : كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمار من ثمار الجنة . وقال وهب بن منبه : أنزله الله تعالى أقرصة من شعير وحيتانا ، وخرج الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير ] قال أبو عيسى : هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة حدثنا حميد بن مسعد قال حدثنا سفيان بن حبيب عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه ، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا وقال سعيد بن جبير : أنزل على المائدة كله شيء إلا الخبز واللحم . وقال عطاء : نزل عليها كل شيء إلا السمك واللحم . وقال كعب : نزلت المائدة منكوسة{[6178]} من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلا اللحم .
قلت : هذه الثلاثة أقوال مخالفة لحديث الترمذي وهو أولى منها ؛ لأنه إن لم يصح مرفوعا فصح موقوفا عن صحابي كبير والله أعلم . والمقطوع به أنها نزلت وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه وذكر أبو نعيم عن كعب أنها نزلت ثانية لبعض عباد بني إسرائيل قال كعب : اجتمع ثلاثة نفر من عباد بني إسرائيل فاجتمعوا في أرض فلاة مع كل رجل منهم اسم من أسماء الله تعالى فقال أحدهم : سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم قالوا : نسألك أن تدعو الله أن يظهر لنا عينا ساحة بهذا المكان ، ورياضا خضرا وعبقريا قال : فدعا الله فإذا عين ساحة ورياض خضر وعبقري ، ثم قال أحدهم سلوني فأدعوا الله لكم بما شئتم فقالوا : نسألك أن تدعو الله أن يطعمنا شيئا من ثمار الجنة فدعا الله فنزلت عليهم بسرة ، فأكلوا منها لا تقلب إلا أكلوا منها لونا ثم رفعت ثم قال أحدهم : سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم ، فقالوا : نسألك أن تدعو الله أن ينزل علينا المائدة التي أنزلها على عيسى قال : فدعا فنزلت فقضوا منها حاجتهم ثم رفعت وذكر تمام الخبر . مسألة : جاء في حديث سلمان المذكور بيان المائدة وأنها كانت سفرة لا مائدة ذات قوائم والسفرة مائدة النبي صلى الله عليه وسلم وموائد العرب ، خرج أبو عبدالله الترمذي الحكيم{[6179]} : حدثنا محمد بن بشار{[6180]} قال حدثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن يونس عن قتادة عن أنس قال ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان قط ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق قال : قلت لأنس فعلام كانوا يأكلون ؟ قال : على السفر . قال محمد بن بشار : يونس هذا هو أبو الفرات الإسكاف .
قلت : هذا حديث صحيح ثابت اتفق على رجاله البخاري ومسلم وخرجه الترمذي قال : حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا معاذ بن هشام فذكره وقال فيه : حسن غريب قال الترمذي أبو عبدالله : الخوان هو شيء محدث فعلته الأعاجم وما كانت العرب لتمتهنها{[6181]} وكانوا يأكلون على السفر واحدها سفرة وهي التي تتخذ من الجلود ولها معاليق تنضم وتنفرج فبالانفراج سميت سفرة لأنها إذا حلت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها فقيل لها السفرة ، وإنما سمي السفر سفرا لإسفار الرجل بنفسه عن البيوت وقوله : ولا في سكرجة لأنها أوعية الأصباغ{[6182]} وإنما الأصباغ للألوان ولم تكن من سماتهم الألوان وإنما كان طعامهم الثريد عليه مقطعات اللحم وكان{[6183]} يقول : " انهسوا{[6184]} اللحم نهسا فإنه أشهى وأمرأ " فإن قيل : فقد جاء ذكر المائدة في الأحاديث من ذلك حديث ابن عباس قال : لو كان الضب حراما ما أكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم ، خرجه مسلم وغيره . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ تصلي الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة ] خرجه الثقات وقيل : إن المائدة كل شيء يمد ويبسط مثل المنديل والثوب وكان من حقه أن تكون مادة الدال مضعفة فجعلوا إحدى الدالين ياء فقيل : مائدة ، والفعل واقع به فكان ينبغي أن تكون ممدودة ، ولكن خرجت في اللغة مخرج فاعل كما قالوا : سر كاتم وهو مكتوم وعيشة راضية وهي مرضية وكذلك خرج في اللغة ما هو فاعل على مخرج مفعول فقالوا : رجل مشؤوم وإنما هو شائم وحجاب مستور وإنما هو ساتر قال : فالخوان هو المرتفع عن الأرض بقوائمه والمائدة ما مد وبسط{[6185]} والسفرة ما أسفر عما في جوفه وذلك لأنها مضمومة بمعاليقها وعن الحسن قال : الأكل على الخوان فعل الملوك وعلى المنديل فعل العجم وعلى السفرة فعل العرب وهو السنة والله أعلم{[6186]} .
ولما كان ظاهر سؤالهم من{[28258]} الاستفهام عن الاستطاعة للاضطراب{[28259]} وإن كان للإلهاب ، أكد{[28260]} الجواب فقال : { إني منزلها عليكم } أي الآن بقدرتي الخاصة بي { فمن يكفر بعد } أي بعد إنزالها { منكم } وهذا السياق مشعر بأنه يحصل{[28261]} منهم كفر ، وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما يقال في يهودا الإسخريوطي أحدهم الذي دل على عيسى عليه السلام ، فألقى شبهه عليه ، ولهذا{[28262]} خصه بهذا العذاب فقال : { فإني أعذبه } أي على سبيل البتّ والقطع { عذاباً لا أعذبه } أي مثله أبداً فيما يأتي من الزمان { أحداً من العالمين * } وفي هذا أتم زاجر لهذه الأمة عن اقتراح الآيات ، وفي ذكر قصة المائدة في هذه السورة التي افتتحت بإحلال المآكل واختتمت بها أعظم تناسب ، وفي ذلك كله إشارة إلى تذكير هذه الأمة بما أنعم عليها بما أعطى نبيها من المعجزات ومنَّ عليها به{[28263]} من حسن الاتباع ، وتحذير من كفران هذه النعم المعددة{[28264]} عليهم ، وقد اختلف المفسرون في حقيقة هذه المائدة وفي أحوالها ؛ قال أبو حيان : وأحسن ما يقال فيه ما خرجه{[28265]} الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً ، وأمروا أن لا يدخروا لغد ولا يخونوا ، فخانوا وادخروا{[28266]} ورفعوا{[28267]} لغد ، فمسخوا{[28268]} قردة وخنازير " انتهى . قلت : ثم{[28269]} صحح الترمذي وقفه على عمار وقال : لا نعلم{[28270]} للحديث المرفوع أصلاً ، غير أن ذلك لا يضره لكونه لا يقال من قِبَل الرأي ، ولا أعلم{[28271]} أحداً ذكر عماراً فيمن أخذ عن أهل الكتاب ، فهو مرفوع حكماً ، وهذا الخبر يؤكد{[28272]} أن الخبر في الآية على بابه ، فيدفع قول من قال : إنها لم تنزل ، لأنهم لما سمعوا الشرط قالوا : لا حاجة لنا بها ، لأن خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل القول لديه ، وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع مثله لآحاد الأمة ؛ روى البيهقي في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال : كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان ، فأقبلت تطلب{[28273]} من يصحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيت رجلاً من اليهود فقال : ما لك يا أم شريك ؟ قالت{[28274]} : أطلب رجلاً يصحبني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فتعالي فأنا{[28275]} أصحبك ، قالت : فانتظرني حتى أملأ سقائي ماءً ، قال : معي ماء{[28276]} {[28277]} ما لا تريدين{[28278]} ماءً ، فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا ، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى وقال : يا أم شريك ! تعالي إلى العشاء ! فقالت : اسقني من الماء فإني عطشى ، ولا أستطيع أن{[28279]} آكل حتى أشرب ، فقال لها : لا أسقيك حتى تهودي{[28280]} ! فقالت : لا جزاك الله خيراً ! غربتني ومنعتني أن{[28281]} أحمل ماء ، فقال : لا والله لا{[28282]} أسقيك منه قطرة حتى تهودي ، فقالت : لا والله لا أتهود أبداً بعد إذ هداني الله للإسلام ؛ فأقبلت إلى بعيرها فعقلته{[28283]} ووضعت رأسها على ركبته فنامت ، قالت : فما أيقظني إلا برد دلو{[28284]} قد وقع{[28285]} على جبيني{[28286]} ، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل ، فشربت حتى رويت ، ثم نضحت على سقائي حتى ابتل ثم ملأته ، ثم رفع بين يديّ وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء ، فلما أصبحت جاء اليهودي فقال : يا أم شريك ! قلت : والله قد سقاني الله ، قال : من أين أنزل عليك ؟ من السماء ؟ قلت : نعم ، والله لقد أنزل الله عليّ من السماء ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء ؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصت عليه القصة ، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها نفسها فقالت : يا رسول الله ! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك فزوجني من شئت ، فزوجها زيداً وأمر لها بثلاثين صاعاً وقال : كلوا ولا تكيلوا ، وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لجارية لها : بلغي{[28287]} هذه العكة رسول{[28288]} الله صلى الله عليه وسلم ، قولي : أم شريك تقرئك السلام ، وقولي : هذه عكة سمن أهديناها لك ، فانطلقت بها الجارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم{[28289]} فأخذوها ففرغوها ، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : علقوها ولا توكوها ، فعلقوها في مكانها ، فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمناً ، فقالت : يا فلانة{[28290]} ! أليس أمرتك أن{[28291]} تنطلقي بهذه العكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقالت : قد والله انطلقت بها كما قلت ، ثم أقبلت بها أضربها{[28292]} ما يقطر منها شيء ولكنه قال : علقوها ولا توكوها ، فعلقتها في مكانها ، وقد{[28293]} أوكتها أم شريك حين رأتها{[28294]} مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت ، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعاً لم ينقص منه شيء ، قال : وروي ذلك من وجه آخر ، ولحديثه{[28295]} شاهد صحيح عن جابر رضي الله عنه .
وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى المدينة وليس معها زاد ، فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت عطشاً شديداً ، قالت : فسمعت هفيفاً{[28296]} شديداً فوق رأسي ، فرفعت رأسي فإذا دلو مدلى من السماء برشاء أبيض ، فتناولته بيدي حتى استمسكت به{[28297]} ، قالت : فشربت منه حتى رويت ، قالت : فلقد أصوم بعد تلك الشربة{[28298]} في اليوم الحار الشديد الحر ثم أطوف في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة . قال{[28299]} : وفي الجهاد عن البخاري عن أبي هريرة قال : " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عيناً ، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم{[28300]} بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم - فذكر الحديث حتى قال : فابتاع خبيباً - يعني ابن عدي الأنصاري - بنو الحارث{[28301]} بن عامر{[28302]} بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر{[28303]} يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيراً ، فأخبرني{[28304]} عبيد الله بن عياض{[28305]} أن ابنة الحارث{[28306]} قالت : والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب ، والله لقد وجدته يوماً يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر{[28307]} ، وكانت تقول : إنه لرزق{[28308]} من الله{[28309]} رزق خبيباً "